<%@ Language=JavaScript %> علي الأسدي نشأة اليسار ... في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية ... (4)

   

لا

للأحتلال

لا

للخصخصة

لا

للفيدرالية

لا

للعولمة والتبعية

 

                                              

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين                                    

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                            

 

 

نشأة اليسار ...

 

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية ...

 

(4)

 

 

د. علي الأسدي 

 

حظيت أفكار اليسار الشيوعي في الدول الغربية بقبول واسع في أوساط المثقفين قبل ثورة أكتوبر 1917 وزاد اتساعا بعدها وما يزال يحظى بقبول لكنه محدود جدا بمؤازريه مقارنة بما بلغه من ازدهار في أوج صعوده في النصف الأول من القرن العشرين. وكانت جل حملته الفكرية قد تمحورت حول سياسات السلطة الاشتراكية في روسيا منذ بعد عام 1917 معلنا بأن ما كان يجري في روسيا تحت عنوان الاشتراكية ليس الا شكلا آخر للرأسمالية وأن العمال الروس ما يزالون يعيشون من بيع قوة عملهم ولم يسيطروا على وسائل الانتاج. وأكثر من هذا فان الجهاز الاداري للدولة البولشفية السابقة اتخذ صفة النظام الشمولي ، حيث القمع لكل شكل من أشكال المعارضة وكل ما يهدد سلطتهم ومثل هذه التصرفات بدأت في عهد لينين واستمرت بعده. وكان الاستاذ الجامعي بول ماتيك وهو قائد ومنظر يساري شيوعي قد قال في معرض وصفه للنظام الاشتراكي :  " أن السلطة البولشفية لم تبني الاشتراكية فالسيطرة على وسائل الانتاج وتحويل الملكية الخاصة إلى ملكية الدولة والتوجيه المركزي للانتاج والتوزيع تبقي علاقة رأس المال بالعمل على ما كانت عليه علاقة المستغلين بالمستغلين ( بفتح حرف غ)  كعلاقة السادة بالعبيد. مثل هذه العلاقة من وجهة نظره " تقود إلى مرحلة رأسمالية أكثر تقدما ، حيث يصبح رأس المال بصورة مباشرة الملكية الخاصة الجماعية للطبقة السائدة المهيمنة سياسيا." (4)

 

لكن الطبقة العاملة التي حلت محل البرجوازية في ادارة الدولة الاشتراكية بعد سيطرتها على وسائل الانتاج المملوكة للرأسماليين الروس والأجانب لم تستحوذ على فائض القيمة لمصلحتها كما كانت تفعل الطبقة الرأسمالية ، بل أعادت توزيعه لمصلحة الشعب كله بما يكفل تحسين نوعية حياته ومواصلة تنمية قدراته عبر الاستثمارات الجديدة في الموارد الاقتصادية المتاحة. وكان اقتصاديون غربيون مستقلون قد أثبتوا أن الأداء الأقتصادي للدولة الاشتراكية تقدم بأشواط عن الفترة ما قبل الاشتراكية وان مستوى معيشة الطبقة العاملة وبقية أفراد الشعب قد تحسنت كثيرا بعد الثورة. ومن بين الاقتصاديين الذين عبروا عن تلك الآراء هم البروفيسور شارل بتلهايم وجيرالد ماير وروبرت بولدوين وكثيرون غيرهم ، وكلهم اساتذة جامعات وقد ضمنوا تلك الانجازات في محاضراتهم التدريسية. لكن اليسار استمر يردد الموقف الخاطئ بأن الملكية العامة لوسائل الانتاج التي استحدثت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 ماهي الا رأسمالية دولة ، وقد دخل هذا الادعاء الغريب في ثقافة ووعي أنصار اليسار الشيوعي المجالسي والأنارخي حتى يومنا هذا.

 

اليسار الشيوعي ناقض ذاته برأيه هذا ففي أي دولة اشتراكية تقودها الطبقة العاملة  في الدول الغربية المتقدمة مثل ألمانيا ستزيح الطبقة البرجوازية السائدة وتقيم سلطتها هي وستؤول لها وسائل الانتاج والانتاج الذي سيوزع باشرافها ولمصلحة الشعب كله. فلا امتيازات ولا حصص تضمن الطبقة العاملة الحصول عليها ثمنا أو مكافأة لدورها بالاستيلاء على السلطة البرجوازية. وهذا بالفعل ما قامت به السلطة البلشفية في ظرف أقل من عامين وأن ذلك كان سيتطلب اجراءات ادارية وقانونية ومالية واقتصادية كثيرة ومعقدة لا تظهر نتائجها ومنافعها بين يوم وليلة ، بل ستحتاج إلى وقت والى جهود شاقة. انما الخطوة الأهم هي أن النظام الرأسمالي قد تمت الاطاحة به وأزيحت البرجوازية عن السلطة وعلى الحزب والطبقة العاملة وكل حلفائها مواصلة العمل لانجاز المهام الأخرى التي ستتلو ذلك الفعل الثوري والشروع ببناء الاشتراكية.

  

الاجراءات التي ينبغي القيام بها لاقامة الاشتراكية لا يمكن تطبيقها دفعة واحدة ، وكما يقول فريدريك  أنجلس ، " ان كل إجراء يقود حتما إلى تطبيق الإجراء الموالي. إذ يكفي أن يقع المساس بصفة جذرية بالملكية الخاصة حتى تجد الطبقة العاملة نفسها مدفوعة إلى المضي قدما و إلى تعزيز مركزة الرساميل والصناعة والفلاحة والنقل والمبادلات بين أيدي الدولة ".(5)

 

لقد أدرك لينين أمام تفاقم العزلة التي حاول اليسار الشيوعي والدول الرأسمالية الحاقها بالدولة الفتية ضرورة حشد الرأي العام الشيوعي والتقدمي العالمي لمساندة والدفاع عن الاشتراكية ونظامها. وانطلاقا من ذلك شعر بأهمية عقد اجتماع  تدعى له الأحزاب اليسارية  والشيوعية  من مختلف البلدان لمناقشة تأسيس الأممية الثالثة. وقد شكلت لهذا الغرض لجنة تحضيرية من عدد من الأحزاب الشيوعية ، استهلت عملها باصدار دعوة وجهتها الى كافة الاحزاب الشيوعية والأجنحة اليسارية في الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية تدعوها لحضورالمؤتمر الأممي. وقد ضمت اللجنة ممثلي مكتب الشئون الخارجية للحزب الشيوعي الروسي ، وحزب العمال البولندي ، والشيوعي الهنغاري ، والشيوعي الألماني/ النمساوي ، والشيوعي في لاتفيا ، والشيوعي الفنلندي ، والحزب الاشتراكي الديمقراطي للبلقان والحزب  الشيوعي الأمريكي.

 

وفي 2 مارس 1919 افتتح المؤتمر الأول للأممية الثالثة بحضور اثنان وخمسون وفدا حزبيا من غالبية الأحزاب الشيوعية في العالم. وقد تعهد المؤتمرون بالعمل للاطاحة بالنظام الرأسمالي واقامة النظام الاشتراكي وتعزيز نضال الطبقة العاملة ضد السلطة البرجوازية في بلدانهم.  (6)

 

لقد أصيب اليسار الشيوعي في الغرب بالصدمة نتيجة ذلك الانجاز المهم باقامة الاممية الثالثة والمشاركة الواسعة للاحزاب الشيوعية والعمالية في مؤتمرها الأول . وعلى إثر الاعلان الأممي الصادر من الأممية العالمية الجديدة سارع ممثلو اليسار الى سحب تأييدهم للأممية الثالثة وصعدوا من حدة نقدهم للحكومة البولشفية واعلنوا حربا اعلامية غير مسبوقة عليها. ومما ورد ببيانهم " أن حفنة من ممثلي البرجوازية البولشفيك في روسيا قد قاموا بالثورة ليضعوا أنفسهم كمعوقين لثورة البروليتاريا العالمية ". واعتبر أوتو رول في كلمته في مؤتمر الأممية الثالثة حيث كان مدعوا قبل أن ينسحب من الاجتماع حيث قال : " أن أكثر أو أقل عددا من تمثيل البروليتاريا في الثورة الروسية لم يغير من واقع الطبيعة البرجوازية في بلد هدفه الأول الخروج من الاقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية الحديثة. ان النظام في روسيا قد عرف نفسه كنظام برجوازي وأن التأميم الذي شمل الممتلكات الرأسمالية وجعلها ملكية دولة لاعلاقة له بالاشتراكية " (7)

 

وفي بيان أصدروه بعد انشاء الأممية الثالثة توعدوا بأن الشيوعية المجالسية في أوربا والولايات المتحدة واستراليا ستضع حدودا لتمييز شيوعيتها عن شيوعية البولشفيك في روسيا التي نعتوها بالشيوعية الرسمية. وتلخصت شيوعية اليسار التي أعلنوا عنها في المبادئ الخمسة الآتية : (8)

        أن الرأسمالية في انحسار ولابد من ازاحتها حالا.

       البديل الوحيد للرأسمالية هو ديمقراطية المجالس العمالية المعتمدة على اقتصاد تديره الطبقة العاملة.

       البرجوازية وحلفائها من الاشتراكيين الديمقراطيين تحاولان انقاذ الرأسمالية من نهايتها بواسطة ديمقراطية متكيفة مع الطبقة العاملة.

        لأجل اقامة ديمقراطية المجالس لابد من معارضة الديمقراطية المكيفة الساعية لكبح ديمقراطية المجالس. يعني أنه يجب مقاطعة الانتخابات البرلمانية ومعارضة ومحاربة الاشكال القديمة لاتحادات العمال وهي قيادات تشارك فيها الرأسمالية.

       مجالس السوفييتات ( السوفييتات الروسية توضيح الكاتب) ليست خيارا بديلا للرأسمالية ، بل شكلا آخر لها.

 

لقد هيمنت المبادئ الخمسة المذكورة أعلاه خلال التسعة عقود الماضية على نشاطات الشيوعيين اليساريين في أوربا الغربية والولايات المتحدة وأستراليا وفي ألمانيا خاصة ، وقد أثارت جدلا حاميا بينهم أثر كثيرا على وحدة الحركة الشيوعية اليسارية فتصدعت أركانها بعد تصاعد حدة الخلافات في الرأي بينهم. لقد دارت تلك الخلافات بالأساس في الحدود النظرية وحول الموضوعات المحورية مثل الموقف من الحزب الشيوعي في قيادة الطبقة العاملة والمشاركة في البرلمان والنقابات. والغريب في الأمر أن تلك الخلافات لم تنحصر بأتباع اليسار الشيوعي ، بل في أوساط قادته ومنظريه من المفكرين المخضرمين. فقد كشفت الخلافات ما هو أهم كثيرا من مجرد تضارب في الآراء بين منظري الشيوعية المجالسية ، حيث بدا جليا أن الأسس الذي قامت عليها المبادئ الخمسة للشيوعية اليسارية لم تكن صلدة بما يكفي للحفاظ على زخم نشاطها وابقاء قيادتها موحدة.

 

وكما سبق وبينا بانه لم يكن لليسار الشيوعي عبر تاريخه الطويل الذي استغرق  أكثر من قرن من السنين أحزابه الشيوعية التي تعبر عن نهجه  وتعمل بتواصل على تحقيق الشيوعية المجالسية. الاستثناء الوحيد هو الحزب الشيوعي العمالي الألماني الذي انشق عن الحزب الشيوعي الأم ما عدا ذلك لم تكن الشيوعية اليسارية أقل أو أكثر من نشاط فكري اعتمد على نشاط ومدى حيوية منظريه ولهذا السبب تخلى عنها جمهورها الذي احتضنها في عشرينيات القرن الماضي. الخطابات الثورية التي ميزت لغة اليسار الشيوعي مع الجماهير العمالية ليست الوسيلة الثورية العملية لاطاحة الطبقة الرأسمالية ووضع الطبقة العاملة مكانها ، وهي ليست كافية أيضا لانتزاع أي من حقوقهم من مستغليهم الرأسماليين وأهم من ذلك القيام بالثورة ضد الرأسمالية واعلان الاشتراكية. فمنذ منتصف الثلاثينيات بدأ العد التنازلي لانحسار حركة الشيوعية اليسارية داخل الحركة الشيوعية والحياة السياسية في الدول الغربية..

 

بهذا  العرض الموجز نكون قد أعطينا فكرة موجزة عن الشيوعية المجالسية التي شاعت في أوربا وأستراليا والولايات المتحدة التي وضعت قدراتها في تضاد واضح مع الاشتراكية ونظامها بعد فترة وجيزة من قيامها. يدعي المفكرون المجالسيون بكونهم جزء من التيار الماركسي ، لكنهم حاولوا اعادة ترجمة الفكر الماركسي بما يتناسب ورفضهم للينينية ومشروعها الاشتراكي ولم يتغير معتقدهم ذاك مع مرور السنين. ومع انهيار التجربة الاشتراكية نهاية ثمانينيات القرن الماضي التي حاربها اليسار الشيوعي دون توقف خلال وجودها لم تتعزز حركته أو تتسع جماهيره كنتيجة لانهيارها ، بل على العكس انحسرت نشاطاته وخفتت أصوات دعاته ومنظريه.

 

هولندا التي انطلقت منها أولى أصوات اليسار الشيوعي نهاية القرن التاسع عشر تظهر ثانية على المسرح الدولي لتعلن نهاية عهد الشيوعية المجالسية الصاخب ، مكتفية بأصوات متواضعة خفيضة. مصدر تلك الأصوات هي تلك الصادرة من بقايا اليسار التي تنشط تحت ما يسمى بالشيوعية العالمية حيث تقوم بدور المنسق للحوارات التي تعقد بين حين وآخر على غرار ما كان متعارفا عليه نهاية الثلاثينات من القرن الماضي.

 

وسيكون من المناسب جدا اجراء دراسات لتشخيص أسباب تفكك التيار اليساري الشيوعي المجالسي والانارخي بعد انهيار وتفكك المنظومة الاشتراكية الأوربية بينما كان من المفترض انتعاشه كبديل لاشتراكية البلاشفة التي حاربوها حتى آخر يوم من وجودها. فهل يحق لنا الاستنتاج بعد هذا بأن سياسة مكافحة ومناهضة الشيوعية التي تبنتها الولايات المتحدة مع قيام دولة البلاشفة كانت وراء دعم وتشجيع التيارات المناهضة للدولة السوفيتية والمنظومة الاشتراكية .؟؟

 

علي الأسدي | يتبع في الجزء الخامس

 

الأجزاء السابقة :

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية

(1)

  د. علي الأسدي 

 

 

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية...

(2)

د. علي الأسدي 

 

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية

(3)

 د. علي الأسدي

 

 

نشأة اليسار

التروتسكية ... في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية ...

(الجزء الأخير)

 د. علي الأسدي

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا