<%@ Language=JavaScript %> صباح علي الشاهر الخصائص الإشتراكية في الرواية(1-3)

 |  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 

الخصائص الإشتراكية في الرواية(1-3)

 

صباح علي الشاهر

 

رغم كل ماقيل وسيقال مستقبلاً، فقد كانت ثورة أكتوبر الإشتراكية عام 1917 منعطفاً حاسماً في تأريخ البشريّة، وهي أعظم وأعمق الثورات في القرن العشرين، حيث غطى تأثيرها قرناً بكامله، وحرَّكت وهيَّجت شعوب القارات الخمس، ومنحت النضال من أجل العدالة الإجتماعيّة زخماً وعمقاً لا مثيل لهما على إمتداد التأريخ المعاصر، ولم يكن خارجاً عن دائرة تأثيرها وتأثير أفكارها قطر مهما صغرت مساحته على خارطة الكرة الأرضيّة، أدخلت هذه الثورة ذات المحتوى الإجتماعي الجذري في السياسة والإقتصاد والإجتماع وحقول المعرفة مجتمعة مفاهيم جديدة عميقة الدلالة تمحورت بالأساس حول الإنسان وقضيته الأبديّة في التحرر والإنعتاق، وحاصرت النظام الرأسمالي حصاراً كاد يزهق أنفاسه، إذ زعزت شرعيته وقانونيته، مؤكدة نظرياً، وعملياً في السنوات الثوريّة المجيدة الأولى من عمرها لا جدارته بالبقاء، وجوهره المعادي للإنسان، وإذ كنا لسنا في مجال التقييم ولا في مجال تعليل ماحدث من فشل دراماتيكي وغير متوقع بالنسبة للأغلبيّة المطلقة من سكان هذا الكوكب، إلا إننا ونحن نتنناول تطور الرواية في ظل النظام الإشتراكي، أو ما سُمي بالإشتراكي، نؤكد حقائق ليس بالإمكان عبورها أو تجاوزها...

وجد المنعطف الثوري الحاسم الذي دشنته ثورة إكتوبر تجلياته على الصعيد الإبداعي، ويمكن القول بقليل من الشك إن إكتوبر قدمت نموذجها الإبداعي الخاص (الذي حمل خصائص واضحة تحمل طابع خصائص الظروف التأريخيّة التي تطورت بها البلاد السوفيتيّة منذ بدء الثورة، وهو نتاج طبيعي لثورة أكتوبر التي أكدت الطابع الإنشائي الخلاق للثورة الإشتراكيّة، وأهميتها كنقطة تحوّل في التطور التأريخي للثقافة الإستراكيّة، ونقطة تحوّل في التطور العالمي للإنسانيّة ) صباح علي الشاهر (إكتوبر وأدب القمم الشامخة). الثقافة الجديدة. بغداد. العدد 99 تشرين الثاني 1977 ص: 117.)

لقد أولت الثورة منذ سنواتها المبكرة الفن بشكل خاص إهتماماً إستثنائياً، قد يبدو للكثير من الدارسين غير مفهوم، فقاعدة الثورة من الناس غير المتعلمين يتوزعون بين العمال والفلاحين والجنود والبروليتاريّة الرثّة، وهي قاعدة غير معنيّة بالفن، وغير قادرة على تطويره، ولكن القيادة كانت من الإشخاص الذين تلقوا معارف جيدة، وأحياناً إستثنائيّة في مجالات الفكر كافة... هذه القيادة التي وضعت نصب عينها مهمة وجدتها جوهريّة ، إذ كانت المهمة الجوهريّة منذ بزوغ فجر أكتوبر تدور حول تدعيم وتعميق الإتجاهات الواقعيّة في الوعي الفني للمجتمع، التي تفسر بالتطورات الجذرية والحياة الإجتماعيّة والتطهير البناء للتربيّة من طفيليات الماضي، وكان الإهتمام برعاية الجديد مهمة مركزيّة على مختلف الأصعدة. لقد ساعدت إبداعات الكتاب السوفيت على تأكيد ذلك الإسلوب الواقعي في التعبير عن الحياة والذي سيُسمى فيما بعد بالواقعيّة الإشتراكيّة.

مما لا شك فيه إن الإرادوية والقصديّة ظاهرة بينة في هذا التوجه، الذي كان يشفع له إلى حد ما الحماس الثوري الذي عمَ البلاد والعالم بأسرة، إلا أنه من المؤكد أن إبداعات الكتاب لم تكن في الأغلب الأعم وليدة الجبريّة هذه، فالجبريّة لايمكنها بأي شكل من الأشكال تقديم نتاجات بهذا المستوى من العمق، وبهذا القدر من الفنيّة العاليّة. أغلب الظن إن الكتاب كانوا يكتبون بصدق، مدفوعين بحماس الحالة الثوريّة التي عمّت أولئك الناس العاشقين للخير، والناقمين على الإستبداد، والظلم المتوارث...

لقد فتحت الثورة الإشتراكيّة طريقاً عريضة لظهور ونبوغ المواهب وتطورها، وتطوير المتلقي وجعله يحس بثمار الأدب والفن، ليس في إطار قوميّة سائدة، وإنما في أفق أممي كان إلى ما قبل أكتوبر مجرد حلم محض. وحيث أن الأفراد الذين يحولون الظروف بشكل ثوري، يتحولون هم أنفسهم أثناء تلك التحولات التأريخيّة، كما علّم قائد أكتوبر، فقد زجت في العمليّة الثوريّة وأعيد بناؤها، وتصلبت، جحافل من الجماهير الشعبيّة التي تضافرت جهودها مع جهود الطليعة الواعية، لبناء العالم الجديد، ولكنس أدران العالم القديم. إن أحد أهم الفوراق المبدئيّة للثورة الإشتراكيّة، عن كل ما سبقها من ثورات شعبيّة هي أنها تخلق في عملية الصراع إنساناً جديداً، إشتراكيّاً، فعالأ، ومغيّراً للظروف.

لقد بدأ غوركي التنظير للواقعيّة الإشتراكيّة في وقت مبكر كمقابل للواقعيّة النقديّة، وبالأخص لملاحظته غلبة الجانب الإنهزامي التشاؤمي فيها، وقد بلور في روايته «الأم» سنة 1906 المفاهيم الإيجابية المتفائلة للواقعيّة الإشتراكيّة، حيث يتضح جلياً في هذه الرواية عظمة الإيمان الفردي من خلال الإرتباط بالأهداف المستقبليّة للجماعة، إن هذا الإيمان هو الذي يُغيّر سلوك الأفراد كما نجد ذلك عند (بافل) العامل البسيط، والبطل النموذجي المستقبلي.

لقد أسس غوركي عبر رواياته وبالأخص رواية «الأم» ووطد بدايات منهج سيُغطي عشرات السنين فيما بعد، وكان همه الأساسي تكريس الصفات البطوليّة في البطل الإيجابي الذي هو وفي مطلق الأحوال لم يخرج عن نطاق الإمكانات الإنسانيّة، وبالأخص إذا كان دافع الإنسان هدف سامي نبيل. هذه الصفات البطوليّة التي قدمها غوركي قلما نعثر عليها عند الواقعيين النقديين، فمثلا بطل رواية غوغول (المعطف) على سبيل المثال بطل إيجابي، وكذلك الأمير آندري في (الحرب والسلم)، ولكن الصفات البطوليّة لا نكاد نعثر عليها عند الواقعيين النقديين إلا قليلاً، غير أنَّ بافل غوركي، وكذلك (تشابايف) فورمانوف نموذجان لخلق الصور البطوليّة...

ومن هنا سنتلمس جوهر البطل الجديد بصفاته البطوليّة، والذي ستكرسه الواقعيّة الإشتراكيّة، التي كانت رواية «الأم» بما حملته في أحشائها من حلم جماعي بالتغيير الرائدة بلا منازع في تحديد معالمه الأساسيّة والجوهريّة. لقد إستعاضت الواقعيّة الإشتراكيّة عن المثقفين اليائسين المعقدين والمأزومين، الذين سيطرت عليهم الكآبة والحزن واليأس، والذين صورهم لنا تشيكوف مثلاً، بدلاً من هؤلاء المثقفين، أصبحنا نرى الأنصار والجنود المتحمسين لتحطيم العالم القديم، والثوار المفعين بالرومانسيّة الثوريّة وقد فجرّت الأحداث الثوريّة طاقاتهم، وبالتالي فقد كان إجتراح المآثر البطوليّة في هذه الأجواء الثوريّة أمراً واقعيّاً وليس متخيلاً أو إفتراضياً...

يقارن الدكتور محمد زكي العشماوي بين «الأُم» في رواية غوركي، والأُم عند نجيب محفوظ في رواية «بداية ونهاية»، وهي تصلح أن تكون مقارنة بشكل عام بين البطل في الواقعيّة النقديّة، والبطل في الواقعيّة الإشتراكيّة، فيلاحظ أن الأم عند غوركي أم مكافحة، والهدف من هذه الشخصيّة، والأدوار التي تؤديها هو إبراز ما في هذه الشخصيّة من الطبيعة الإنسانيّة الخيّرة، وما تنهض به من تعبير عن الجماعات، وما تجسده من طموح الشعب وآماله. القضية بالنسبة لأم غوركي ليست قضيّة عائليّة تتصل بالعلاقات الشخصيّة بين إفراد العائلة، إنما هي قضيّة أم تسعى نحو فجر جديد، وتمثل نمطاً من الكفاح البطولي من أجل الجماعة. أما في (بداية ونهاية) فهي أم برجوازيّة لاتعيش إلا في المحيط الضيّق الذي يصلها بإفراد أسرتها وحدهم، ولايهمها إلا أن تحقق لإفراد أسرتها مكاناً لائقاً في المجتمع الذي تعيش فيه، لذلك نجدها تفشل في النهاية لأن المجتمع يقهرها، وينتهي الموقف بانتحار البطل على نحو إنهزامي فاشل) د. محمد زكي العشماوي. الأدب وقيم الحياة المعاصرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب الإسكندرية. الطبعة الثالثة. 1974. ص: 191.)

إن الواقعيّة الإشتراكيّة التي واصل غوركي عقب إنتصار ثورة أكتوبر 1917 في مجمل نشاطه تأصيل مبادئها، لا يمكن فهمها إلا على أساس مفهوم التطور الفني للإنسانيّة، وهي منهج فني لا يمكن التوصل إليه من دون الفلسفة الماركسيّة ونظرتها الماديّة للتأريخ، وهي تقوم إساساً على الخبرة الإشتراكيّة، ومن مهماتها أن تثير فهماً وإدراكاً إشتراكيين ثوريين للعالم، وعلى الرغم من تعدد طرائق كتاب الواقعيّة الإشتراكيّة فإن الشيء المشترك بينهم جميعاً هو الموقف الأساسي، الموقف الإشتراكي الجديد نتيجة تبني الكاتب والكتاب لوجهة النظر التأريخيّة للطبقات الصاعدة، وتقبله للمجتمع الإشتراكي بكل التناقضات والخلافات التي تظهر في مجرى تطوره... وإذا كان الفن عموماً يستشرف المستقبل، فإنه يمكن القول أن للواقعيّة الإشتراكيّة قصب السبق في إستشراف المستقبل، إذ أنها لم تعمل على فهم وإدراك الواقعين( الماضي والحاضر) فقط، وإنما عملت لفهم وإدراك المستقبل، كما أنها لا تقتصر على إدراك وعكس الواقع الموضوعي وإنما تعمل على تجديده. قال شولوخوف في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل عام1965: «أنا أتحدث عن الواقعيّة التي تحمل في ذاتها فكرة تجديد الحياة، وتغييرها لخير الإنسان، أنا أتحدث طبعاً، عن تلك الواقعيّة التي نسميها إشتراكيّة، وخصوصيتها تكمن في أنها تعبر عن وجهة نظر لا تكتفي بالملاحظة، لا تساوم وتبتعد عن الواقع، بل تدعو للنضال من أجل تقدم البشريّة، وتعطي إمكانيات بلوغ الأهداف التي يطالب بها الملايين، وتضيء لهم دروب النضال». ( ي. غروموف (الواقعيّة الإشتراكيّة). دار إبن خلدون. بيروت. ط1. حزيران1975. ص: 42.)

لقد أنتج هدف تجديد وتثوير الواقع روائع العشرينات «تشابايف» لنورمانوف و«الفولاذ سقيناه» لأوستروفسكي، و«دروب الآلآم» لألكسي تولستوي و «الهزيمة» لفادييف، والعديد من الأعمال الإبداعيّة المفعمة بالبطولة والحماس، والتي تم فيها مزج الصور الواقعيّة التحليليّة مع الرومانسيّة الثوريّة.

 

 

للأطلاع :

<< الخصائص الإشتراكية في الرواية (2-3)

 

<<الخصائص الإشتراكية في الرواية (3-3)

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي

Rahakmedia - Germany

 

 

 

 صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 
 

 

لا

للأحتلال