دراسات مختارة

 

صوت اليسار العراقي

تصدرها مجموعة من الكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة

 

 

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

 

 

 

 

يمين اليسارالعراقي ويساره الوطني الأصيل

 

كاظم محمد

 

كثيرة هي الكتابات والمناقشات والحوارات حول اليسار، وحول أهمية تكتله ووحدته ، وكذلك دراسة اسباب عجزه وفشله في مواضع كثيرة ، فكريآ وسياسيآ ، وبالتالي تخلفه عن حركة الأحداث والتأثير فيها وأنفضاض الفئات الشعبية عنه .

من الأهمية بمكان ، وعند تناول موضوعة اليسار ، لاينبغي حصرها بالحركة الشيوعية ، وكأن اليسار  وأتجاهاته هي حكرآ على الشيوعيين وحركاتهم وتنظيماتهم .

أن مقياس اليمين واليسار ينطلق من الظرف التاريخي المعين ، و في حدود جغرافية معينة ، لمجتمعاتٍ معينة ، حيث طبيعة نمط الأنتاج السائد ومستوى التطور الأجتماعي والوعي السياسي للفئات الأجتماعية المختلفة ولمدى إدراكها لمصالحها الأقتصادية والطبقية ، وأستعدادها للنضال والتصادم من أجل هذه المصالح ، عبر أدواتها السياسية ، من أحزاب وحركات تعبر عنها وعن تطلعاتها الأجتماعية والسياسية .

لذلك كانت تيارات التقدم والمحافظة هي الأفرازات الطبيعية لحركة المجتمع في مسارها وتغيراتها ، وضمن هذا السياق فأن عملية الفرز و تجذير المواقف الفكرية والسياسية ، ملازمة بنفس الوقت  لتيارات التقدم في مسيرتها الكفاحية وصراعها مع ضدها الطبقي .

 ان وقوف تيارات التقدم إلى جانب الحركة الأجتماعية وفئاتها الشعبية ، وتبني همومها الوطنية والأجتماعية ، يضعها إلى يسار هذه الحركة وبالضد من الحركة المحافظة اليمينية في محاولاتها للأبقاء على مصالحها ، واللأستئثار بمؤسسات الهيمنة السلطوية .

أن التداخل الذي حصل بين التأثيرات الدينية والقومية في مواجهة الأستعمار ، ساهم بشكل كبير في بروز الحركة القومية وتشكلها ، أضافة إلى عامل الوعي الأجتماعي للطبقات المسحوقة  بالدور الأستغلالي الذي يمارسه المستعمر ونهبه لثروات البلاد واستغلاله لكدح أبنائه ، فأدركت  هذه الحركة دورها الأجتماعي والسياسي ، عبر حاجات مجتمعاتنا العربية لها ، ونهضت بالمهمات القومية والوطنية ، حيث برز مفكرون كبار وهيئاتٍ كثيرة وأطر وحركات ، كان لها موقفآ وجهدآ تقدميآ في قضايا الدفاع وتبني مصالح الفئات الشعبية المظطهدة ، وبنفس الوقت استطاعوا ان يعبئوا جماهير واسعة بأتجاه الموقف من الأستعمار ، وربطهم السياسي برفع الظلم والحيف عن الفئات المسحوقة  بقضية التحرر من الظلم والأستعمار والأستغلال .

في مسيرة الكفاح الطويل لهذه الحركات في مجتمعاتنا ، وحتى في المجتمعات الاوربية ، برزت الاجنحة المتجذرة على يسار هذه الحركات القومية والعمالية وحتى المحافظة منها ،  أن ما شهده التاريخ الحديث من اصطفافاتٍ اجتماعية في الكثير من المجتمعات ، خاصة تلك التي كانت فيها وتائر التطور والتغيرالاقتصادي ، واضحة وبارزة ، أدت إلى صراع فكري وسياسي ، وفي بعض هذه المجتمعات عنفيآ ، بين مواقف قوى الفعل الاجتماعي والسياسي ، بين تيارات وقيمٍ وموروث وانماط اقتصادية ، تسعى لشق طريقها وتكريس فعلها في الحركة الاجتماعية .

أن اليسار واليمين موضوعتان متلازمتان في حركة المجتمع ، وكحركاتٍ فكرية وسياسية ، فهما جزء من هذه الحركة الاقتصادية والسياسية ، لذلك لانستغرب عندما تبدأ الحركة الأجتماعية بالأبتعاد عن يسارها السابق ولفظه ، خاصة في المنعطفات التاريخية والسياسية الحادة ، وذلك بحكم موقفه المتخلف ، اليميني بمقياس الحركة الاجتماعية والسياسية ، من تلبية وتبني المطالب الاساسية للفئات الشعبية الواسعة والمرتبطة بهمها الوطني والاجتماعي.

أن هذا اللفظ الاجتماعي لذاك اليسار ، يستدعي قوى فكرية وسياسية منسجمة وقادرة على استيعاب التطورات الناشئة ، واتخاذ المواقف الصائبة ، لتقف الى يسار يسارها الملفوظ .

في حركة المجتمع والتغيرات التي تجري فيه ، وتأثير وفعل العوامل ا لخارجية ، لايمكن الحديث عن الغاء لتيارات اليسار واليمين في الحركة السياسية والاجتماعية ، كما يدعي بعض منظري العولمة الجديدة ، وبعض مثقفي ومفكري مؤسسات الفكر والدراسات الاستراتيجية الغربية والمطبلين لهم في بيئتنا الثقافية والفكرية.

مع العولمة الجديدة ، ومحاولة اشاعة وترسيخ مفاهيم وافكار ، ثقافة امبريالية رأس المال ، حول التناقضات الاجتماعية  وتواري الأمم وتكسير الحواجز الوطنية ، تجري عملية نقض وتجابه بين تيارات فكرية ، هي نتاج لمؤسسات النظام الرأسمالي ، متمثلة بمؤسسات اعلامية ضخمة ودور بحث ودراسات ، استطاعت استيعاب اعداد ليست بالقليلة من مثقفي وسياسي عدد من البلدان، عبر المال السياسي ، وخاصة من في المهجر منهم ، ليكونوا المروجين الفكريين والممهدين الوطنيين للغزو الثقافي والعسكري الامبريالي اللاحق ، ان هؤلاء ومن ورائهم سيدتهم الامبريالية ومؤسساتها الثقافية والفكرية ، يروجون لمقولات (تواري القوميات والأمم ) ويتنكرون لمقولة الصراع الطبقي ، ويدعون بأن هذه من بقايا ومخلفات عصر الأيديولوجيات الذي ولى زمانه ، اما عصرهم وزمانهم فهو عصر (صراع الحضارات والاديان) ، ومن هنا يحلو للبعض من مثقفينا ، وتأثرآ  برذاذ اجواء هذه العصرنة الفكرية ، وضعف الرؤية الوطنية ، وبالاستناد الى الفهم السياسي الخاطئ  للعلاقة بين الدين بمفهومه الشامل وحركة اليسار الاجتماعي وطبيعة نضاله ، يحلو لهم بأن يضعوا الاسلام السياسي على قدم المساواة مع الارهاب الامريكي ، منطلقين من نظرة محددة في جغرافية محددة وافرازات ظروف سياسية معروفة ، متناسين الدور الاجتماعي والسياسي الوطني الذي لعبته وتلعبه قوى وتجمعات وشخصيات دينية ، كان ولايزال الاسلام غطاءها العقائدي والفكري .

في ظل الاوضاع العالمية الجديدة ومتغيراتها الدولية ، وفي ظل شراسة وغطرسة وفاشية الامبريالية ، تتجلى اشكال جديدة للصراع  بين الوطني بحدوده الجغرافية وبين الوحش الامبريالي القادم بعسكره وقيمه وثقافته وشركاته العملاقة ، بين الوطني الذي يرفض التدخل والوصاية بأشاعة ( الديمقراطية) وتعليم الشعوب الف باء الديمقراطية الامريكية  ، وجهد ويجهد بأن لايستبدل الاستبداد الداخلي بالاحتلال والغزو الذي هو اسوأ ما يتعرض له بلد من البلدان وشعب من الشعوب .

لقد اصبحنا نحن العراقيين نلاحظ ونرصد هذه الظواهر بوضوح من خلال قراءة ما يجري في وطننا وفي البلدان الاخرى ، نلاحظ عملية النقض والتجابه المستمرة بين تيارات وطنية تضم مختلف الاطياف ، وبين مشروع امبريالي يسعى مع مريديه من كتاب ومثقفين وسياسيين محليين إلى تفكيك مرتكزات مفاهيمنا الوطنية وايجاد مساحة فكرية تظليلية تؤسس لمفاهيم فكرية هجينية ، تُمهدُ مع عصاهم الغليضة لتثبيت مشروعهم الاستعماري وانجاحه في عموم المنطقة . . وهنا بالتحديد نستطيع تلمس التناقض الكبير والعميق بين بقايا اليسار السياسي العراقي ، الذي احتكر يسارية الساحة السياسية والاجتماعية ، وكان فاعلآ ومؤثرآ لزمنٍ  طويل بحكم الربط  الواعي  بين السياسة الوطنية والطبقية ،  والذي خضع  فيما بعد  (لعمليات جراحية فكرية وسياسية ) في مشافي العصرنة الامريكية ، ليخرجوا علينا  (بيسارية جديدة ) ومفاهيم فكرية وسياسية تظليلية ، مُستقاة من مدارس رأس المال الثقافي والفكري ، بتبريرهم التصالح والتعاون مع المستغل العالمي  .

أن إدعاءهم وقولهم الموثق بأن ( الرأسمالية العالمية ونموذجها الامريكي ، ليس شرآ كلها ) لتبرير الارتداد الفكري والسياسي والذي لم يكن مفاجئآ ، وضعهم بالضد من مصالح الفئات والطبقات الاجتماعية الواسعة ذات النزعة التقدمية ، وبالضد من قضيتها الاساسية ، إلا وهي القضية الوطنية والاجتماعية ، لقد تحالفت بقايا هذا ( اليسار) مع العدو الطبقي والوطني لهذه الفئات الشعبية الواسعة ، وبذلك فقدت تقدميتها الاجتماعية ، والغت عنها صفة اليسار السياسي ، لتصطف إلى جانب اليمين الرجعي السياسي بتحالفاته الجديدة .

لقد دخلت بقايا هذا (اليسار) المرتد في تناقض فكري وسياسي مع الفئات الشعبية الواسعة التي بدأت بأنشاء أُطرها المبلورة لمواقفها السياسية ، والمستندة الى قضيتها التقدمية الاولى ، وهي رفض الأحتلال والهيمنة الامبريالية الجديدة بكل اشكالها ، ورفض افرازاتها الرجعية ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكارثية على هذه الفئات والطبقات الشعبية .

 

أن اليسارية هي اتجاه اجتماعي فكري وسياسي يستشعر المصالح الانية والمقبلة للفئات والطبقات الشعبية ، انها نتاج اجتماعي سياسي لقوانين طبيعية اجتماعية واقتصادية ، خاصة بمجتمع معين ومتأثرةً بمحيطها الموضوعي وظروفها التاريخية ، ان معرفة النقيض ومحاربته واسقاطه ، يتطلب قوى واطر ا ناهضة ، مدركة لدورها التقدمي في حركة المجتمع ، وبذلك فهي تقف الى يسار الكفاح الشعبي  للطبقات المسحوقة ، وطنيآ واجتماعيآ ، وبذلك فأن منبعها الوطني هو الذي يحدد اتجاهاتها ، وبأنسلاخها عنه ، تكون قد عزلت نفسها واصبحت على هامش الحركة الاجتماعية والسياسية .

ليس بحفظ وتسطير النصوص الماركسية واللينينية نثبت لون يساريتنا ، ولا بالصراخ بقانية حمرة شيوعيتنا وشعاراتنا نكسب الاعتراف بيساريتنا ، ولا بحملنا لمخزوننا النظري بقاربنا الصغير بين امواج تعقيدات الوضع الوطني  العراقي ، ودون ان نستطيع ملامسة شاطئنا المطلوب ، فستكون يساريتنا عائمةً  دون ان تستطع التلامس والتشابك مع منبعها الوطني لأسترداد عمقنا الوطني ومعرفة أولوياتنا الوطنية ، اولويات النضال الوطني ، والتي بدونها لانستطيع الحديث عن مصال الفئات المسحوقة . . فلنكف  عن ترديد (( الاوضاع المأساوية في العراق ، ووضع المجتمع العراقي على عتبة الثورة الاشتراكية ، ان من المهمات الملحة فصل الدين عن الدولة ، حق الانفصال... )) ولنحدد كوطنيين عراقيين قضيتنا الوطنية الاولى ، وهي الاحتلال وما نتج عنه ، ولتكن هذه القضية النقطة الاولى في برنامج العمل المشترك ، والمهمة الاولى للنضال الوطني التحرري ، وليس كمهمة اخيرة في مقترحات مشاريع العمل المشترك لبعض التجمعات .

لاحديث عن استقلال وسيادة ، مثلما يحاول البعض تمريرها، في ظل الاحتلال ، ولاحديث عن تحرير للمرأة العراقية في بلدٍ مغتصب ومستباح ، ولاحديث عن قانون عمل عمالي يضمن المصالح الطبقية للعمال والفئات الكادحة في ظل الاحتلال .  ويبقى أن لا نُضلل اذا جاء من يدعونا إلى ديمقراطية في ظل المحتل الامبريالي ، هاهي عشرات الصحف والدكاكين الحزبية تتحول الى مؤسساتٍ ارتزاقية ، لتلعب دورها في تجريد شعبنا من سلاح الوعي والتنظيم ، ولتصبح اداة المحتل ومريديه في التضليل وخلط الاوراق ، للتشويش على وعي المواطن العراقي ولتكريس الطائفية والمناطقية والتخندق العرقي والمذهبي ، ولتهيأ الذهنية العراقية لما هو قادم .

أن نظام الاحتلال هذا وفي ظل امبريالية رأس المال الفاشي في العراق ، يقيد ويحدد ويطوق الحركة الاجتماعية التقدمية بممارساته القمعية المباشرة او بواسطة من ارتضى بالدور السلطوي الثانوي التابع للاحتلال، وبذلك فهم يحاولون محاصرة واضعاف ، إن لم يكن القضاء على الحركات والاطر السياسية ذات الفاعلية الوطنية والاجتماعية في كفاحها من اجل مصالح الفئات الشعبية.

ان من يعبر عن اماني وتطلعات الفئات الشعبية في المجتمع ، عليه ان يربط وبشكل جدلي بين المهام الوطنية الملحة ، والدعوة الى الى تحقيق المصالح الطبقية لهذه الفئات ، وان يعي التشابك الذي لاينفصم بين  المسؤولية الوطنية والاجتماعية ، ان الفشل سيكون من نصيب من يحاول التضليل لتبرير توجهاته الفكرية والسياسية ، والقول بأمكانية تحقيق المصالح الطبقية والاجتماعية للفئات الشعبية في ظل سلطة الاحتلال وتوابعها ، والتي ساهمت في في تدمير بلدنا وسرقة ونهب ثرواتنا ، ومحاولتها لضرب وتفتيت البنية الاجتماعية لنسيجنا الوطني .

لقد علمتنا تجارب حركتنا الوطنية والتقدمية ان بعض الاحزاب الوطنية العراقية والتي ناضلت ضد الاستعمار البريطاني وحكومته المنتدبة ، كانت تقدمية في مواقفها من قضية الاستقلال والسيادة ، وتجذرت هذه المواقف بدفاع هذه الاحزاب عن المصالح الاجتماعية للطبقات الشعبية ، فوقفت بذلك على يسار الحركة الوطنية في ذلك الوقت ، ولقد تعلم قادة شيوعيون من العمل داخل هذه الاحزاب ، وأسسوا حلقاتهم الماركسية  الاولى ، فكان عاصم فليح وفهد وغيرهم من الاوائل الذين جذروا هذا التوجه اليساري الوطني ، بطبيعة الموقف الفكري والسياسي الذي اتخذوه ، عبر تأسيسهم ل (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار ) ، أي انهم حددوا الهف الاساسي الجوهري الوطني العام ، هو الاستقلال والسيادة ، التي ستمهد الطريق لبناء نظام وطني شعبي ديمقراطي ، تستطيع في ظله الحركة الشيوعية من ممارسة دورها النضالي في تحقيق التطلعات الاجتماعية والطبقية للفئات الشعبية .

أن يسار الامس هو يمين اليوم بمقاييس المواقف الفكرية والسياسية المتخلفة ، وفقدانه لبوصلة الفكر ولأصابته بعمي البصيرة الوطنية من المتغيرات والتطورات التي شهدتها وتشهدها الساحة العراقية.

يجب ان يرتبط البحث في ازمة اليسار والدعوة لوحدته ، بالبحث والتعمق في مجتمعاتنا الوطنية ، والنظر بأحترام  للموروث الحضاري  والثقافي ، وادراك طبيعة التزاوج الاجتماعي والديني ونسيجه المؤثر في دفع حركة التغيير ، والكف عن التسطيح والطفولية الفكرية في تناول مسألة الدين والموقف منه ، ان الاسلام في مجتمعاتنا ليس عقيدة مجردة ، تخص الذات الشخصي ، انها عقيدة روحية وفكرية ، كانت ولازالت جزء لايتجزء من النسيج الثقافي والحضاري لمجتمعنا ، لعبت ويمكن ان تلعب دورآ فعالآ في اشكال الكفاح الشعبي .

ان الاصطفافات الاخذة بالتبلور على ساحتنا السياسية ، والتي تلعب فيها تجمعات واطر واحزاب وطنية دورآ كبيرآ في الشحذ السياسي الشعبي ، وعمقه الاجتماعي ، قد افرزت بوضوح ومنذ زمن ، وستبلور اكثر فاكثر قوى شعبية متجذرة  ستكنس يمين( اليسار ) وترسخ يسارآ وطنيآ جديدآ يستند الى منبعه الوطني  في ملامسته للحاجات التاريخية لفئات الشعب الواسعة ، في التحرر والديمقراطية والبناء ،  لذلك فلا يجوز الا ان نقف على يسار فئاتنا الشعبية الواسعة في همومها الوطنية وتطلعاتها المستقبلية ، حيث ستنفتح افاق التعاون والعمل المشترك للتجمعات اليسارية والتي هي جزء من الدعوة العامة للتعاون والتنسيق بين مختلف التيارات الوطنية العراقية وتجمعاتها ، في جبهة موحدة شاملة ، واضحة التحديد في تثبيت مهامها الوطنية في ازالة الاحتلال وتمكين شعبنا من استقلاله وسيادته على ارضه ، ليقيم نظامه الديمقراطي الذي يضمن الحريات وتداول السلطة للجميع.

 

 

 

 

هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل؟ (3 من 3)

صائب خليل

13 كانون الثاني 2010

 هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من مقالة "هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل، وقد سبقتها الحلقة الأولى (1) و الثانية (2)، وأشرنا فيهما إلى أن تنبيه الإنسان او الشعب المنكسر إلى الظلم الواقع عليه، لا يستثير فيه روح الرفض والثورة كما يحدث لدى الإنسان الصحي النفس، بل أنه يتفاعل مع ذلك التنبيه بشكل يزداد فيه إنكساراً وإحباطاً واستسلاماً. وبينا أن نفس هذه الظاهرة التي يضطهد بها الدكتاتور شعبه، والإحتلال الشعوب المحتلة، هي نفس التي يستعملها القوادون مع ضحاياهم من الفتيات المجبرات على ممارسة الدعارة في تجارة الرقيق الأبيض، حيث يتحول الخوف والفشل المتكرر من المجابهة إلى حبس نفسي يزداد عمقاً.

واخذنا أمثلة على ذلك من الشعب العراقي تحت حكم الدكتاتورية وتحت الإحتلال والشعب المصري تحت حكم الدكتاتورية وكذلك الفلسطيني تحت الإحتلال، إضافة إلى إشارة إلى حالات اضطهاد للشعبين الأمريكي والأوروبي أيضاً!

وفي الجزء الثاني أشرنا إلى دور التربية والظروف، وطرق هرب النفس البشرية ومراوغاتها بعيداً عن مواجهة الإضطهاد. بعد ذلك بحثنا المحاولات الخفية والمكشوفة لإدامة الإنكسار لدى الشعوب المحتلة والمضطهدة، واشرنا إلى انكسار اليسار وإحساسه بالغربة في وطنه.

إن كانت الحقائق لاتساعد المنكسر على التحرر، فما الذي يمكن أن يفعل؟

يعود الفضل في إشاعة تعبير "سيكولوجية التحرر" إلى إنسان كان حائراً مثلنا في إيجاد حل لهذه المعضلة لدى شعبه في السلفادور، والذي كان يقع تحت اضطهاد دكتاتورية جزارة تدعمها الولايات المتحدة، القس والناشط وعالم النفس "اكناصيو مارتن بارو" (1942-1989) والذي تم اغتياله في من قبل قوات حكومية دربها خبراء أمريكان. وكان أغناصيو يركز على الإضطهاد الذي يشعر به مواطنوه السلفادوريين ومواطنوا أميركا الوسطى وأميركا اللاتينية عموماً.، ويسعى لإيجاد حل لنفسيتهم والتغلب على مخاوفهم. ولا شك أن بارو نجح أولاً في أنقاذ نفسه من الخوف، وصار يعرقل بناء "الشعب المنكسر" ولذا كان لا بد من إزالته. لقد قال جومسكي فيه: "كان القس مارتن بارو يعتنق مفهوماً تحررياً للدين يختلف عن اللاهوت الذي يضطهد الفقراء. "

يرى ليفين، صاحب مقالة: "هل الأمريكيين شعب منكسر؟" (#) أن ما يساعد الإنسان الذي يشعر بالهزيمة، هو رفع الروح المعنوية. وإن كان من المشكوك فيه قبول التشجيع عن طريق الكذب، فمما لا شك فيه أنه يجب استخدام كل الحقائق الإيجابية، تشجيع وتأكيد الإنتصارات الصغيرة، البحث عن نماذج من التصرفات الشجاعة، وكل ما يساعد في كسر دائرة العجز والألم والإحساس بالعار، والإنغلاق والمزيد من الشعور بالعجز والألم والإنغلاق وهكذا.

يبدو أننا كلما تقدمنا في الزمن في العراق، كلما صرنا أكثر سخرية وقسوة تجاه مشاعر الآخرين وأقل اهتماماً بأثر كلماتنا وتصرفاتنا عليهم. أقدم لكم مقارنة حادثين بينهما نصف قرن. الأولى لأخي الأصغر الذي حدثني أن أستاذهم في هندسة جامعة بغداد, قال لطلابه مرة, يمتدح نفسه وصعوبة اسئلته في الامتحان القادم مفتخراً, ان "خيّرهم لن يحصل فيه على 30 بالمئة! "

الحادثة الثانية قديمة وقعت لي في الصف الأول الابتدائي, (مدرسة العزيزية في الرمادي ان لم اكن مخطئاً) اي قبل حوالي نصف قرن!, وما زلت أذكرها: صباح يوم فوجئنا, نحن الشطار, بمعلمنا الأستاذ يوسف وهو يقول : يا طلاب, أنا البارحة أخطأت, واعطيتكم واجب المفروض ان اعطيه لكم اليوم. أي أن الذين لم يحلوا الواجب اليوم, هم الشطار!
سرت في الصف فرحة بين "الشطار الجدد" وشعروا بالفخر ربما لأول مرة في حياتهم المدرسية, بل راحوا يعاكسونا, نحن "الكسالى" لأننا عملنا "الواجب الخطأ". حاول الأستاذ يوسف بالطبع ان يوظف هذه الموجة من الاعتزاز بالنفس وافهمهم ان هذا الامر لهذا اليوم فقط, وانهم ان ارادوا ان يستمروا شطاراً فعليهم ان يحلوا الواجب مستقبلاً.

لقد حاول الأستاذ يوسف ان يكسر هذا الاحساس بالإنكسار، الذي تراكم عند الطلاب في كل مرة يفشلون في حل الواجب، حتى صار عادة. لا اعلم الى اي مدى نجح أستاذ يوسف في فكرته, لكنها كانت محاولة رائعة، وعبرت روحه الجميلة عن مثال متميز، ليس لطلابه فقط، وإنما لنا جميعاً أيضاً.

إنني لا أدعوا طبعاً إلى أن يتعامل المثقفون مع شعبهم وكأنهم أساتذة أمام أطفال، ويحتالون عليهم وعلى بعضهم البعض من أجل رفع المعنويات، فهذه الحيل ستنكشف عاجلاً أو آجلاً، ويكون لها رد فعل يعكس فائدتها ضرراً، إنما أردت نقل إنسانية الأستاذ يوسف الباحثة عن طريقة لإنقاذ طلابه "الكسالى" من حالة الإنكسار، لعلنا نستوحي منها شيئاً.

إن كنا سنرفض الكذب "المفيد للمعنويات" لأنه كذب، فمما لاشك فيه أننا يجب أن نرفض وبشدة أيضاً الكذب الضار بالمعنويات، وهو على عكس ما قد يتصور البعض، شائع بشكل مخيف، وأحد أكثر اسلحة الإضطهاد استخداماً ضد ضحاياهم. ليس كل من يقدم النقد الجارح أو يرسله إنسان بريء، فهناك من يريد إبقاء الشعور بالعجز مستمراً ودائماً، ويسعى إلى تحقيق ذلك، وخير مثال قريب هو قصة "جعاز المعيطرية" التي أشرت إليها في الحلقة الثانية من هذه المقالة، فهي لا يمكن أن تكون إلا من تصميم جهة تعمل على إلحاق الضرر بالنفس العراقية.

لذلك فأن تعود "الشك" في كل خبر مسيء أو مقارنة محبطة يجب أن يكون رد الفعل الأول في ذهن المثقف، وأن يبذل بعض الجهد للتأكد من صحة الخبر والمقارنة قبل أن يفكر بنشرها.

ومثلما توظف بعض الجهات من أجل تزويد الإعلام بأخبار كاذبة سلبية التأثير، فقد لا حظت أنهم يحرصون على تهميش وإخفاء أية أخبار إيجابية. لذلك توجب تنمية عادة "البحث عن الحقائق الإيجابية" وأيضاً نشرها قدر الإمكان. ربما تتصور(ين) يا قارئ(ت)ي في هذه اللحظة أنني أحاول نفخ تشجيع زائف، وأنني أبالغ في "مؤامرة" خيالية، لكني أؤكد أن من سيبحث بانتباه سيفاجئ بما سيجد من أكاذيب وإحباطات مقصودة تسبح في إعلامنا، وما هو بـ "إعلامنا"، وكأن كل تلك الإحباطات الحقيقية غير كافية لتحطم نفسية الإنسان! ستجد من عمل على إخفاء حقائق إيجابية، وستجد أيضاً حقائق إيجابية معلنة، لكن مهمشة لم يستفد منها في شيء. أين هو النصب التذكاري للشابين الذين غرقا وهما ينقذان الغرقى من الطائفة الأخرى على جسر الأئمة؟ ألم تكن تلك الحادثة حقيقية؟ أما كان مفيداً أن تثبت تلك الحقيقة بنصب يذكر الناس بها لتنشر الثقة بين الناس والطوائف؟ لِم يتسابق الجميع في نشر أخبار تؤكد انتشار المشاعر الطائفية، لتنتج المزيد من الطائفية، ويهملون الأخبار التي تكسرها؟ لقد كتبت يوماً عن ذلك لأحد الأصدقاء فكتب لي أن هناك ألافاً من التضحيات المجهولة والتعاون بين الناس ولا أحد يدري بها، فأين هي تلك التضحيات ولماذا لم يتم تداولها؟

عدا الحقائق الإيجابية فأنه ليس من الصحيح ما يشاع أن السنوات العراقية الأخيرة كانت كلها هزائم، ولا كانت السنوات الفلسطينية والعربية الأخيرة كلها هزائماً. فالنصر الذي حققه حزب الله في لبنان كان سيكون رمزاً تاريخياً ووطنياً خالداً لأي شعب آخر، ومن الصعب إيجاد شعوب يمكنها أن تفخر بمقاومة العدوان والإحتلال بشكل أفضل مما فعل اللبنانيون.

أشير باقتضاب إلى أنتصارات غزة الكبيرة وإلى نتائجها المتوالية ومنها التحول التركي الكبير، الذي كان نوع من التعويض عن سيطرة الجانب الإسرائيلي على مصر.

وعلى مستوى العراق نشير بعجالة إلى أن العراقيون نجحوا بإفشال محاولات تجزئة بلادهم، كما أفشلوا مشروع الحرب الأهلية. ورغم أنهم هزموا في معركة المعاهدة الأمريكية، إلا أن الهزيمة كانت جزئية فتأجلت معركة إخراج الإحتلال لسنتين، ولم تحقق المشاريع الإسرائيلية بقيادة مثال الآلوسي وقيادة كردستان تقدماً، إلا أن الحكومة وقعت اتفاقيتين مع الناتو بريطانيا. في الجانب الإقتصادي فشلت مشاريع قوانين نهب النفط، ومازال الفساد يخشى على نفسه في بغداد وإن كان تام السيطرة في كردستان للأسف. وقد وقع العراق اتفاقيات مؤذية وبلا مبرر مع صندوق النقد الدولي ويعمل على خصخصة ممتلكات الدولة، إلا أن مقاومة تواجه كل هذه المشاريع.

ما أردت قوله أن ليس صحيحاً أن كل الأمور سلبية ومهزومة، ولو كانت كذلك لما وجدنا الإرهاب مستمراً، فهو الدليل على أن البعض لم يحقق انتصاره بعد، وأنه مازال بحاجة إلى الإرهاب لتحقيقه.

وقد يميل المرء إلى الغضب من أعتبار أن هناك أنتصارات في وضع مأساوي مثل العراق، لكن مراجعة تلك القائمة من الإشكالات تبين أن الكارثة كان يمكن أن تكون أكبر بكثير. فمن له أن يقلل أهمية تفادي حرب أهلية أو تقسيم البلاد مثلاً، دون أن يكون مجافياً للموضوعية؟ لو أن العراق فشل في واحد من تلك القضايا لأعتبر فشلاً خطيراً جداً، فلماذا يعتبر غير مهم عندما يتم تلافي الكارثة؟ من النادر أن تسمع أحداً يتحدث عن هذه الإنتصارات (ما لم يدعيها لنفسه). يمتلئ الإعلام بأخبار الهزائم، فهي تفرض نفسها عليك، أما الإنتصارات والأخبار الإيجابية فيجب أن تبحث عنها بحثاً!

نعم أن انتصاراتنا أقل من طموحاتنا بكثير، لكن خذ أي بلد، وأقض على خيرة مثقفيه لأربعة أجيال متتالية وسلط عليه دكتاتوراً وادعمه وادفع به ليدخل في حروب متتالية، واحكم الخوف على مواطنيه لأربعة أجيال، واقطع عنهم الإتصال بالعالم واحرمهم حتى الطعام. سلط خير عقولك لدراسة هذا الشعب ونقاط ضعفه وعلّم حثالاته كيف يستغلونها، وكيف يكونوا كفوئين في تحطيم أية مقاومة، وأنظر أي مستشفى مجانين سيكون لديك في النهاية!

يمكننا أن نكون طموحين، لكن المقارنات لا يجب أن تتجه بإتجاه غير عملي يدفع إلى اليأس، من خلال التوجه إلى مثال بعيد صعب المنال. يجب عدم التركيز على المقارنات بين العراق واليابان مثلاً، فهي مقارنات لا فائدة عملية ترتجى منها، إلا في حالات نادرة. بالمقابل يجب تشجيع المقارنات القريبة مع جاراتنا التي تقدمت علينا أو تقدمنا عليها بشكل محدود، مثل تركيا أو أيران ودول عربية وبقية دول العالم الثالث في بعض المجالات. فليس كل ما يمكن تعلمه يأتي من الدول المتقدمة والغرب، بل كثرما تكون تجارب دولة قريبة من وضعنا أكثر أهمية لنا. يجب أن لا نأنف من ان نتعلم من هذه الدول وهذه الشعوب، فميزة المقارنة القريبة أنها ترشد إلى الخطوة الممكنة، وتؤشر الطريق الصحيح دون بث الإحساس بالدونية واليأس.

وفي كل الأحوال يجب تجنب استخدام لغة مستهزئة محقّرة، لا في النصائح ولا نقل الأخبار ولا المقارنات. أن في النقد الساخر، وفيه عنصر ترفيه. لكن هذا الترفيه ثمنه غال ويدفع على الإدمان، فابحثوا عن ترفيه من نوع آخر. إنه ترفيه مسموم، فحتى إن ضحك قارئه قليلاً فأن غصة وشعور بالإحباط سيتسرب إلى داخله بعد قليل..لا تسمحوا لتلك السموم أن تغور في أعماقنا أو أعماق أصدقائنا، ولنبحث عن شيء افضل لنرسله لهم. حين سؤل جومسكي: "ما هو أهم شيء يجب على الولايات المتحدة أن تفعله لمحاربة الإرهاب؟" أجاب: "التوقف عن المشاركة في صنعه"! وعلينا أن نفعل الشيء نفسه مع الإنكسار. لنوقف الإدمان على إرسال الرسائل الساخرة بالعراق والعراقيين والعرب والأكراد والمسلمين، ولنبحث عن الضحك في مكان آخر.

بعد ذلك لنبحث عن "شيء يمكن عمله"، وكل شخص أدرى بما يستطيع عمله، وما يوفره له محيطه وتعليمه وموقعه وعلاقاته من فرص لذا لا يسهل الإقتراح في هذا. لكن قراءة كتاب من كتب نعوم جومسكي، والعديد منها مترجم إلى العربية، كما أن له الكثير من المقالات والملفات الصوتية على الإنترنت، ربما كان واحداً من أسرع الطرق في أن يستعيد المواطن إحساسه بأنه إنسان له حقوق إنسان، وأن ينقل هذا الإحساس إلى غيره. كذلك هناك ما هو عملي مثل تجربة التيار الصدري في إتاحة الفرصة للناخبيه لاختيار المرشحين، فيها من عمق الرمز واحترام الناخبين ما يكفي لكي تطغى على أية نقوص أو سلبيات قد تصاحبها، فلم لا تقوم الأحزاب بما يشعر ناخبيها بانتمائهم اليها واحترامها لهم؟ لماذا لا تطالب حزبك بذلك؟ لم لا تتيح هذه الأحزاب قنواتاً ليصل الناس إليها بآرائهم واسئلتهم؟

لقد أثمرت اتصالاتنا في حملة للفت انتباه الناس في العراق والعالم إلى خطورة اليورانيوم المنضب، في تحريك هذا الملف. ومما أنتجه ذلك تعاطف نواب في البرلمان الهولندي، حتى أن أحدهم، إقترح أن يبادر البرلمانيون العراقيون بإنشاء منظمة "برلمانيون ضد اليورانيوم المنضب" ووعد بالمشاركة فيها بفعالية، لكن أحداً من البرلمان العراقي لم يتحرك، ولم يتساءل حتى عن الموضوع، إلا أن الفكرة مازالت مفتوحة.

وعلى مستوى الأفراد يجب أن يعود المرء نفسه على طرح الأسئلة (3). عليه أن يوصل مطالبه وآرائه واحتجاجاته، وأيضاً استحسانه لأي عمل يستحق الإستحسان من قبل ممثله. إن كنت استحسنت ما قام به التيار الصدري في حركته الديمقراطية، أو رفض المعاهدة فاحرص أن يعرفوا بذلك، وهذا النائب عن الائتلاف العراقي الموحد محمد ناجي قال إننا نشعر بالإهانة حين نرى السفير الاميركي او السفير البريطاني او غيرهما من السفراء وهم يتجولون داخل مجلس النواب، فإن كنت تشعر بمثل ما يشعر به، فحاول أن توصل له تأييدك، فالبرلمان مجموعة غير منسجمة ولا يجوز أن تحرق الأخضر واليابس دائماً في نقد عام. وتلك مجموعة من منظمات شبابية كردية، ومن مختلف التوجهات الفكرية والسياسية، تشن حملة (4) لمطالبة البرلمان الكردستاني بتقليل رواتب وامتيازات أعضائه.

 اليست هذه أمور تستحق التأييد ويمكن أن تعلم الكثير؟ لنتعرف على أعمال بضعنا الإيجابية ونشجعها، فأصوات التأييد والإحتجاج تؤثر في القرار النهائي لممثلي الشعب بأكثر مما يتصور المرء، حتى لو كان الممثل متفرداً.

كذلك فأن أي جهد للإتصال بين الأصدقاء وتكوين مجموعات تتبادل النقاش السياسي والإجتماعي في البلد، يمكن أن ينتج عنها منظمة أو حزب، تفيد في تحطيم اليأس والشلل. أن لدينا نقصاً شديداً في الخبرة في التنظيم. لقد وصف ماركس الفلاحين مرة بأنهم أشبه بالبطاطا في حقيبة، لايمكنهم أن يتجمعوا إلا بضغط قوة خارجية (الحقيبة). ونحن العراقيون، حتى المثقفون منا، نشبه تلك البطاطا، رغم أننا لسنا فلاحين! يحتاج المجتمع إلى مادة رابطة بين أفراده لكي يعمل كمجتمع، ويبدو لي أننا فقدنا تلك المادة خلال عقود طويلة من الإضطهاد، وعلينا أن نعيد تكوينها وتنميتها، وإلا بقي اعتمادنا على "الحقيبة" (الإحتلال أو الدكتاتورية) لتجمعنا متى تشاء وتفرقنا متى تشاء.

مثل قصة "جعاز" المفبركة، وصلتني أمس "خاطرة" تقول أن هناك رمز لكل شعب، برج إيفل فرنسا، وهيفا لبنان، وبيغ بن إنكلترا...الخ، ليصل الكاتب بعد طول مطاف إلى أن ما يصلح رمزاً للعراق ليس سوى كلمة "عضنطريط"! وطبعاً لا تعرف إن كان صاحب "الخاطرة" يقصد الأذى أم مواطن كتب ما كتب لتفريغ غضبه فيما يراه من واقع لايمكن احتماله، وفي كل الأحوال فأن النتيجة واحدة لمثل هذه المراسلات: أن يغور الإنكسار واليأس في من يقرأها. صحيح أن تأثير أية قصة منها طفيف، إلا أن قوتها العددية كبيرة. لقد قال أحدهم يوماً، "إن أشعال العواطف دون حل المعضلات يقود إلى اليأس والإستسلام لا محالة"، وكاتب "جعاز" و "عضنطريط" يوقن أنها ستشعل العواطف وتنتهي بـ "اليأس والإستسلام".

إن المثقفين أحفاد الزرقاء (5)  هم المطالبون بإيجاد الحلول لمعضلات مجتمعهم مهما كانت عسيرة. الصينيون يعطون أسماءاً للسنين، فلنعط هذا العام الجديد إسم "عام ترميم كرامة المواطن"!

لابد ان يكون هناك...من يوقد الشموس (6)، كما يقول الشاعر الهولندي الجميل "تون هرمانس":

عندما يصرخ الآخرون: ان لاجدوى..انها النهاية
لابد ان يبقى هناكمن يصر: بأن العالم لن يسقط
.
ينادي من على السطوح ان هناك الحب والفرح
ويرى في كل نهايةٍ,  .... بدايةً جديدة..

لابد للعالم ان يكون فيه.نصف مهرج يهتف:
القلب اولاً, ثم يأتي العقل

وثمة من يقولهلم لأضمك بين ذراعاي..

بين مثل هؤلاءاريد ان اكون!
أؤلئك الذين تحت المطر....
يمضون راقصين,
في حفلة الحديقة،
وقد غادرها العازفون!

 

 

 

 (1)  هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل؟    (1 من 3)   - صائب خليلhttp://www.yanabeealiraq.com/articles_10/s_kalil080110.htm

(2) هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل؟ (2 من 3) 

 (3) إسألوا الأسئلة طالبوا بأجوبة  http://www.doroob.com/?p=27722

(4) تشن حملة  http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n141209017.htm

(5) المثقفون أحفاد الزرقاء  http://www.doroob.com/?p=5173

(6) لابد ان يكون هناك...من يوقد الشموس  http://www.doroob.com/?p=17638

(#)"هل الأمريكيين شعب منكسر؟"  http://www.informationclearinghouse.info/article24184.htm

(*) YouTube - WE WILL NOT GO DOWN (Song for Gaza) .. Michael Heart
 http://www.youtube.com/watch?v=Jbr8LBR5k-8

 

 

 هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل؟    (1 من 3)   - صائب خليل

 هل نحن شعب منكسر؟ وما العمل؟    (2  من 3)   - صائب خليل

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة   2009 صوت اليسار العراقي