Untitled Document

 

خيارات المالكي بين السهل والممتنع والممنوع أمريكيا

علاء اللامي *

إذا كانت الخيارات التي ستواجه علاوي الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات العراقية التشريعية أحلاها مرٌّ كما وصفها أحد مؤيديه، فإن الخيارات التي ستواجه منافسه المباشر والقوي نوري المالكي لن تكون أقل مرارة ولكنها قد تمتاز بالتنوع. هذه الخيارات ستكون محكومة بسقف واقع الحال العراقي، المحكوم بدوره بحالة الاحتلال الأجنبي المباشر، والذي دخل الآن مرحلة جني الثمار السياسية والاقتصادية للحرب التي شنها بوش والاحتكارات الإمبريالية الأميركية على العراق.لقد أكدنا فحوى هذا التحليل بعد يوم واحد على إعلان النتائج الجزئية، وقلنا أن المهمة الآن أمام إدارة أوباما هي تحويل الاحتلال المباشر للعراق إلى احتلال غير مباشر عبر إيجاد حكومة تابعة بالكمال والتمام، يقودها رجل أمريكا القوي إياد علاوي مدعوما من تحالف عريض من أصدقاء الاحتلال الطائفيين والعلمانيين معا وفي حال الفشل سيكون خيار الصوملة والاقتتال الطائفي جاهزا.

 وبعد يوم واحد على نشر ما كتبنا على هذه الصفحة، صرح السيناتور جين مكين المرشح المهزوم لحزب بوش في الانتخابات الرئاسية، مطالبا أوباما بأن يكون مرنا في قضية جدولة الانسحاب من العراق. والمرونة لا تعني في قاموس اليمين الأميركي المحافظ التعجيل في الانسحاب بل العكس. أي إن على أوباما ألا يتشدد ويعاند من أجل تطبيق الانسحاب في التواريخ التي أعلنها في حملته الانتخابية. ويضيف مكين بأن على رئيسه أن يزيد من ربط العراق بالولايات المتحدة الأميركية سياسيا واقتصادا وأمنيا، وهذا كلام صريح لا يحتاج إلى مزيد بيان. و غداة إعلان النتائج النهائية، صرح قائد قوات الاحتلال الجنرال بترايوس بأن "ثمة فرصة جيدة تتوفر حاليا للولايات المتحدة في العراق والشرق الأوسط". وما هي إلا ساعات حتى صرح السيد علاوي تصريحا قويا وأكثر مباشرة اعتبره المراقبون تمهيدا للمطالبة ببقاء قوات الاحتلال لفترة طويلة حيث قال بأن ( العراق غير قادر على تولي زمام الأمور بشكل جيد بعد الانسحاب الأمريكي وإن من الواجب أن يتزامن الانسحاب مع الإصلاحات السياسية ..) وزاد على ذلك بالقول ( أن الاتفاقية الأمنية الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية ممتازة ولكنها تشكو من عدة ثغرات) ويمكن اعتبار هذا التصريح نسخة علنية من العرض السري الذي قيل بأن طارق الهاشمي أحد أقطاب قائمة علاوي ونائب رئيس الدولة عن طائفة العرب السنة قدمه خلال زيارته إلى أمريكا قبيل الانتخابات والذي طالب فيه باستمرار بقاء قوات الاحتلال على أرض العراق.

من الواضح حتى اللحظة هو  أن الأمور تسير كما خططت لها واشنطن: فخصومها المختلفون أصلا من الناحية النوعية، قد حشروا في الزاوية حيث حزب المالكي خسر المرتبة الأولى التي كان يطمح إليها، وكان زعيم هذا الحزب قال قبل الانتخابات بأيام قلية أن قائمته تضع عينها على ثلث مقاعد البرلمان أي 108 مقاعد ولكننا والكلام للمالكي - الآن أكثر تفاؤلا، فكان هذا التفاؤل في غير محلة ودفع صاحبه ثمن تردده في القطع مع الاحتلال والطائفية و تلكئه في فتح صفحة جديدة تفعِّل الحراك الشعبي المناهض للاحتلال والطائفية وتشل الحراك المضاد للقوى الطائفية والعلمانية الحليفة للاحتلال. أما الأحزاب الطائفية الفاقعة فقد تحولت إلى قوى هامشية: التوافق حصلت على ستة مقاعد من مجموع 325 مقعدا، وحزب المجلس الأعلى بقيادة الحكيم على 18 مقعدا أي أكثر قليلا من خمسة بالمئة، وحتى الصدريون لم يحققوا أي تقدم مهم وكبير كما قرأ البعض النتائج خطأ فقد كان لديهم 30 مقعدا من مجموع 275 في البرلمان السابق واليوم لديهم 39 مقعدا من مجموع 325 بمعنى إن تقدمهم كانت بحدود واحد بالمئة من نسبة المقاعد. أما الأحزاب الكردية مجتمعة فقد حلت بها خسارة فادحة تقارب النصف وانخفض رصيدها من 78 مقعدا من مجموع 275 إلى 57 من مجموع 325 .

باختصار شديد: لقد نجح التصميم السياسي والانتخابي الذي وضعه الاحتلال للتحكم بالوضع العراقي في تعقيد وخلخلة المتاهة السياسية عبر تهميش وإضعاف جميع القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية الاحتلالية ليكون من المستحيل تشكيل حكومة قوية وفعالة قادرة على اتخاذ موقف مهما كان، وسيكون الجميع بحاجة إلى الجميع، ليكون الاحتلال هو المايسترو والمقرر النهائي والأعلى في إدارة اللعبة.

الخيارات التي تواجه المالكي كما قلنا لا تقل مرارة عن تلك التي تواجه القائمة العلمانية المدعومة أمريكيا. ولعل أسهل تلك الخيارات أمامه هو النكوص إلى الأصل الطائفي لحزبه وأيديولوجيته والاقتناع بما سيحصل عليه من النسخة الجديدة من المحاصصة الطائفية، وهنا ستسهل أميركا هذا الخيار بأن تدفع قائمة الحكيم وعلاوي والكردستاني إلى القبول بدور محدود له مقابل شروط لن تكون "بطولية" في جميع الأحوال.

 الخيار الثاني، وهو الذي يمكننا وصفه بالخيار الممتنع بسبب تعقيدات الوضع العام والصراعات الداخلية في قائمة المالكي ذاتها، وفي حزبه الخاص، بين تيار وطني مناهض بعمق للطائفية يمثله صادق الركابي وشيروان الوائلي وآخرون، وتيار آخر ذي نزوع و بواعث طائفية صريحة يقوده عبد الحليم الزهيري وطارق نجم العبد الله وخضير الخزاعي وهو تيار يضغط حاليا من أجل تحالف شيعي يدخل البرلمان كقوة مندمجة أو موحدة. هذا الخيار الممتنع هو أن يتحالف المالكي مع الكردستاني والقوى العربية السنية التي رفضت الانضواء تحت راية الاحتلال غير المباشر القادم مع علاوي، وقد زار المالكيَّ وفدٌ من هذه القوى مؤلف من المشهداني والعليان والسامرائي  عشية الإعلان عن النتائج الانتخابات، إضافة إلى قوى صغيرة أخرى وقوى من المتوقع ان تنسلخ عن قائمة علاوي قريبا. وكما قلنا فهذا الخيار ممتنع لذاته، ولمجموعة أسباب داخلية وعملية.

الخيار الثالث، وهو خيار ممنوع أمريكيا، وحتى إقليميا، ولكنه ليس مستحيلا بل يحتاج إلى جرأة وقدرة على قراءة الأحداث والقوى السياسية وطبيعة المرحلة والأهداف الآنية للاحتلال في طوره الجديد. إنه خيار يقوم على تبني قائمة المالكي والقوى المشابهة لها والتي ستلتحق بها، ولكنها غير قادرة على تشكيل الحكومة، تبنيها لسياسة معارضة في البرلمان وخارجه ، تكون وطنية التوجهات مناهضة للاحتلال والطائفية تطالب الانسحاب الفوري لقواته ورسم برنامج سياسي جديد يسحب البساط من تحت أقدام القوى الطائفية والعلمانية المتحالفة مع الاحتلال، ويقوم هذا البرنامج على مشروع إصلاحات سياسية واضحة ومصالحة اجتماعية وسياسية ترفض الاجتثاث ولكنها في الوقت نفسه تجرم وتحرم التعامل مع الصداميين الصرحاء المدافعين عن جرائمه بحق الشعب طوال فترة حكم النظام السابق على ألا يجري تعميم هذا التحريم والتجريم على عموم البعثيين.

هذا الخيار هو الأقرب إلى التوجهات الشعبية المناهضة للاحتلال والطائفية والتي شوَّشها تلكؤ المالكي من جهة والشعارات العلمانية البراقة لعلاوي فجاءت نتائج الانتخابات بهذا الشكل المشوش وليس بأي شكل آخر.إنه خيار ممنوع أمريكيا كما قلنا ولكن أميركا ليست اللاعب الوحيد في العراق فثمة شعب العراق أيضا.

* كاتب عراقي / الأخبار

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

مقالات مختارة

تصدرها مجموعة من الصحفيين والكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة