Untitled Document

 

هوامش على حوار المطلك والسراج : السكوت عن الجريمة تمهيد لجريمة أخرى


علاء اللامي


بثت قناة الجزيرة القطرية مساء الأحد، الأول من آب الجاري ، حلقة من برنامج "ما وراء الأحداث" وقد قدمته الإعلامية العراقية المرموقة ليلى الشيخلي واستضافت فيه النائبين صالح المطلك الأمين العام للقائمة "العراقية " مع إن السيدة ليلى قدمته بصفة رئيس القائمة سهوا، و د. عدنان السراج عضو قيادة قائمة دولة القانون التي يقودها  نوري المالكي. هنا هوامش تعقيبية على بعض ما ورد في هذا البرنامج :
لا ينتظر المرء من السياسيين العراقيين الناشطين في العملية السياسية الأميركية جديدا في الشكل أو المضمون يكسر رتابة التصريحات والتصرفات المعتادة، ولكنه قد يجد فيما يقال ويُفعل الكثير من الدلالات والمغازي الاجتماعية والسياسية. فحين يكون موضوع الحديث مجزرة بشعة يروح ضحيتها عشرات العراقيين ويرتكب فيها المجرمون تنكيلا دنيئا  بجثث الضحايا فإن ما يقرر مضمون التصريحات والبيانات السياسية السائدة ليس نوع وحجم ودلالات وسياق الجريمة بل مكانها وانتماء الضحايا الطائفي ورد الطرف الطائفي المقابل عليها. الأمثلة كثيرة، ويمكن لمن يشاء أن يستل من أرشيف التقاتل الطائفي وجرائم التنظيمات التكفيرية السنية والشيعية والكردية خلال السنوات القليلة الماضية الشيء الكثير . غير أن موضوع الحوار بين المطلك والسراج يبدو مختلفا من بعض زواياه، رغم أنه لم يفلت من شروط الجغرافية الطائفية. الموضوع أو الحدث هو العملية المسلحة المباغتة التي شنها مسلحو تنظيم القاعدة التكفيري في قلب حي الأعظمية على مراكز مراقبة وتفتيش للقوات الحكومية العراقية، فقاموا أولا باغتيال الشباب العسكريين الموجودين في المركز بكواتم الصوت ثم عمدوا إلى صب الوقود على جثثهم وأحرقوها و رفعوا راية تنظيمهم فوقها بعد أن أنزلوا العلم العراقي .

 

عمل شنيع وخسيس كهذا ما كان يمكن أن يمر مرور الكرام ودون تفحص أو مراجعة وتحليل من قبل النخب المثقفة وصناع الحدث السياسي والاجتماعي و علماء النفس في أية دولة أو مجتمع يحترم نفسه ويوقر ضحاياه الأبرياء، فالجريمة خرجت على كل الشروط والظروف والمواصفات المعروفة والمألوفة في أوقات الحرب والسلام و دخلت في حالة أخرى أقرب إلى المرض الغريب أو الجنون الوحشي، مع أن هذه الجريمة ليست الأولى فقد سبق لمسلحي القاعدة أن أحرقوا جنودا ورجال شرطة عراقيين وهم أحياء بعد أن رموهم في خندق وصبوا عليهم النفط  ثم وزعوا شريطا مصورا عن هذه السفالات الوحشية على أنصارهم في حواضنهم السابقة.


في تعليقاتهم على الجريمة الأخيرة في الأعظمية كرت مسبحة الكلام الغائم والعموميات الانشائية. السيد صالح المطلك- مثلابدأ مداخلته بكلام منطقي ومتماسك ومعتدل، وبالمناسبة فمن خلال متابعتي لتصريحات وتسلكات السياسيين العراقيين، يمكن أن أقول أن المطلك يبدأ تصريحاته دائما بهذا الشكل المتماسك والمنطقي والمعتدل بل والهادئ والمعتدل في المضامين ولكنه إذا استمر في الكلام ولم يوقفه أحد فإنه سيخرج عن " طوره " ويأتي القسم الثاني من مداخلته أو تصريحه  مختلفا تماما وعلى العكس من القسم الأول. بدأ المطلك كلامه بإدانة تصرفات القوات الأمنية وكرر دون تردد أو فحص أو تحفظات ما بثته قناة "الشرقية" والذي مفاده أن لديها معلومات تقول بأن منطادا تابعا لقوات الاحتلال صوَّر مسلحي القاعدة وهم يدخلون إلى منطقة الأعظمية من خارجها ونفذوا عمليتهم ثم عادوا وخرجوا منها. و لم تفسر لنا الشرقية و " العباقرة " الذين يشرفون عليها ويديرونها لماذا لم تعمد قوات الاحتلال الأميركية إلى التدخل أو الطلب من القوات العراقية أن تتدخل بعد أن رصد منطادها "العتيد " بداية الهجوم بهدف إفشاله، أم إنه كان  يصور الهجوم لأغراض سياحية ! هذه المعلومة لم يكررها أي مصدر آخر غير قناة الشرقية التي طالما انفردت بإهانة عقول وذكاء مشاهديها، ولكنني شخصيا أتفهمها وأتفهم دوافعها النظيفة التي تريد إبعاد أهالي الأعظمية عن أية مسؤولية في هذه الجريمة وهم فعلا أبرياء منها وليسوا بحاجة إلى الأكاذيب والفبركات الإعلامية، غير أن الحقيقة لا علاقة لها بما قاله المطلك وقناة الشرقية فالبعض من أهالي الأعظمية أنفسهم صرحوا لصحيفة سعودية، أي نعم سعودية ، هي "الشرق الأوسط" أن مسلحي القاعدة كانوا يتواجدون في شارع "الأخطل" في المدينة والذي يعتبر معقلهم و منطقة نفوذهم، وأنهم يستغلون العاطلين عن العمل لتنفيذ مآربهم. الدفاع عن الأهالي بوجه ممارسات القوات الأمنية المعروفة بقسوتها وخرقها لحقوق الإنسان لا ينبغي أن يستند إلى أكاذيب مهما كانت المبررات، و لا ينبغي أن يكون على حساب ضحايا آخرين هم عراقيون أيضا وقد قتلوا بشناعة ومثَّل المجرمون بجثثهم .


يمكن أيضا أن نرى في ردود الأفعال المتشنجة التي تلت عمليات الدهم والمطاردة في الحي المذكور عَيِّنة صغيرة لما قد يحدث من ردود أفعال على أحداث عنف متوقعة مستقبلا في هذه المنطقة الساخنة طائفيا وأمنيا أو تلك. فبعد ساعات من الإعلان عن تفاصيل ما حدث في الأعظمية، سارع إياد علاوي زعيم قائمة " العراقية " إلى إصدار بيان عاطفي وسطحي امتدح فيه "منطقة الأعظمية الكريمة والعريقة "وطالب بوقف المداهمات والاعتقالات العشوائية فورا وعدم زج الجيش في الأحداث " لأن هذا الأمر غير دستوري!". ومن الطبيعي جدا، أن يكون الهدف الرئيسي والأول في أحداث كهذه هو الدفاع عن الأهالي والمدنيين في الأعظمية أو غيرها، كما ينبغي تفهم عدم تعاون أولئك الأهالي مع القوات الأمنية خوفا من انتقام التنظيم التكفيري الذي يعاقب بدموية رهيبة كل من يقف ضده أو يتعاون مع القوات الحكومية، غير أن من المعيب وغير القابل للتبرير حقا السكوت على جريمة قتل الجنود والشرطة العراقيين والتمثيل بجثثهم بتلك الهمجية  تحت راية تنظيم القاعدة التي رفعها الملثمون وعدم التعليق أو التوقف عند هذه الأفعال. وهنا، فلا ندري في الواقع أين نضع إدعاء زعيم البعث عزة الدوري الذي ورد في تسجيل صوتي جديد بثه قناة الجزيرة خلال الأحداث الأخيرة بأن حزبه أصبح "المرجعية والحاضنة العملية للمقاومة الجهادية" وقد حدث ما حدث في قلعة البعثيين الأعظمية و تحت راية تنظيم القاعدة! في المقابل سكتت وسائل إعلام ذات خلفيات أو مرجعيات طائفية شيعية عند تفصيل إحراق الجثث والشناعات الأخرى، ولم تعلق أو تتوقف قط عند معاناة أهالي الأعظمية من المدنيين الأبرياء خلال الأحداث وحالة الحصار التي فرضت عليهم فأصبحوا بين سندان تنظيم القاعدة ومطرقة القوات الأمنية الحكومية. في كلتا الحالتين طاش سهم الصواب والاعتدال وعاد الطرفان إلى ترسانتهما ودوافعهما الطائفية المحضة.


 لقد سكت بيان علاوي زعيم قائمة العراقية تماما عن جريمة قتل الجنود والشرطة العراقيين والتمثيل بجثثهم و سكت عنها أيضا الهاشمي في بيانه الذي اعتبر ما قامت به القوات الأمنية عقابا جماعيا لسكان الأعظمية، و قد قيل أن عدد الذين اعتقلوا فاق الثلاثمائة وإنهم بحسب المطلك أساتذة وطلاب جامعيون، أما السلطات فأعلنت أن عدد المعتقلين بموجب مذكرات قضائية هو 56 شخصا سيطلق من بينهم 13 قريبا كما قيل . السيد المطلك للإنصاف - هو الوحيد من قادة " العراقية " الذي أدان ما حدث بكلمات قليلة و وصفه بالجريمة المدانة وهذا يسجل له ولكنه حاول أن يعطي لكلامه خلفية غير طائفية مفتعلة  حين قال بأنه يدافع عن أهالي الأعظمية ليس لأنهم سنة بل لأنهم عراقيون، ثم ذكر بعض المناطق المصنفة طائفيا .


 ما لا يمكن السكوت عليه أيضا  هو صمت السياسيين والكتاب من الجانب الطائفي الآخر وأعني من العرب الشيعة  فلم نسمع من أحدهم تنديدا أو حتى تحفظا على رد الفعل الأمني، وكان المطلك قد انتقد بلهجة عتاب عدم مشاركة نواب من الشيعة في الوفد البرلماني الذي زار الأعظمية فرد عليه زميله في الحوار والبرلمان السيد عدنان السراج بأنه كان هناك، في الأعظمية  شخصيا، وقد التقى بالأهالي، وقد عرضت زيارته في التلفزيون العراقي، ربما يقصد قناة العراقية الحكومية. وخيرا فعلا السراج ولكن هل لنا أن نسأله إن كان قد زار الأعظمية  كمسؤول في الحزب الحاكم أم كنائب منتخب من الشعب ؟ وإذا كان هو شخصيا قد ذهب إلى هناك فلماذا امتنع الآخرون من مكونه الطائفي عن فعل ذلك؟  أما قوله بأن الأهالي الذين التقى بهم كان يتذمرون من القاعدة ويدينون ممارساتها ويشكرون القوات الأمنية على ما قامت به فهو يعيدنا إلى عهد " الملخ والردح الإعلامي" الذي اعتدنا عليه من إعلام نظام صدام والأنظمة الشمولية الدموية الأخرى .


 المفارقات والتناقضات التي وردت في حوار المطلك والسراج  تشي بالكثير من السوء في الأداء والتفكير و طريقة تناول القضايا بشكل مبتور وسطحي ولا يخلو من محاولة التوظيف السياسي لمصائب العراقيين، ولكنها من جهة أخرى تبين لنا أن السياسيين في العملية السياسية الأميركية أكثر متابعة وحركية للأحداث وهذا هو عملهم الذي يتقاضون عليه ملايين الدنانير والدولار ولكن المؤسف هو صمت النخبة المثقفة والمحللين والكتاب والصحفيين وخصوصا أولئك الذين هم على الضد من الاحتلال وعمليته السياسية على أحداث جسام تكتسي أهمية رمزية قصوى كهذا الحدث الدموي البشع. وأخير فإن من الإنصاف القول أن حوار النائبين المطلك والسراج ومداخلاتهما كانت على درجة عالية من الدماثة والود والاحترام المتبادل مع بعض الضربات الخفيفة تحت الحزام أحيانا- الأمر الذي أنسانا لفترة قصيرة عراك الديكة الصاخب والذي كان يعرض على شاشة دكان "الاتجاه المعاكس" لصاحبه فيصل القاسم.



 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

الكاتب علاء اللامي

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الصحفيين والكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة

 

 

 

لا

للأحتلال