<%@ Language=JavaScript %> صباح علي الشاهر الخصائص الإشتراكية في الرواية (3-3)

 |  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 

الخصائص الإشتراكية في الرواية (3-3)

صباح علي الشاهر

 

تميزت المرحلة الأولى للأدب السوفيتي من 1917 حتى 1932 بتنوع وتعدد الإتجاهات والمناهج الجماليّة، وهي مرحلة على العكس مما قيل كانت غنيّة بالإبداع الفني، وجريئة في ميادين التجريب، وكانت المناهج الفنيّة تتعايش وتتصارع في فضاء ديمقراطي إلى حد ما، ولم تكن الدولة لتتدخل فيما كان يجري في المحافل الأدبيّة، إذ أن سحنتها الشموليّة لم تتضح بعد، والحماس الثوري لبناء عالم جديد وإنسان جديد، بقيم إنسانيّة ساميّة ما زالت على أوجها... في ظل هذه الأوضاع الثوريّة ظهرت الواقعيّة الإشتراكيّة كمنهج فني تبناه بناة العالم الجديد إلى جانب مناهج عديدة ومدارس شتى كانت في مجملها تنطلق من هاجس التعبير الأمثل عن الجوهر الإنساني، ولم تدع الواقعيّة الإشتراكيّة الوليدة وحدانيتها، في عالم لايمكن قط إدعاء الواحدانيّة فيه، وهو عالم الإبداع الفني الذي يعتمد أساساً على الفرادة والتفرد، وتتعدد سبله وأساليبه بتعدد ذوات المبدعين أحياناً وتنوع إبداعهم...

لقد كشفت الواقعيّة الإشتراكيّة عن جوهر البطل الجديد الصانع للتأريخ، وربما غالت في هذا الجانب قصد التمييز، واستهدفت التصوير الصادق الملموس تأريخياً للواقع في تطوره الثوري، وكانت صفة الإشتراكيّة التي أُلصقت بالواقعيّة تحمل رسالة إنسانيّة عظيمة تستهدف تحرير الإنسان من الإضطهاد الإجتماعي والطبقي، وتأكيد الإنسان بقيمه السامية، والإشارة إلى أن ثمة أدب جديد ينشأ في ظلِّ نظام إجتماعيّ إقتصاديّ جديد، ولم يكن يومها من الممنوع إستخدام منجزات الأدب العالمي وإستثمار المنجزات التعبيريّة الحديثة، إلا إنه ومع مزيد الأسف وفي فترة ما بعد الثلاثينات شاع الميل غير الموضوعي إلى إنكار التناقضات الإجتماعيّة في ظل الإشتراكيّة، وانتشر تصور يقول بإنسجام المجتمع المطلق، وبوجود وحدة متناميّة بين الفرد والجماعة، وفرضت الضوابط الرسميّة على التعدديّة الجماليّة الفنيّة، وطفق المنظرون يحددون سمات الواقع الموضوعي الصادق بزعمهم، يستخلصونه من الجدل النظري والمختبرات النظريّة، الخاضعة لتقييم وتصويب من بدا ظلهم لا ينسحب على السياسة والإقتصاد والإجتماع فقط، وإنما أخذ يشمل أدق تفاصيل العمل الإبداعي، وكانت هذه هي اللبنة الأساسيّة في الإساءة للواقعيّة الإشتراكيّة الوليدة.

لقد تجاهل بعض الكتاب كون الموضوع الأكبر للفن يركز على جدليّة الفرد والمجموع، فالفن ينمي شخصيّة الإنسان من جوانبها المتعددة، ويرى إن المجتمع إنما هو مجموع أفراده، وليس كياناً يُلقي بعبئه على الفرد ويسحقه. وما زالت كلمات لينين ترن في أذان المثقفين حول ماهيّة السلطة، التي بمزيد من إضعافها يتحرر الإنسان، وبمزيد من تلاشيها تُبنى الإشتراكيّة، ولكن مع مزيد الأسف شاع الميل غير الموضوعي في أعقاب الثلاثينات إلى إنكار التناقضات الإجتماعيّة، والإنسجام، وكون السلطة المعبر الوحيد والمطلق عن الجماهير، لا الكادحه فحسب وإنما المثقفين والمبدعين، الذين لم يعد بالإمكان التفكير في التعارض معها، ولو جزئياً، وأوكل أمر تثبيت الوحدة المتناميّة والصلبة، إلى أجهزة الكه جي بي، وإلى محاكم التفتيش الأيدولوجيّة، وفرضت من فوق، من السادة القادة السلطويين والحزبيين الضوابط الحزبيّة التي غدت رسميّة قانونيّة بفعل إحتكار الحزب للسلطة كلها، وأضحت التعدديّة الجماليّة بخبر كان، بعد أن عُدّت جميع المدارس والمناهج الأدبيّة مطايا النفوذ البرجوازي الذي يشد المثقفين والمبدعين إلى مستنقع الرأسماليّة العفن.

لقد تم عن عمد وإصرار تجاهل كون الموضوع المركزي والأساسي للفن عموماً إنما يركز على ديالكتيك العلاقة بين الفرد والمجتمع، فالفن إذ ينمي شخصيّة الإنسان من جوانبها المتعددة، يرى إن المجتمع إنما هو مجموع أفراده، وليس كياناً مجرداً يسحق الفرد بالتزامات وواجبات مع إغفال حقوق الأفراد التي بإضعافها وهدرها يتم إضعاف المجتمع المدني وتعطيل ديناميكيته، وتحويله إلى كيان طوطمي خرافي غير ملموس، بدعوى إن مصلحة المجتمع تستوجب هذا، علماً بأن مصلحة المجتمع هي مصلحة الفرد المُشخّص وبالتالي مجموع الأفراد... المجتمع هو الأفراد الذين يكونونه، وكلما كُرِّست مصلحة الفرد، كُرِّست مصلحة المجتمع... وشيئاً فشيئاً تحولت الواقعيّة الإشتراكيّة إلى مصطلح سياسي أيدلوجي سرعان ما تم قولبته بقوالب جاهزة جامدة، وأصبحت كسرير بروست تُقاس على ضوئه النتاجات الإبداعيّة، فما جاء وفق الطول المقرر هو أدب واقعي إشتراكي، وما زاد بُترت زاوائده، وما قَصُر شُدَّ حتى يكون بطول السرير، وإلا فهو أدب إنحطاطي مُدان، خارج عن فردوس الواقعيّة الإشتراكيّة..

لقد وقع العديد من كتاب الواقعيّة، وبتأثير المرحلة الستالينيّة فيما يمكن تسميته بمذهب الذاتيّة الإرادويّة، حيث تم الخلط بين ما هو مرغوب ذاتياً، وما هو كائن موضوعياً، وحيث أن المرغوب دائماً هو الرفاه والسعادة، وهما أحب ما يرغب القادة الحديث عنه، فقد تم تصوير الفردوس في ظل الإشتراكيّة، إن السعادة لم تعد حلماً بشرياً وإنما هي واقع منجز وحاصل في دولة الحزب والطبقة، وإذا أشير لخطأ هنا وهناك، وغالباً يكون المسؤول عنه ليس الحزب أو السلطة، وإنما في الأغلب مواطن بيروقراطي يحتاج إلى إعادة تربيّة، فإن السعادة الكاملة الخاليّة من ناقصي التربيّة ستكون حتماً وبالضرورة حاصلة نتيجة للنضال. لقد شاعت وكُرِّست النهايات السعيدة، وكانت هذه النهايات هي جواز مرور العمل الإبداعي المنجز إلى دور النشر، إلا أن الأمر لم يكن بهذه البساطة والسهولة دائماً، وكان المبدعون يخرجون عما رسم لهم، وبالأخص في السنوات الأخيرة من العهد الشمولي. فجنكيز إيتماتوف مثلا شذَّ عن القاعدة السحريّة في روايته (السفينة البيضاء) وختم روايته بنهاية سوداوية، لذا فقد إنقسم النقاد وقتها إلى قسمين متعارضين، قسم رحّب بالرواية واعتبرها علامة مميزة في تأريخ الأدب السوفيتي برمته، وقسم أدانها لإبتعادها عن الأقانيم المقدسة للواقعيّة الإشتراكيّة، فما بال الروائي يشيع اليأس والسوداوية، في مجتمع التفاؤل والسعادة والرفاه؟!

لم يكن جنكيز إيتماتوف لوحده الذي تمرد، إذ أن العديد من الأدباء السوفييت البارزين أداروا الظهر، ومنذ وقت طويل نسبياً، لهذه النهايات المفترضة والمفروضة قسراً، وكذلك البطولات الجاهزة والصيغ الجامدة التي جعلها (جدانوف) وأضرابه كسيحة، وأخذوا وباصرار يعبرون عن وجدان الشعب السوفيتي، لقد عرضوا بصدق ونزاهة الحقائق الموضوعيّة، وقدموا الإنسان كما هو وليس كما يُفترض، كاشفين بإبداع عن سموه الروحي والأخلاقي، وقد ملك هؤلاء الكتاب الحد الكافي من الجرأة والشجاعة، ليعلنوا رفضهم الوصاية السلطويّة والحزبيّة على الإبداع، لقد حاربوا التغريب والتهميش الذي تعرض ويتعرض له الفرد عملياً، وأعادوا في إبداعهم أمجاد أولئك العظام الذين عكست أعمالهم حكمة الشعب الموروثة تأريخيّاً، وصبره، فمثلا قدم راسبوتين في قصة - نقود لماريا- (إمثولة عن التضامن الروحي والإنسانية والنزاهة، وتعرض مراراً للوم بسبب إختياره أقسى اللحظات الدرامية في حياة أبطاله، ودأب على إثارة الإحساس بالذنب وتوعيّة القاريء بواجبه الأخلاقي تجاه نفسه وضميره، ورأى أن من واجب الفنان دوماً التحلي بشجاعة ليتحدث عن الحقيقة بصدق وأمانة) - محمد سعيد مضية. النهج. م.ب.د.ش.ع. عدد 24سنة 1989. ص:444.-

وفي الحق فإن العديد من الكتاب السوفيت البارزين، إنصرفوا منذ أمد عن أدب النهايات السعيدة والبطولات الجاهزة، والصيغ الجامدة للواقعيّة الإشتراكيّة، وطفقو العمل ضد البيروقراطيّة وآليّة الكبح والركود، أمثال: جنكيز إيتماتوف، قسطنطين سيمونوف، غريغوريباكلانوف، يوري بونداريف، فالنتين راسبوتين، وغيرهم. الذين ظلوا يتتبعون الوقائع المعقدّة والمتناقضة للحياة، ومصائر البشر، فجاءت أعمالهم أمتدادات متراميّة لفنون الواقعية الإشتراكيّة الكلاسيكيّة، وعرضاً صادقاً عن الإنسان البسيط، وكشفاً عن سموه الروحي والأخلاقي، وضمنياً فقد رفض أدب هؤلاء مبدأ الوصاية الإجتماعيّة على الإنسان، وناهضوا غربته. لقد أكدت أفضل أعمالهم الإبداعيّة في عقديّ الستينات والسبعينات على حكمة الشعب وكرامة الإنسان.

إنه لمن المؤكد أن فترة الجمود والركود أثرت سلبياً على تطور الرواية في ظل الإشتراكيّة، تلك التي بلغت قمة تطورها على يد خيرة ممثلي الأدب الإشتراكي أمثال شولوخوف، ومن المؤكد أيضاً أنه عندما سيتم الكشف عن كنوز الثقافة والإبداع التي حُجبت في فترة الركود، سيتم الإطلاع على إبداع واقعي حقيقي يعطي الصورة الأكثر سطوعاً لتطور الواقعيّة في ظل الإشتراكية...

لسنا في مجال الدفاع عن الواقعية الإشتراكيّة، فهي ليست مدانة. وهي كمنهج فني قدمت إبداعات فنية متميزة ليس بمقدور أحد إنكارها، أو التغطية عليها، وهي لم تصبح بعد في ذمة التأريخ لنتناولها بحيادية، تستوجبها الدراسات التأريخيّة، ذلك إن النزوع إلى الإشتراكيّة ما زال حياً، إذ ليس بمقدور النظام الرأسمالي المستغل تقديم الإجابات الشافيّة على الأسئلة الإنسانيّة. إن الذي حدث إنما هو فوز الذين ملكو الإمكانيات التكنولوجيّة الأكثر تأثيراً في هذا العصر، إقتصاديّاً وعسكريّاً، وفشل الذين جمدوا الإشتراكيّة وحنطوها فكراً وعملاً، وحولوا جهد الملايين إلى مصالح صنمية لإقليّة بيروقراطيّة إستبداديّة، متخلّفة ومنعزلة، لم تكن وباية حال من الأحوال جديرة بمصير أفضل من المصير الذي آلت إليه، وهذا الفشل في أحد دلالاته وأبعاده كسباً لمسيرة الإنسان الصاعدة من أجل تطوره الشامل. لقد فشل التنظيم الذي تحدث باسم الناس عوضاً عن الناس، وفشلت الدولة الشموليّة القمعيّة، لإن البيروقراطيين بدلا من إضعاف دورها، وتوسيع دور الجماهير والمنظمات الجماهيريّة المنبعثة منها جعلوا منها شيئاً مقدساً يُخدم لذاته، وفشل الإستبداد والقهر، وهما شيئان ما كانا ولن يكونا في خدمة الإنسان بأية حال من الأحوال. فشل الجمود والتحجر والعداء للديمقراطيّة، ولكن لم تفشل الإشتراكيّة، إذ أن ما بُني لم يكن إشتراكيّة بالمعنى الكامل للإشتراكيّة، فالإشتراكيّة لا يمكن أن تكون بدون ديمقراطيّة، إنها إبداع الجماهير، والجماهير لكي تبدع يجب أن تكون حرَّة، وأن تسهم بالقرار، لا أن تتخذ القرار نخبة بيروقراطيّة معزولة نيابة عنها، وتُجبر هي بشتى الوسائل على التنفيذ القسري...

لم تفشل الإشتراكيّة كهدف إنساني نبيل، وإن بعد بها المدى، مثلما لم يكن فشل كومونة باريس فشلا لنزوع البشريّة نحو المساواة والحريّة والعدالة الإجتماعيّة. فمثلما قيل سابقاً أيتها الحريّة، كم تجري من الجرائم باسمك؟! يمكن القول اليوم أيضاً، أيتها الإشتراكيّة كم جرت من المآسي تحت رايتك وعلمك. ورغم كل الجرائم التي حدثت باسم الحريّة، فليس ثمة شيء أعز منها، ورغم كل المآسي التي حدثت باسم الإشتراكيّة، فلا خلاص للإنسانية إلا بها.

 

للأطلاع :

 

الخصائص الإشتراكية في الرواية (1-3) >>

الخصائص الإشتراكية في الرواية (2-3) >>

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي

Rahakmedia - Germany

 

 

 

 صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 
 

 

لا

للأحتلال