<%@ Language=JavaScript %> بدور زكي محمد ملاحظات على كتاب شعبان 1/2 ..لم تخذله الذاكرة، إنما هي النوايا

   

لا

للأحتلال

لا

للخصخصة

لا

للفيدرالية

لا

للعولمة والتبعية

                                              

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين                                    

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                            

 

 

ملاحظات على كتاب شعبان 1/2 ..

 

لم تخذله الذاكرة، إنما هي النوايا

 

 

بدور زكي محمد

03.08.2014


مر وقت طويل على صدور كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان، عن الشخصية الوطنية، والوزير الأسبق، القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، عامر عبد الله، الذي استدعى في حينه اهتمام الكثير من المعنيين بمسيرة الحركة الشيوعية، كما تسبب بإثارة جدل عكس حجم الضغائن التي مازالت كامنة في نفوس البعض تجاه عامر. وكاد الجدل أن يتواصل حول موضوعات الكتاب، لولا ما حلّ بالوطن من مصائب على يد الدواعش وزمر البعث، لكن الصدمات الكبيرة كما إنها تستنهض العزائم، فهي تستنطق التاريخ القريب، وتستدعي أشخاصه من السياسيين الوطنيين الراحلين، الذين نفتقدهم في زمن الجدب والتصحر، سواء على مستوى الخبرة، أو الإخلاص للوطن.


لذلك اعتذر لكل من يُقدر عامر حق قدره عن تأخري في الرد على بعض ما ورد في كتاب شعبان من اجتهادات، حاول أن يسبغ عليها صفة الحقيقة، بينما هي حصيلة عوامل متعددة، منها عدم الدقة، والتسرع في تجميع مادة الكتاب، أو ربما تعمد الإساءة لرجل قضى جلّ حياته مناضلاً زاهداً بما يسعى إليه السياسيون من أمثال المؤلف، من جاه ومال.
وكان الدكتور شعبان قد تفضل بإهدائي كتابه عن زوجي الراحل عامر عبد الله، وقد وجدت في بعض فصوله قراءةً جيدة لأجواء الصراع السياسي والشخصي داخل الحزب الشيوعي العراقي، وعرضاً موفقاً لجوانب من سياسة الحزب وممارساته، التي عُرف عن الراحل معارضتها. لكني صُدمت عند قراءتي لبعض الاخبار التي جاء بها، ولطريقته في سردها بما يوحي للقرّاء أنه شاهد محايد، كما شعرت بالإستفزاز من تأكيده على أن عامر لم يكتب مذكراته، وكأنه فرد من عائلته، أو مقرب منه، وكان قد ضمّن كتابه مقابلة مع طالبة الماجستير العراقية غادة فائق، التي قدمت رسالتها عن عامر عبد الله ولم تكن قد سألته عن المذكرات، فقد سبق أن أخبرتها باختفائها، وأجبتها على أسئلة كثيرة، لكن المؤلف أصرّ على إقناعها بأن عامر لم يدوًن مذكراته، بقوله: " .. أما قصة سرقة مذكراته أو إخفائها، فقد سبق لي أن رويتها، وهي أنه لم يكتب مذكرات، بل كانت لديه دفاتر ثلاثة، دوّن فيها بعض الملاحظات والذكريات والآراء والإقتباسات والإستشهادات،وكان يفترض أن يستفيد منها عند إعداد مذكراته .. وكانت قد تبددت أو ضاعت أو عبثت بها يد الزمن خلال طباعتها أو إعادتها أو أنه أهملها، دون اتهام لأحد، إذ لا مصلحة لأحد في ذلك ". واضح إن المؤلف في صدد رواية من عندياته، فهو يعرف جيداً إنه لا يقول الحقيقة، فقد سبق لي أن تحدثت معه، عن ضياع المذكرات، ولم يبد في حينه أي شك بوجودها، بل عبّر عن أسفه لذلك. الآن هو يدافع عن المجهول الذي سوّلت له نفسه السرقة أو الإخفاء، ويتناول تفاصيل لتبرير زعمه، مستعملاً صيغة الماضي المؤكد. هنا يتبادر سؤال مهم: ما مصلحته في هذا الإنكار، ومن يخدم؟ لا أدري كيف للزمن ان يعبث وحده دون مرشد أو دليل.
وكان كثير من الأقرباء والأصدقاء قد ألّحوا عليّ بالسؤال عن مصير المذكرات، والكل واثق من وجودها، وبعضهم اطّلع عليها كالصديق العزيز الراحل حامد العاني (أبو سعد) الذي أكدّ لي بان عامر كان قد أكمل ما يزيد على ألف صفحة من مذكراته أثناء فترة إقامتنا في دمشق (1981-1992)، وقال إنه سمع بأن عامر أرسلها لناشر في الكويت. وسبق للصديق الراحل عبد اللطيف الراوي أن عرض المساعدة في نشرها حين كنا في الشام. وبعد انتقالنا إلى لندن زارنا الصحافي إسماعيل زاير واقترح على عامر نشر مذكراته على حلقات في صحيفة أو أكثر وأن يتولى هو هذه المهمة. بالإضافة إلى ذلك كان الصديق عبد العزيز الجصّاني يحثّ عامر على النشر ويعبر عن استعداده للمساعدة في ذلك.
لم يكن عامر عبد الله غافلاً عن أهمية مذكراته، وكان يُقدر كل المهتمين بها ويحترم مبادراتهم، لكنه فضّل التأني وكتابة المزيد، وربما كان يخشى أمراً ما، لم يصرّح لي به، لكني أعتقد أنه يتعلق بردود الأفعال المحتملة ممن سيتضررون من نشرها.
ومما له دلالة خاصة إن القيادي السابق في الحزب الشيوعي، عبد الرزاق الصافي، ظل يسألني بإلحاح عن المذكرات، وبصيغة المتاكد من وجودها، ومرة قال لي محتجاً، حين التقيته في ديوان الكوفة قبل سنوات : أين مذكرات عامر، هل تنتظرين أن تأكلها الجرذان؟ حينها أجبته بلهجة حادّة: كم مرة أكرر عليك بأن يداً دنيئة امتدت إليها وسرقتها، الصديق الصافي معذور لأنه ربما لا يعلم بوجود جرذان بشرية تقتات على زاد المثقفين والموهوبين، وتنتشي بمعاناة المناضلين. وكان الصافي قد أرسل لي بالبريد الألكتروني في العام الماضي، أكثر من مئة صفحة، قال لي أنها جزء من مذكرات عامر، بعض الصفحات بخطه، والبعض الآخر مستنسخ، وقد وصلته من جهة لم يذكرها، كما نوه لي بأن الدكتور ماجد الياسري طلبها لأهميتها، وإن لدى الدكتور كاظم حبيب (قيادي سابق في الحزب) نسخة منها. ومن بين ما تضمنته كتابات عامر : مهمته في القاهرة لتوحيد فصائل الحزب الشيوعي المصري في الخمسينيات، وساطته في اليمن لإنهاء الحرب بين الجنوب والشمال، قضايا اقتصادية، جهوده لإنقاذ المحكومين بالإعدام ومباحثاته مع الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر بهذا الشأن، إشغاله لمهام وزارتي العدل، والشؤون الإجتماعية وكالةً، وتعطيله تنفيذ قرارت الإعدام، ما تسبب بغضب الرئيس وقراره بحرمانه من العمل في تلك الوزارتين مرة أخرى، توليه لمهام وزير الداخلية وكالةً وامتناعه عن توقيع ملفات أمنية، وقرارات لمحافظ بغداد، خير الله طلفاح، مساهماته في مؤتمرات دولية، دور العراق في حرب أكتوبر وزيارة عامر لمصر ...ألخ. وقد لاحظت من خلال قراءتي لما وصلني، أنه لا يتعلق بقضايا تخص الحزب الشيوعي العراقي وما شهده من خلافات بين قيادييه حول السياسة العامة للحزب، والخاصة تجاه أعضائه وكوادره، وكثير من الصفحات كان منشوراً. وكنت قد تسلمت بعد ذلك صفحات كثيرة أخرى من جهة ثانية، هي تكرار للموضوعات السابقة .

ومن الجدير بالذكر إن الصديق عادل حبه (قيادي سابق في الحزب)، كان قد سألني قبل أربعة أشهر عن مصير المذكرات، ودار حديث قصير بيننا، تساءل : من الذي له مصلحة بسرقتها أو إخفائها، فأجبته: كل من يتضرر من نشرها، والأمر لا يقتصر على عامر فهناك من فقدوا حياتهم بسبب محاولاتهم لنشر مذكراتهم، وقد أيدني في ذلك وذكّرني ببعض الأسماء المشهورة في لندن التي ارتبط غيابها بإشكالية مذكراتها.
وأذكر أيضاً أنه بعد وفاة عامر بفترة قليلة، نشر الصحافي مهدي السعيد مقالاً عنه، ذكر فيه أنه أجرى لقاءً مطولاً معه، وقد أخبره بأنه سينشر مذكراته قريباً، ويكشف الكثير من الأسرار. كما أخبرني السعيد بأن الصديق زهير الجزائري كان قد سجّل لعامر أشرطة تتعلق بالمذكرات. أخلص مما تقدم أن وجود المذكرات حقيقة لا ينكرها معظم من عرفوا عامر، وأدركوا مكانته، لقد وثّق جوانب مهمة من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ومن مسيرته النضالية والمهنية، وأرّخ لأحداث جِسام، عراقية وعربية، شارحاً دوره فيها، ودور آخرين. وبعد كل هذا يأتي المؤلف ويجزم بطريقة تدعو للريبة بأن عامر لم يكتب سوى أوراقاً متفرقة!!!.

ألتمس العذر منكم، القارئات والقرّاء، لأني أطلت في هذه النقطة، ليس لأن ضياع المذكرات يحزً في نفسي، بل لأنها ملك للعراقيين جميعاً، وليس من حق أحد أن يتحفظ عليها، ولأقدم لكم نموذجاً عن الضلال الذي شاب رحلة الدكتور شعبان في استذكار عامر. وهنا لابد من التأكيد- كما أشرت في بداية المقال- أن كتابه تضمن بعض الحقائق، لكن يبدو لي أن الدكتور شعبان لم يقصد مما كتبه إنصاف عامر بقدر ما اهتم بتصفية حساباته مع الحزب، لأن الإنصاف لا يتجزأ، ولا يجوز أن يجتمع مع الإساءة، وقد يكون قصده من إدراج المعلومات الصحيحة التي يعرفها كثير من الشيوعيين، أن تكون وسيلة لتمرير ما هو غير صحيح، وهذا أسلوب يجيده محترفو السياسة. أنا لا أنكر أن للناس محاسنهم ومساوئهم، وقد يجتمع النقيضين، ولكن على قاعدة من صدق المتابعة.
أن الصداقة البسيطة التي تعّكز عليها شعبان في سردياته عن عامر، كانت قد انقطعت منذ أن اُقصي عن مهمته كسكرتير للمؤتمر الوطني المعارض في أوائل التسعينيات بسبب الإتهامات التي وُجهت إليه بأنه على صلة بالنظام، وكان ذلك قبل رحيل عامر بسبع سنوات، وخلال تلك المدة الطويلة، لم يلتقِ به، ولكن لنفترض جدلاً إنه كان صديقاً حقيقياً، وفي هذه الحالة سنجد أن ما كتبه عن الراحل في بعض المواضع لا ينسجم وخُلُق الصداقة، كما لا يتفق مع ما أكده من التزام بالأخلاق والحق. يقول في الصفحة 34: " ... الحقيقة وحدها هي التي تطهر الروح وتخفف من عبء الأنا "، وفي مكان آخر يضيف: " .. لا يستطيع المرء أن يكون عادلاً وباحثاً عن الحقيقة والمشترك الإنساني إن كان متهاوناً إزاء الشرف الشخصي أو الأمانة الوطنية والشخصية، والذمة المالية، لاسيما ما يتعلق بالنزاهة الأخلاقية". ومادامت الأمانة الشخصية مهمة عند شعبان، فلماذا لم يلتزم بها في مواضع كثيرة من الكتاب؟.

من حق كل إنسان أن يقول ما يشاء عن نفسه، وللناس أيضاً الحق في مطالبته بتقديم الدليل العملي على التزامه بأقواله، بخاصة إذا قدم نفسه كشاهد على أحداث، أو مؤرخ، فهل راعى المؤلف جانب الأمانة فيما أورده في الصفحة 125، التي يقول فيها التالي: " ... وبعد أن يئس عامر من التعويل على السوفيت في الأنتصار له في الصراع الحزبي، أو على الأقل إعادته إلى موقعه ... وبعد كل تلك الخيبات والمرارات ومحاولات الإذلال، فكر عامر باختزال المشهد والتوجه إلى مخاطبة السلطة.."، ويضيف شعبان في محاولة لتجميل الإساءة، معتبراً أن توجه عامر المزعوم، كان بدافع وطني، وبسبب الصراع الحزبي، ويشير إلى آخرين كان لديهم التوجه نفسه للحوار مع السلطة، لكنه لم يذكر أسماءهم!! ربما لعلاقته الوثيقة بهم وحرصه على إخفاء دورهم.
الملاحظة الأهم على نهج شعبان في تسطير المعلومات- قبل الإستزادة من التفاصيل- أنه يبدأ بالإشادة بعامر، ويستذكر مواقفاً حقيقية عُرفت عنه، لكنه يشفعها بأخبار كاذبة من شأنها تشويه صورته، مثال ذلك إشارته إلى ما كان يراه من ضرورة وقف الحرب العراقية الإيرانية، بعد أن استعادت إيران أراضيها المحتلة، وأهمية أن تواكب سياسة الحزب الشيوعي المتغيرات في ساحة الحرب، ثم "اجتهاده" المريب في هذا السياق بأن عامر "حاول بعد نهاية الحرب أن يفتح حواراً مع المسؤولين العراقيين". ويضيف، ممعناً في الإفتراء على الراحل: " .. وقد طال انتظاره في براغ حيث كان قد كتب رسائل عبر السفير العراقي منذر المطلق، لكن موقف قيادة حزب البعث كان سلبياً ..".

ويسند شعبان مزاعمه، إلى روايات قيادي سابق في الحزب، فيقول : " .. بخصوص مذكرة عامر إلى السلطة، فإن باقر إبراهيم (أبو خولة) يؤكدها، ويقول أنها قُدمت في أواسط شباط 1989، بالتعاون مع حسين سلطان، وبواسطة السفير العراقي في براغ منذر المطلق، وكانت شفوية... ، وقد تضمنت تأكيد الثقة بالتوجه المعلن عن الحريات وإعادة البناء والإنفتاح.. ". ولا أدري كيف تكون هناك مذكرة وتكون شفوية!! ويضيف المؤلف نقلاً عن مصدره "الموثوق" أن عامر وسلطان كانا يسعيان لإقناع عدد من الكوادر الشيوعية المهاجرة، بصحة مبادرتهما.

ولا يكتفي شعبان بهذا، بل يواصل الفِرية على لسان مصدره، فيقول أن باقر ابراهيم نصح عامر وحسين سلطان "بالتريث وانتظار جواب المسؤولين على مبادرتهما، بدلاً من كتابة رسائل أخرى كما وعدا.." .

هنا لاأذيع سراً لو قلت أن أشهر من كان يدعو للتوجه إلى بغداد في تلك الفترة، هو باقر إبراهيم، وهذا ما سمعته من الدكتور شعبان نفسه، حين قال بلهجة ساخرة: أبو خولة يريد أن يرسل الجميع إلى بغداد!!، وكان إبراهيم قد زارنا مراراً في بيتنا بدمشق، قبل سفرنا إلى براغ في العام 1989، وبصحبته أحيانا حميد برتو، وفي سياق محاولاته لإقناع عامر بتطلعه للعودة إلى بغداد، أثنى على موقف سكرتير الحزب الشيوعي التركي الذي كان قد عاد لبلاده على الرغم من سنوات المعارضة والمنفى، حسب قوله، هذا ما سمعته منه!!
إن شعبان يستسهل التجّني على الراحلين، لم تخذله الذاكرة، إنماالعيب في النوايا، هو يعلم جيداً لماذا ترك عامر دمشق، وهو الذي جاء على ذكر قرار المقاطعة الإجتماعية ضد من جرى إقصاءهم من قياديي الحزب، لقد عانى عامر من تلك الأجواء، لكن معاناة حسين سلطان كانت أكثر، فقد واجه قسوة الحزب عليه وإهماله له، على الرغم من مرضه الشديد، وحين اشتدت معاناة الإثنين وجدا إن مغادرة سوريا توفر لهما بعض السلام، وتبعدهما عن دسائس الصراع الحزبي، ذلك أن المتنفذين في قيادة الحزب اتخذوا من دمشق مقراً لهم، وصاروا يضغطون على خصومهم من خلال علاقاتهم بأجهزة في السلطة، وعلى الرغم من الإحترام الكبير الذي يكُنه كبار المسؤولين السوريين لشخص عامر عبد الله، وكون الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد كان قد تدخل شخصياً لإنقاذ حياته، بعد تعرضه لعملية اختطاف في طهران، من قبل المخابرات الإيرانية، إلا أن عامر لم يواظب على صلاته بهم، وكان بحكم اعتداده بنفسه ينأى عن التقرب للقيادة السورية، ولم يتقدم بطلب اللجوء السياسي طيلة إقامتنا في دمشق. أقصد من هذا الإسترسال أن حياتنا هناك أصبحت صعبة من الناحية الأمنية، وهذا ما عرفته من عامر حين اعترضت على فكرة السفر، فكان رده أنه لا يستطيع ضمان سلامتنا.

الدكتور شعبان يعلم جيداً أن عامر عبد الله لم يبادر بمخاطبة السلطة في بغداد، بل كان عليه أن يرد على مبادرة النظام المتعلقة بالإنفتاح على الشيوعيين، ودعوتهم للعودة إلى بلادهم، وكان رده مجموعة شروط لا تحتملها دكتاتورية النظام ودمويته، بما يشبه محاولة لإلقاء الحجة عليه، كان عامر مدركاً تماماً لخطط النظام للإيقاع بالشيوعيين. هنا لابد من التذكير بأن الدكتور مكرم الطالباني، وزير الري الأسبق (قيادي شيوعي)، قام بزيارة إلى براغ، بتكليف من السلطة، ليلتقي بشخصيات من الحزب الشيوعي، ويتعرف إلى موقفها من المبادرة، وكان عامر من بينها، إلى جانب سكرتير الحزب عزيز محمد وآخرين، وهذه خطوة ذكية من السلطة بإرسالها وجهاً مقبولاً من قبل الشيوعيين. لم يكتب الراحل رسائل إلى قيادة حزب البعث كما يدّعي شعبان، وما زعمه من أحاديث مع عامر بهذا الشأن إنما يعبر عن خلل في الأمانة عند النقل، فالمعروف عنه أنه يكثر من الكتابة، ويعقد علاقات كثيرة مع السياسيين، لا تتسم بعمق الصداقة معهم، وإنما بالرغبة في الظهور بواسطتهم، باعتباره موثوقاً من جانبهم، هو يجمع الأوراق، تختلط عليه، أو يحاول خلطها، يدّخرها ثم يعود إليها في أوقات تتناسب مع مصلحته أو ارتباطاته، والنتيجة أنه يقدم مادة تفتقر إلى الدقة، ويشوبها الإستعجال، فتأتي المعلومة مجافية للحقيقة. وقد فات المؤلف أن عامر تعرض لثلاث محاولات إغتيال بتدبير من مخابرات صدام، وتم إعدام ابن شقيقته لتحذيره من أي نشاط معارض، فكيف يأمن مثله جانب النظام؟ .

وإذا كان شعبان لا يعتبر الصلة بالحكام الطغاة منقصة، وقد سمح لنفسه بزيارة القذافي مرتين في العام 2010، فهذا شأنه ومن حقه، ولكن ما ليس من حقه هو أن يرمي الآخرين بما هو متورط به.

أنه لم ينتقد المقالات التي كتبها ماجد عبد الرضا (قيادي سابق في الحزب) في مدح صدّام وتسميته له بالأب القائد، بل اكتفى بالقول عنه: " بصرف النظر عن مقالاته .."، وكان في سياق الثناء على موقفه من النظام واستعداده للذهاب إلى بغداد بعد تعرض العراق لهجوم قوات التحالف في العام 1991.

ومن الغريب أن المؤلف لم يذكر شيئاً عن دوره ورأيه الخاص بشأن مبادرة عامر المزعومة، وأشار فقط إلى أنه: "لو قُدّر أن تكون الإستجابة للمبادرة إيجابية فإنها ستكون مُؤيدة من عدد من الرفاق، بينهم مجموعة المنبر، وباقر إبراهيم، وعدنان عباس، وآرا خاشادور، وحميد برتو وآخرين .. ص124). والمعروف إن شعبان كان عضواً بارزاً في المنبر، لكنه وفق هذا القول يعطي انطباعاً بأنه كان مايزال غرّاً أو فاقداً للتجربة السياسية، فهل كان حقاً هكذا؟ ألم يكن له دور في تلك الظروف الحساسة من حياة الشيوعيين، سواء كانوا داخل الحزب أم خارجه؟ لماذا لم يحدد هوية أعضاء المنبر حين قال: " .. واستمرت السلطة في تجاهل عامر أو فتح حوار مع الشيوعيين .. وخلال الفترة إيّاها حصل نوع من التباعد والإنقسام داخل صفوف المنبر بسبب الموقف من السلطة .."، أين كان من كل هذا، أكان مع الوصل بالنظام أم مع الإستمرار في القطيعة؟ ألا يتناقض هذا التمويه مع منطقه، والأنا الواضحة في خطابه السردي؟.

ثم لماذا لم يخبرنا الدكتور شعبان عن الشخصيات الحزبية التي اتجهت لمخاطبة النظام، والتي يعرفها جيداً بدون أدنى شك، لماذا يحرص على إخفاء أسمائها، بينما يمضي في افتراءاته على عامر؟ يقول: " .. من بين أسباب توجه عامر وعدد من إداريي وكوادر الحزب صوب بغداد، هو عدم استجابة إدارة الحزب لمقترحاته المتعلقة بمعالجة الأزمة المستفحلة (ص130) ". ولعل السبب فيما تورط به المؤلف من روايات تجافي الحقيقة، أنه كما يقول عن نفسه: ".. يعتز حتى بأخطائه، لأنها جزء منه، ولأنها أخطاء صميمية ". الناس عادة يخجلون من أخطائهم أو يعتذرون عنها، أما أن يعتزوا بها فهذا ما يدعو للإستغراب، لكنه في الوقت نفسه يفسر الكثير مما سطّره المؤلف، مما سأشرحه في القسم الثاني من هذا المقال.

 

 

ملاحظات على كتاب شعبان (2-2)

بدور زكي محمد

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا