<%@ Language=JavaScript %> د.علي الأسدي نشأة اليسار ... في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية...( 2)

   

لا

للأحتلال

لا

للخصخصة

لا

للفيدرالية

لا

للعولمة والتبعية

 

                                              

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين                                    

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                            

 

 

نشأة اليسار ...

 

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية...

 

( 2)

 

 

د. علي الأسدي 

 

  الانقسام الداخلي الحالي في الحركة الشيوعية داخل كل بلد من بلدان العالم يعود بالأساس الى الانهيار الدراماتيكي للنظام الاشتراكي العالمي نهاية ثمانينيات القرن الماضي. لكن لم يعنِ هذا ان الحركة الشيوعية كانت موحدة قبل حصول ذلك الانهيار ،  بل كانت منقسمة بالفعل بحدود يمكن حصرها في العلاقات الثنائية بين حزبين شقيقين ، وقد بذلت جهودا كثيرة وعلى مدى سنوات لتقريب وجهات النظر حول الموضوعات مدار الخلاف. ومن تلك الخلافات ما دار بين الحزب الشيوعي اليوغسلافي والحزب الشيوعي السوفييتي في الخمسينيات ، وبين الحزب الشيوعي الصيني وأيضا مع الحزب الشيوعي السوفييتي في الستينيات. وبين الحركة الشيوعية العالمية جميعها والحزب الشيوعي الروماني في الستينيات ايضا. وبين الحزب الشيوعي الصيني والفييتنامي في السبعينيات ، وبين الحزب الشيوعي الصيني والكوبي والألباني في الستينيات وغيرها ، لكنها خلافات ثنائية أمكن التعامل معها بروح رفاقية انتهى بعضه واستمر البعض الآخر دون أن تؤثر على المواقف الأساسية من الفكر الاشتراكي.

 

 

الانقسام الذي شهدناه والذي تلا انهيار الاشتراكية كان شاملا لم ينج منه أي حزب شيوعي ، كان الانهيار حدثا مدمرا أحدث صدمة مميتة لمجمل الأحزاب الشيوعية الفاعلة حينها أدت ببعضها الى تعليق نشاطاتها الى أجل غير معلوم. البعض الآخر تشرذم الى مجموعات لا يربطها ببعضها علاقات تنظيمية وحتى فكرية ، أمر واحد وحدهم هو تخليهم عن الاشتراكية والشيوعية. أما غالبية الاحزاب الشيوعية والعمالية في الدول الاشتراكية السابقة فلم تتخلى عن أسمائها فحسب ـ بل تخلت عن الاشتراكية كهدف استراتيجي لها وعن الماركسية كنظرية هادية لتطور العالم نحو الاشتراكية والشيوعية وتبنت بديلا لها أفكار الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. الاستثناء هو عدد قليل من الشيوعيين السابقين الذي اسس تيارات شيوعية يسارية استمرت في احترامها لقيم الاشتراكية معلنين عن تقديرهم لمنجزات الاشتراكية في بلدانهم بوجه خاص. بعض الاحزاب الشيوعية في الدول الرأسمالية أطلق اسم التيار اليساري على حركته ، لكن حتى هذا الاختيار لم يحظى بتأييد جماهيري وعمالي واسع وإن تمكن بعضهم من الفوز بعدد من المقاعد في البرلمان الوطني أوالأوربي.

 

ورغم مرور حوالي ربع قرن على ذلك الحدث المزلزل ما تزال الحركة الشيوعية تعيش تبعات تلك الصدمة التي لم تكن تخطر بالبال أبدا ، لكن الحزب الشيوعي الروسي الذي استطاع لملمة وضعه واعادة صلاته بالجماهير فقد استعاد بعض موقعه في الحياة السياسية في روسيا ، لكن ليس الوضع الذي احتله قبل تفكك الدولة السوفييتية. فالحزب الشيوعي الروسي يحتل اليوم موقع ثاني أكبر حزب في البرلمان الروسي ( الدوما) بعد حزب رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين الذي تأسس بعد انهيار الدولة السوفييتية ولم يكن له أي وجود أوتاريخ في الحياة السياسية الروسية قبل ذلك. وقد ضم في صفوفه مافيات الفساد وسراق الدولة الاشتراكية السابقة والانتهازيين ممن يبحثون عن الفرص للاثراء على حساب الشعب الروسي هذا الحزب يحتل حاليا الموقع الأول في البرلمان متقدما على أعرق حزب شيوعي في روسيا والعالم وهو اشارة واضحة الى المدى الذي انحدرت اليه الدولة السوفييتية السابقة  والمآل المحير الذي انتهت اليه الحركة الشيوعية في روسيا وفي العالم.

 

ومن الجانب الآخر وللسبب نفسه تعاني أكثر الأحزاب الشيوعية والتيارات الشيوعية اليسارية في منطقتنا من الشعور باليأس وفقدان الثقة والحال نفسه مع الجماهير الشعبية التي تغيرت نظرتها وقناعتها بجدوى حركة تخلت قيادتها العالمية عن دورها وفلسفتها السياسية واختارت نقيضها بديلا. وللتخلص من إرث ذلك الحدث يتطلب من الجيل الأقدم من شيوعيي الدول الاشتراكية السابقة ممن حافظوا على مصداقيتهم كأبناء بررة لشعوبهم وللاشتراكية التخلي عن صمته والتحدث بصراحة وحرص عن تجاربهم السابقة وما شابها من قصور وأخطاء أثناء بناء الاشتراكية وبشكل خاص أخطاء الحزب الشيوعي في ادارته للنشاط الفكري والتنظيمي والسياسي داخل المجتمع وفي صفوف الطبقة العاملة صاحبة المصلحة في الاشتراكية.

 

 فالكشف عن تلك الأخطاء والسلبيات سيساعد على تلمس الطريق الصحيح حيث سيمكن الجيل الجديد من الوطنيين والشيوعيين والماركسيين الافادة منها لاعادة هيكلة الحزب الشيوعي وبنائه التنظيمي وعلاقاته مع بقية جماهير الشعب وفي اعداد برامجه الفكرية والسياسية. القوى الماركسية الشابة ذات الحس الوطني والأممي هي المؤهلة لتزعم حركة الطبقة العاملة واستنهاض الجماهير في هذا البلد أو ذاك للدفاع عن حقوقها في حياة كريمة خالية من العسف والاستغلال. وفقط بفضل تلك الكوكبة من الشيوعين الشباب يمكن اعادة الحزب الشيوعي الى موقعه في حركة الطبقة العاملة في سعيها من اجل الثورة الاشتراكية عبر سوفييتات العمال والكادحين كونها التنظيم الأصلح لبناء الاشتراكية من القاعدة. وكما نجحت السوفيتات في حماية انتفاضتي عام 1905 و1907 قبل أن تتمكن السلطة الروسية الاقطاعية من اجهاظها بقوة السلاح فقد نجحت السوفييتات في تحقيق انتصار ثورة أكتوبر 1917 والدفاع عنها وتعزيز سلطتها ودحر قوى الثورة المضادة التي هددت وجودها. وحتى يخرج الكادر الحزبي الأقدم عن صمته ويقوم بكشف حقيقة القصور في عمل الحزب الشيوعي ودوره في تطوير وتعزيز الاشتراكية في الدول الاشتراكية السابقة يمكننا ابداء وجهة نظرنا حول الأسباب الأهم في ذلك الانهيار.

 

فبحسب اعتقادنا الجازم ان التخلي عن نظام السوفييتات في ادارة بناء الاشتراكية من تحت كان عاملا رئيسيا في ترهل ثم تراجع دور الحزب الشيوعي في قيادة الدولة الاشتراكية وتشويه منجزاتها الاقتصادية الذي أدى بدوره الى تراجع مستويات معيشة الطبقة العاملة مقارنة بمثيلتها في الدول الرأسمالية المتقدمة. ولهذا السبب بالذات يمكن فهم الموقف السلبي الذي وقفته الطبقة العاملة والجماهير عامة في الاتحاد السوفييتي كما في الدول الاشتراكية السابقة الأخرى من انهيار الاشتراكية ووقوفها موقف المتفرج وهي ترى النظام الذي شيدته وضحت من أجله يتداعى أمام أعينها دون ان تحرك ساكنا.

 

واضافة لهذا السبب الجوهري هناك عدة اسباب ساعدت وقادت الى تسريع الانهيار الكامل لنظام الاشتراكية في روسيا وخاصة غياب ديمقراطية حقيقية داخل الحزب الشيوعي الحاكم الذي انعكس على كافة مؤسسات السلطة التشريعية في البلاد كمجالس النواب والمجالس البلدية والمنظمات العمالية والمهنية. ففي ظل ديكتاتورية الحزب الشيوعي ومجالس السوفييتات اعترف بالديمقراطية كنظام أساسي للمراقبة على اعمال السلطات التنفيذية على مختلف المستويات. لكن في ظل امتداد قنوات الحزب الى جميع مستويات مشاريع القرارات فان قوة الحسم تبقى للحزب وليس لأعضاء المجالس التشريعية. بعبارة أخرى ان الديمقراطية متاحة داخل الحزب وليس خارجه باعتباره الوعاء لصراع وتنافس الآراء الفكرية والسياسية والتنظيمية العملية منها والنظرية والى هيئاته العليا يعود القرار النهائي بالموافقة والتعديل أو الرفض.

 

لقد كانت منظمات ومؤتمرات الحزب قد مثلت منذ بداية تشكيلها منابر ديمقراطية مفتوحة لكل الأعضاء لابداء ما يعتقدونه من آراء ومقترحات يجري صياغتها وفق نظام محدد لتكون سياسة رسمية يحترمها الجميع عند التنفيذ. مثل هذه الديمقراطية  قد نجحت في بداية تطبيقها في روسيا بفضل نظام السوفييتات الذي كان سائدا ، لكن تلك الديمقراطية تعثرت لتتحول لاحقا الى عائق جدي لعملية النمو والتقدم الاقتصادي الذي تردت بسببه نوعية حياة الجماهير. وكنتيجة لمسخ الديمقراطية داخل الحزب تفشى الفساد وانهارت المنظومة الأخلاقية داخل أجهزة الحزب والادارة الحكومية التي تحولت الى كيان بيروقراطي معاد لفكرة حزب البروليتاريا وللاشتراكية وعمليا تحول الى ثورة ردة ضد نظام الاشتراكية من داخله. وبعد أن كان الحزب الشيوعي حافزا وأداة لتوحيد وحشد الجهود الوطنية الجماعية لبناء دولة الشعب في الداخل ودعم النضال الوطني المعادي للاستعمار والاستغلال في الخارج تحول بجزء كبير منه الى شبكة تدير مصالح اقتصادية لنخبة من الحزبيين المزيفيين عبر ما تعارف عليه في السنوات الأخيرة من حياة النظام الاشتراكي بمافيات الاقتصاد الثاني الذي أميط اللثام عنهم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بكونهم النخبة من أصحاب البلايين الدولارية.

 

لكن السبب المباشر الأهم لانهيار النظام الاشتراكي العالمي فيعزى للدور التصفوي الذي قام به السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي ميخائيل كورباجيف. فدوره التصفوي لم ينحصر في نطاق الدولة السوفييتية بل تعداه الى خارجها باعطائه الضوء الأخضر للدول الاشتراكية في أوربا الشرقية للتخلي عن الاشتراكية بنفس الوقت الذي قام هو نفسه بالتخلي عنها في الدولة السوفييتية. تفكك النظام الاشتراكي تم بقرار من أعلى وبالذات من كورباجيف ، لكن ليس بمعزل عن دور لعبته الادارة الأمريكية حينها. فالاطراء الزائف من قبل الادارة الأمريكية في شخص رئيسها حينها رونالد ريغن تجاه كورباجيف وتشجيعه لسلوك الطريق الذي سلكه في مقابل وعود زائفة بعدم التدخل الأمريكي في شئون الدولة السوفييتية لاحقا. وقد كتبنا حول هذه الوعود التي نكثتها الولايات المتحدة بعد سنوات قليلة من تفكك الاتحاد السوفييتي. وكانت أحد صورها تمدد الحلف الأطلسي الى دول حلف وارشو والوصول الى حدود روسيا لاحداث الاضطرابات داخل محيط روسيا الجيوسياسي.وكانت آخر خروقات تلك التعهدات هي التدخل السافر في أوكرانيا لتهديد أمن روسيا ونشر الاضطرابات حولها والتمدد شرقا نحو بلدان ما وراء القفقاس الاسلامية لاضعاف دور روسيا في العالم واقصائها من الساحة الدولية كليا لصلح الولايات المتحدة.

 

الحركة الشيوعية في أوربا ليست أفضل حالا مما واجهته وتواجهه الحركة الشيوعية في روسيا ودول منطقة الشرق الأوسط ، فهي الأخرى تمر بحالة من الانطواء والانكفاء على ذاتها لم تفارقها منذ صدمة انهيار الاشتراكية. اعادة توطيد الاتصالات بين أطرافها وعقد اجتماعات اقليمية وعالمية كتلك التي كانت تجري بصورة دورية وشبه دائمة ابان وجود الاتحاد السوفييتي تعتبر ضرورية للخروج من حالة الانطواء. مثل تلك الاجتماعات تعتبر ضرورية لبحث القضايا السياسية التي تشغل بال الحركة الشيوعية بتياراتها المختلفة. لكن وكما بيينا في السطور السابقة فان الحركة الشيوعية الأوربية منقسمة على ذاتها لعديد من الأسباب باعدت بين رفاق الحركة في البلد الواحد كما في القارة جميعها. فالاشتراكية كهدف كان يوحد الحركة الشيوعية في البلدان الأوربية الرأسمالية أما وقد غابت الاشتراكية عن المسرح العالمي فلم يعد هناك ما يوحدها ، بل هناك الكثير من الأسباب التي زرعت الخلاف وهمشت في النتيجة حركة شيوعية عمرها أكثر من قرن من الزمن.

 

انهيار الاشتراكية قد حول الآمال بانتصارها الى يأس وفقدان للأمل وهي ظاهرة تحسها كافة أطراف الحركة الشيوعية اليسارية وليس فقط الأوربية. هذه الظاهرة كما نعتقد ستستمر لفترة طويلة نسبيا على الأقل في ظل تسيد الولايات المتحدة الأمريكية على العالم الراهن. ففي ظل الظرف الحالي تقود الرأسمالية تطور الاقتصاد العالمي وهي من يتحكم بميزان القوى العالمية حيث تفرض قوتها العسكرية ودورها السياسي أوربيا وعالميا في حين مال ميزان القوى العالمية في خمسينيات القرن الماضي لصالح النظام الاشتراكي العالمي.

 

 لكن لا يجب أبدا ايلاء هذا الواقع الأهمية التي قد تصوره وكأنه نهاية التاريخ ، فالقوى الثورية في صفوف الطبقة العاملة في العالم التي تعيش حالة الصدمة من غياب نظام الاشتراكية العالمي ستدرك عاجلا أنها وحدها من سيقرر في النتيجة مسار التطور العالمي عندما تؤول لها وسائل الانتاج. لكن قبل هذا ينبغي الاعتراف بأهمية وحدة الطبقة العاملة التقدمية لكافة الأقطار كشرط لتوحيد نضالها في جبهة متراصة ضد الرأسمالية لفرض شروطها التي تضمن لها حصة متزايدة في قيمة العمل الذي تؤديه في مراكز الانتاج الرأسمالية. ان شعار " ياعمال جميع البلدان اتحدوا " يظهر كم هي ضرورية ومهمة وحدة الحركة العمالية لتحقيق اي نجاح على طريق الاشتراكية ، وهي مهمة اضطلعت بها الحركات الشيوعية في مختلف البلدان إبان ازدهار الحركة الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية وخلال خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. وانطلاقا من الواقع الجديد تبدو ملحة أكثر من اي وقت مضى مهمة اعادة بناء مرجعية شيوعية عالمية على غرار الأممية الثالثة أو في مستواها  لتجاوز تبعات انهيار النظام الاشتراكي وازاحة ذلك الكابوس عن كاهل الحركة الشيوعية أولا ومن ثم البدء باستراتيجية جديدة للانتقال الى الاشتراكية ثانيا.

 

ولابد هنا من تسجيل الامتنان والتقدير العالي لقيادة الحزب الشيوعي اليوناني الذي قاد مبادرة عقد اجتماعات دورية لعدد من الاحزاب الشيوعية والعمالية ( 22 حزبا) التي تمكنت خلالها من توثيق علاقاتها ببعضها البعض بنفس الوقت الذي تتدارس فيه الوضع السياسي الاقليمي والدولي السائد لتحدد موقفها مما يجري على الساحة الدولية والاقليمية. لقد بقي الحزب الشيوعي اليوناني ملتزما ومخلصا لقضية الطبقة العاملة وبناء الاشتراكية ومواضبا على الدعوة للحوار بين الأحزاب الشقيقة عبر اللقاءات المباشرة بينها التي ضمت الأحزاب الشيوعية لدول البحر الابيض المتوسط والتي يدعى لها أيضا بعض ممثلي احزابنا الشيوعية  العربية.

 

تشكيل تلك المجموعة من الاحزاب الشيوعية في الظروف العالمية الجديدة يمكن اعتباره النواة لتشكيل لجنة دائمية تضطلع بمهمة تنسيق الاتصالات بين اطراف الحركة الشيوعية العالمية وتقوم بمهمة الدعوة للاجتماعات الدورية أو الطارئة لتتبادل الآراء لوضع جدول الأعمال لاجتماعاتها المقبلة ومن أجل تطوير نشاطاتها السياسية. ويمكن أن تتدارس القضايا الفكرية للاشتراكية وتوحيد الرأي حول القضايا الخلافية مثل سبل الانتقال للاشتراكية في ظروف مختلفة كأن تكون سلمية في بلد وعبر الثورة الشعبية في بلد آخر مستفيدة من التجارب الاشتراكية بأخطائها ونجاحاتها. فالتجربة الاشتراكية لثورة أكتوبر عام 1917 رغم أخطائها تزخر بدروس ثرية راكمتها طوال فترة وجودها خاضت خلالها صراعا طبقيا وجوديا كان في جزء منه دمويا ضد الطبقات المعادية. فالبرجوازيات المحلية والأجنبية من رأسماليين محليين وملاكي الأراضي ورجال الدولة والدين التي ترتبط مصالحهم برأس المال المحلي والأجنبي لن يتوانوا أبدا عن العمل لاستعادة نفوذهم ومصالحهم.  

 

التيارات الشيوعية اليسارية في العالم الثالث كما في المجتمعات العربية والأسيوية التي نشطت ضمن حركات التحرير الوطنية في ستينيات القرن الماضي حاولت عبر الانقلابات تطبيق الاشتراكية. وقد جربت الاستفادة من التجارب الاشتراكية في دول الديمقراطيات الشعبية ( دول شرقي أوربا والصين وفييتنام) لتنفيذ تنميتها الاقتصادية وفقها. حيث جرت أكثر من محاولة تحت عناوين اشتراكية في حين كانت تنفذ في الواقع عملية تنمية اقتصادية ضمن مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية.

 

فمثلا بوشر بتحويل الملكية الخاصة الى ملكية حكومية شملت الشركات الصناعية الاجنبية وتجارة الاستيراد والتصدير كما قامت بتحويل بعض النشاطات الانتاجية الزراعية والخدمية الى نشاط تعاوني. وقد انشأت ادارات مركزية لاعداد خطط اقتصادية بشكلها البسيط المحدود يتناسب مع دور وحجم النشاطات الاقتصادية العامة. أخذت تلك المحاولات طريقها للتنفيذ في عدد من الدول النامية في أسيا وامريكا اللاتينية وأفريقيا. ففي أفريقيا كانت أثيوبيا وزيمبابوي والكونغو الشعبية\برازافيل وأنغولا وموزامبيق ومصر. وفي أسيا كوريا الديمقراطية ومنغوليا الشعبية والفييتنام واليمن الجنوبي وأفغانستان ، وفي امريكا اللاتينية كوبا وفينزويلا والشيلي دون أن ينفي ذلك حدوث محاولات من دول أخرى. ومهما اختلفت تطبيقات الدول المشار اليها تحت عناوين الاشتراكية بقيادة احزاب ادعت تبنيها الماركسية هي من الناحية التطبيقية مثلت مصالح البرجوازية الوطنية بنفس الوقت الذي حرصت على انصاف الطبقات المحرومة.

 

غالبية حكومات الدول النامية التي ادعت بناء الاشتراكية لم تكن مؤهلة كسلطة للسير قدما لتنفيذها ما عدا كوبا أما التجارب الأخرى فقد قادتها تيارات يسارية ثورية من ضباط الجيش ومثقفين تقدميين من الطبقة الوسطى وممثلي البرجوازية الصغيرة. البلدان التي اعلنت عن نفسها بكونها اشتراكية قد تلقت المساعدات الاقتصادية والفنية والسياسية والعسكرية من النظام الاشتراكي العالمي القائم حينها فلولا تلك المساعدات ما كان بامكانها الصمود طويلا امام الأعداء الطبقيين ممثلي  البرجوازيات التي فقدت مصالحها المرتبطة برأس المال الأجنبي.

 

 اليوم يفرض النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قانونه الصارم على العالم ويعاقب من يحاول تحدي سلطانه بمحاولة تغيير ميزان القوى الحالي لغير صالحه ، وهو ليس مستعدا للسماح حتى لروسيا والصين الرأسماليتين لتعديل هذا الميزان لصالحهما لما يخدم حقوقهما ومجالهما الجيوسياسي. قيام دول اشتراكية وفق أي من التيارات الشيوعية المشار اليها آنفا يظل احتمالا ضئيلا جدا بسبب الهيمنة الرأسمالية الأمريكية على العالم. واذا ما تمكنت الطبقة العاملة في دولة من الدول الرأسمالية أو الأشتراكية السابقة أو النامية من الافلات من تلك الهيمنة وأعلنت قيامها ببناء الاشتراكية بقيادة حزبها أو تيارها الشيوعي فانه من غير المرجح أن يسمح لها بالبقاء وتحقيق النجاح في ظل ميزان القوى الحالي ، وانما ستحاصر اقتصاديا وسياسيا لدفعها باتجاه الفشل حتى لا تكون مثالا ناجحا تحذو حذوه دولا أخرى.

 

 لكن ليس الى الأبد فالنظام الرأسمالي قد أضطر الى التنحي عن دوره الكولونيالي القديم القائم على الهيمنة المباشرة على خيرات الشعوب لصالح نظام أقل جشعا هو الاستعمار الجديد. وهذا وتحت ضغط النضال التحرري للشعوب المضطهدة قد انحسر لصالح رأسمالية متعددة الجنسية تتقاسم مع البرجوازيات الوطنية بعض ما تسرقه من شعوب العالم. ولا يجب أن ننسى أنه لولا دور الاتحاد السوفييتي في دعم النضال التحرري لشعوب المستعمرات لما تخلت الدول الاستعمارية عن هيمنتها عليها ولما انسلخت نتيجته عشرات المستعمرات من الهيمنة المباشرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية. وفي عصرنا هذا تعيد الرأسمالية تغيير ثيابها لتتبوأ دورا جديدا يضمن لها تدفق خيرات شعوب الأرض نحوها بأقل التكاليف المادية ، حيث يجري رشوة قادة البلدان المستعمرة سابقا والفاسدة حاليا مقابل صمتها عن نشاط رأس المال الأجنبي في بلدانهم ونهبه لثرواتهم الوطنية.

 

واذا كانت محاولات بناء الاشتراكية في بلدان العالم الثالث قد تمكنت من النجاح النسبي في بناء اقتصادها وتحقيق النمو الاقتصادي بفضل مساعدات المنظومة الاشتراكية فان البلاشفة قد باشروا بناء اشتراكيتهم اعتمادا على النفس ولم يحظوا بدعم دولة واحدة. لقد قاموا بثورة أكتوبر عام 1917 اعتمادا على قوى الشعب الروسي بطبقته العاملة وكادحيه وليس فقط لم يحظوا بدعم خارجي ، بل بالعكس تحالف ضدهم العالم الرأسمالي جميعه لافشال مشروعهم الاشتراكي. ومع أهمية وجود طبقة عاملة واسعة في بلد متطور اقتصاديا فانها تظل عاجزة عن قيادة ثورة اشتراكية في بلدها بدون حزب شيوعي جماهيري واع لدوره التاريخي.

 

علي الأسدي \يتبع في الجزء الثالث  

 

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية

(1)

 

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية...

( 2)

 

 

نشأة اليسار ...

في الحركة الشيوعية المحلية والعالمية

(3)

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا