Untitled Document

 

مقتل زعيمي"القاعدة" في العراق..السياق والدلالات وتساؤل: لماذا لم يعتقلا بل قتلا قصفا؟

 

علاء اللامي*

للمرة الثانية يدفع تنظيم القاعدة في العراق وباسمه المحلي "الدولة الإسلامية في العراق" ثمن إطلالاته الإعلامية من دماء قادته. فبعد إطلالة الزرقاوي ومجموعة من مسلحيه في شريط "فيديو" مصور قتل هو وعدد من مساعديه بقصف جوي. هذه المرة، أطل تنظيم القاعدة قبل بضعة أيام بوثيقة أطلق عليها ( خطــة إسـتراتجية لتعزيز الموقف السياسي لـ " دولة العراق الإسلامية " ) وهي أول وثيقة مفصلة ومكتوبة بدراية تنظيرية لا بأس بها في التحليل السياسي، تصدر عن أحد تنظيمات ما عرف اصطلاحا بـ"السلفية الجهادية السنية ". وبعد بضعة أيام على نشر هذه الوثيقة الإستراتيجية، والتي ناقشت - ضمن ما ناقشت - موضوع الكارزما القيادية في التنظيم ودولته المفترضة وضرورة المحافظة على الرصيد المتوافر منها، أعلن عن مقتل زعيمي التنظيم المعروفين بكنيتي "أبو عمر البغدادي" و"أبو أيوب المصري" أو " أبو حمزة المهاجر". أعلن النبأ رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي. في اليوم ذاته، وقبل عدة ساعات، صدر قرار الهيئة القضائية التمييزية القاضي بإعادة عمليات العد والفرز في محافظة بغداد الكبرى والتي يمثلها 68 نائبا من مجموع 325 في البرلمان العراقي، فهل يتعلق الأمر بمصادفة غرائبية أخرى في بلد الألف ليلة وليلة؟ المالكي زفَّ البشرى بمقتل زعيمي التنظيم، وقال إن خلية استخباراتية عراقية، وبإسناد من جيش الاحتلال الأميركي، هي التي رصدت وقتلت هذين الشخصين إضافة إلى ابن البغدادي وأحد مساعدي المصري كما اعتقلت 16 قياديا آخر كانوا معهم. وقال المالكي أن القتلى سقطوا في اشتباك مسلح، وأن القتيلين عثر عليهما مختبئين في حفرة في منطقة تقع على مسافة عشرة كيلومترات غرب مدينة تكريت. وذكرت صحيفة عراقية في اليوم التالي أن جنديا أميركيا قد قتل لدى تحطم طائرته العمودية خلال الاشتباك.

 هذه الشذرات الإخبارية تطلق الكثير من علامات الاستفهام وتضعها على التفاصيل: فهل قتل زعيما "القاعدة" من قبل قوة عشائرية تطلبهما بثأر معين ولها علاقة بالاستخبارات العراقية أو بغيرها؟ ولماذا تأخر الإعلان عن العملية يومين؟ وإذا كان التأخير ليومين بسبب انتظار نتائج فحص الحمض النووي للتأكد من هوية القتيلين، فالمعروف أن انتظار الفحص يمتد عادة إلى أربعة أيام على أقل تقدير، فهل تمت العملية قبل أربعة أو خمسة أيام، و تم توقيت الإعلان عنها ليكون في يوم صدور قرار الهيئة التمييزية ؟

 قد تبدو هذه الأسئلة والتساؤلات غير ذات أهمية على الصعيد الدلالي للحادثة، ولكنها ربما تكون مفيدة لنا في التعرف على السياق العام لها. فالواضح أن الحادثة جاءت في أجواء استعصاء سياسي بين الكتل البرلمانية الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة وبشكل لا سابق له قد يهدد بانهيار شامل واندلاع موجة جديدة من الاقتتال الطائفي. ومن هنا، تبدو الحادثة كهدية هبطت من السماء على رئيس الوزراء المالكي وكتلته الانتخابية، وهي ستزيد من شعبيته حتما، وستضغط مزيدا من الضغط على خصومه سواء كانوا في التحالف الشيعي " قائمة الحكيم" أو في قائمة علاوي. وبالمناسبة، فقد التزمت القائمتان المذكورتان الصمت التام على عملية القضاء على زعيمي تنظيم القاعدة، ولم يعلقا عليها بكلمة واحدة حتى الآن. كما شاركهما الصمت عدد من الشخصيات والقوى السياسية خارجهما، والأكيد هو أن هذا الصمت ليس بعيدا عن مناخات الاستقطاب الطائفي والحزبي السياسي.

بالعودة إلى وثيقة "تنظيم القاعدة" الإستراتيجية الجديدة، نجد الكثير مما قد يضيء لنا غوامض عملية مقتل المصري والبغدادي فالوثيقة تسجل الانتباهة التالية ( ..و نستطيع القول أن الحرب القادمة هي حرب سياسية إعلامية بالدرجة الأولى، و الرابح الأول في هذه المعركة هو من يحسن التخطيط و الإعداد لمرحلة ما بعد الانسحاب، بحيث يستطيع تعزيز تواجده و تمثيله لدى الناس حتى يمكنه ذلك من استلام زمام المرحلة بالكامل، و الأخذ برأس القيادة لتوجيه العراق حسب توجهه و منهجه، سواء أكان توجهاً خيانياً أو وطنياً أو إسلامياً.) وحين تقول الوثيقة بوطنية أحد الأطراف، فهي لا تقول ذلك امتداحا له بل تصنيفا سلبيا لأنها تعتبر "المقاومة الوطنية" أكثر خطرا على ما تسميه "المشروع الجهادي " للتنظيم من قوات "الصحوة" المنشقة عليه، مما يعني أن "تنظيم القاعدة" أدرك وفهم ما كان ينبغي على المقاومة الوطنية إدراكه وفهمه مبكرا وقبل أن يدمر هذا التنظيمُ التكفيري المقاومةَ العراقيةَ ككل. وثيقة "القاعدة"  تقول ذلك بوضوح معزز بالأسماء حيث نقرأ ( لأننا نرى اليوم مشروعين مختلفين في العراق، أحدهما : الوطني و هو ما تمثله "فصائل التخويل" مع "المجلس السياسي"، و على الرغم من الخلاف بينهم إلا أنه سيبقى يسيراً و غالبه منصب في تعارض المصالح و بعض الرؤى و الأطروحات التي يمكن تلافي محل الخلاف فيها.) في هذه الفقرة يبدو أن "القاعدة" قد طلقت أي تردد كانت تبديه في مواجهة المقاومة الوطنية وخصوصا مجموعة التخويل التي يقودها الشيخ حارث الضاري، وقررت حسم المعركة ضدها رغم ما آلت إليه تلك المقاومة من ضعف وتشظٍ حاليا. فهل أدركت تلك الفصائل الوطنية خطر تنظيم "القاعدة" عليها أخيرا بعد أن اطلعت على نوايا الوثيقة الإستراتيجية للتنظيم وحسمت بدورها ترددها وقررت الانتهاء من قيادته عبر جهد إستخباراتي معين وتنسيق عملياتي مع قوى أخرى ؟

في مجموعة المهمات والأهداف التي يضعها التنظيم أمامه نقرأ واحدة تخص ما أسمته الوثيقة "الرموز الجهادية " حيث أكدت على (أهمية الرموز الجهادية في هذا الوقت خصوصاً، و قد خلصنا إلى أن الأمير البغدادي قد حقق شيئاً لا يستهان به في هذا الموضوع، و من أسباب هذا السياسة الإعلامية الجيدة المتخذة في هذا المجال .و بالتالي فالحفاظ على هذا الرصيد و القدرة على إمكانية سد هذه الثغرة لو حدثت لا بد أن يؤخذ في الحسبان.) إن كلاما عن ضرورة الحفاظ على الرموز القيادية وسد الثغرة إن حدثت ينبئ عن أفكار ومعلومات ربما تكون قد دارت مؤخرا في رأس الجهاز القيادي للتنظيم، وربما كانت لديهم استنتاجات ومعلومات استخباراتية معينة في هذا السياق، ومعلوم أن للتنظيم جهاز مخابراتي جيد وفعال ورث رجاله وتقنياته من جهاز مخابرات النظام العراقي السابق بل أن البغدادي نفسه، كما يقال، كان ضابطا برتبة عميد في ذلك الجهاز قبل سقوط النظام.

كما لاحظ محللون ومراقبون خلو "الوثيقة الإستراتيجية الجديدة" إلى درجة ملحوظة من عناصر وشعارات كانت تقوم عليها سياساتها. من ذلك غياب أو ندرة التشنيع على المسلمين الشيعة وتكفيرهم، رغم إن بيانا آخر للتنظيم صدر بعد تفجيرات العمارات السكنية مؤخرا، تبرأ فيه التنظيم من تلك التفجيرات، ولكنه ذكَّر بمواقفه المعروفة من " الروافض أعيانا وجمهورا ".

 ورغم تأكيد الوثيقة على الجهد السياسي والإعلامي ولكنها لم تغفل الجانب العسكري وكانت صريحة في اختيار أقسى أشكال التعامل مع العدو فكان شعارها المعلن هو: تسع رصاصات للعراقي المرتد ورصاصة واحدة للصليبي الأميركي!

 ومما له دلالة خاصة هو اتساع أفق قيادات هذا التنظيم وتنوع الدوائر الثقافية والاصطلاحية التي أمسى يتحرك فيها ويستعملها في لغته، فقد يفاجأ المرء حين يقرأ في هذه الوثيقة "السلفية الجهادية" فقرة مهمة، مقدم لها بمقولة للقائد العسكري والمنظر الإستراتيجي الصيني "صن تزو" حيث نقرأ ضمن فقرة بعنوان "سياسة التطهير" ما يلي: يقول القائد العسكري الصيني صن تزو: ( قللْ من حجم الأعداء من خلال إصابتهم بكثير من الدمار، و تَسببْ لهم في الكثير من المشاكل، اجعلهم دائماً مشغولين بمشاكلهم الداخلية.إن تطهير المناطق من أماكن تواجد القوات العراقية العميلة من خلال استهداف المراكز والأماكن التي يتواجدون فيها و تجمعات تلك القوات، له أهمية بالغة في تعزيز المعادلة السابقة لصالح المشروع الجهادي، بالإضافة إلى أنه استنزاف كبير لتلك القوات العميلة و التي سيبقى شغلها الشاغل إعادة إعمار تلك المقرات أو البحث عن مقرات أخرى بالإضافة للهاجس الأمني الذي سيبقى مراوداً لهذه القوات و للمراقبين لوضعها، و هذا ما سيقلل من قوة الأجهزة الأمنية وقدرتها على إحكام السيطرة في تلك المناطق .و هذا شبيه بسياسة الأرض المحروقة لكنها مركزة و مختصة بفئة معينة و هي قوات الردة.)

الواضح هو أن النهاية الدموية لزعيمي تنظيم القاعدة لا تخرج ولا تختلف عن نسيج هذا التفكير الدموي الذي ينتج - شاء أصحابه أم أبوا مصائر ونهايات من ذات الطينة. يبقى أن نسجل أن تنظيم القاعدة، سيظل الأكثر صراحة ومباشرة في دمويته المعلنة بين جميع التنظيمات والجمعيات المسلحة ذات الطابع السري، حيث لم يسبقه طرف إلى التغني والتلذذ بقتل البشر بالرصاص أو بسياسة الأرض المحروقة.

تساؤل أخير : قتل الزرقاوي ومساعدوه في ضربة جوية ماحقة وبقنبلة تزن نصف طن على مقره في "هبهب" وكأن قيادة قوات الاحتلال لا تريد وجود أي احتمال ببقائه حيا سليما أو جريحا، ورغم ذلك فقد عثر عليه حيا ولكنه مات سريعا بعد ذلك . الأسلوب ذاته استعمل من قبل طائرة تابعة لقوات الاحتلال في عملية قتل البغدادي والمصري ومن معهما فلم يخرج منهم أحد حي باستثناء الحراس الستة عشر الذين قيل بأنهم اعتقلوا خارج النفق الذي كانا يخبئان فيه وبعض النساء والأطفال ، وقد صرح مصدر حكومي عراقي لإذاعة سوا وقناة الحرة * الأمريكيتين بعد العملية أن قواته كانت " تنوي " اعتقال المطلوبين وليس قتلهما .. والسؤال هو : لماذا أصرت قوات الاحتلال على قتل زعيمي "القاعدة" كما قتلت من قبلهما الزرقاوي قصفا ؟ هل قررت قيادة الاحتلال العسكرية إعدامهم جميعا دون محاكمة ؟ ولماذا ؟ هل أرادت أن يسكتوا إلى الأبد ولا يفضحوا أسرارا خطيرة بحوزتهم كانت ستحرج الاحتلال ودولة الاحتلال الأمريكية ؟ وما هي تلك الأسرار؟  نأمل أن نناقش هذه التساؤلات في فرصة قادمة .

* نشرت هذه المقالة في الأخبار اللبنانية اليوم 23 /4/ وأضيف لها التساؤل الأخير بعد نشرها .

* رابط بتقرير سوا والحرة.

http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=8039022&cid=8

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

مقالات مختارة

تصدرها مجموعة من الصحفيين والكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة