<%@ Language=JavaScript %> د.وسام جواد الثورة والانقلاب..

 

الثورة والانقلاب..

 

إحدى جلسات محكمة الشعب

د.وسام جواد

 

تجَسّدَ في ثورة 14 تموز الخالدة المفهوم التقليدي ( الثورة الفرنسية ) والماركسي ( ثورة البروليتاريا ) والحديث ( التغيير بأشكاله المتعددة ) للثورة, حيث وقف الشعب العراقي موحدا وراء طليعتة الوطنية الثورية,التي ناضلت من أجل التحرير وتغيير النظام العميل للاحتلال البريطاني بالقوة. وكان للنجاحات,التي أحرزتها حركات التحرر الوطنية وثوراتها بدعم من المعسكر الاشتراكي والقوى التقدمية في العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين,أثرا في تعاظم دور الطبقة العاملة والقيادات اليسارية لهذه الحركات,التي كان من بينها القيادة الوطنية للحزب الشيوعي في العراق .

لعب الحزب الشيوعي دورا رئيسيا في قيادة نضال الطبقة العاملة في العراق كالاضرابات والمظاهرات المعادية للإستعمار والمطالبة بحقوق العمال, ونجح بفضل قيادتة الخالدة ( فهد ورفاقه الأبرار) في زيادة  الوعي الطبقي للعمال وتنظيم نشاطهم السياسي وتأهيلهم لمرحلة قيادة التغيير, مما أغضب الاستعمار البريطاني وأفقد صواب أعوانه, فأقدموا على شن حملات اعتقالات واسعة, كان من بين نتائجها الإجرامية, إصدار قرار باعدام السكرتير الأول للحزب الشيوعي فهد ورفاقه حسين الشبيبي وزكي بسيم, نطق به رئيس المجلس العرفي آنذاك عبد الله النعساني, انتقاما من دور الحزب الشيوعي وقيادته المناضلة في تعبئة الجماهير ضد الاحتلال وإسقاط معاهدة بورتسموث .

لم تكن الحرب الباردة,التي أعقبت الحرب الساخنة 1939- 1945 كافية لخفض درجة حرارة جبهات حركات التحرر الوطني في العديد من دول العالم بما فيها تلك,التي كانت مستعرة في العراق. وقد تمكنت القوى الوطنية وفي مقدمتها طليعتها الحزب الشيوعي العراقي بعد جريمة إعدام قادته من مواصلة نضالها والإعداد للثورة حتى توّجَ البيان الأول في 14 تموز 1958 نجاح مسيرتها الطويلة والحافلة بالتضحيات.

لم يرق للامبريالية والصهيونية ما حصل من تحطيم لأحلامها في السيطرة الدائمة على مقدرات وخيرات العراق, فعمدت قياداتها في غرف عملياتها التآمرية الى وضع خطط مركزية, تهدف الى محاربة الشيوعية ووقف المد الجماهيري المناهض للإستعمار بتفرقة الصف الوطني ونشر الفتن واللجوء الى الاغتيالات السياسية والانقلابات الدموية, التي كان للعراق حصته منها بإعلان البيان رقم 1 للإنقلاب الدموي في 8 شباط 1963, بمساعدة أمريكية-عربية مباشرة لبعض الضباط القوميين والبعثيين والزمر,التي تشكل منها تنظيم الحرس القومي .

استكملت ثورة 14 تموز العناصر المُقِرة بها كثورة, بينما ظل انقلاب 8 شباط 1963 مثالا على التآمر لحفنة من الضباط ( ذوي الانتماءات الاقطاعية والبرجوازية الصغيرة ) المتعاونين مع القوى الاستعمارية والطامحين الى تحقيق المكاسب الذاتية على حساب المصلحة العامة. وعلى هذا الأساس, يُعد ما نشرته شبكة المنصور " ثورة ١٤ تموز ثورة وطنية اغتالتها القوى الشعوبية الحاقدة على العروبة " برهانا على ضيق أفق الفئة,التي كانت ولا تزال تمارس الكذب والدجل وتحريف الحقائق التاريخية.

" وكان العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي - الصهيوني على مصر العروبة في عام 1956 احد ابرز مظاهره . لكن عبدالكريم قاسم مدعوما ومحرضا من قبل القوى الشعوبية انقلب على الثورة وغدر بثوارها الاحرار ودشن عهد التصفيات الدموية في العراق باعدام رموز الضباط الاحرار والقوى القومية والوطنية العراقية واشهار العداء للجمهورية العربية المتحدة والقائد الراحل جمال عبدالناصر الذي كان مشتبكا في معارك مصيرية مع الصهيونية والاستعمار الغربي، فتحول العراق الى مركز معاد للعروبة ولحركات التحرر الوطني ومناصر لكل اشكال الشعوبية سواء تمثلت في احزاب او حركات انفصالية. "

-         يَصدُق القول "اذا كنت لا تستحي فقل ما شئت", فبعد أشهر قليلة من نجاح الثورة تحركت القوى الاستعمارية وبدعم من بعض الأنظمة العربية للإطاحة بها, وجرت محاولة إرهابية لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عند مدخل عقد النصارى في شارع الرشيد, ومحاولة إنقلاب الشواف الفاشلة في الموصل. وإن دل هذا على شيئ, فإنه يدل على الارتباط المشبوه بالقوى الخارجية المحرضة ضد الثورة .

-         أعلن الشعب العراقي بكل مكوناته عن دعمه لمصر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956. لذا, فإن من الحماقة اتهام الزعيم, صاحب السجل المشرف والمواقف البطولية المشهودة له في حرب 1948 بانقلابه على الثورة, التي كان له الدور الكبير في التخطيط لها ونجاحها.

-         لم يكن عبد الناصر معصوما, ولم يكن بعد ثورة 14 تموز مشتبكا في معارك مصيرية مع الصهيونية, بقدر اشتباكه في معارك تصفية القوى اليسارية المصرية واختلافه مع الزعيم عبد الكريم قاسم, الذي خاض وأبلى فعلا ( وليس عبد الناصر ) في المعارك المصيرية مع العدو الصهيوني . ولا ننسى ما كان لعبد الناصر من مواقف سلبية أثناء المطالبة بارجاع الكويت المقتطعة من العراق وخطأ ارساله للجيش المصري الى اليمن في 1962,الذي أضعف وأضر بمصر.

-         التصفيات الدموية حدثت بعد إنقلاب 1963, ولم يعرف تاريخ العراق لها مثيلا حتى في زمن هولاكو. ومن المُخزيات ان يُتهم الزعيم الوطني المُتسامح مع من غدرَ به بالغدر..! وقد صدق الشاعر إذ قال : ملكنا فكان العفو مِنا سجية, ولما مَلكتم سالَ بالدم أبطحُ

 

 "وتحولت المحاكم من رمز للعدالة الى اداة لتصفية الخصوم بلا رحمة وسط حفلات شعر وهتافات سادية تطالب بالاعدام لكل من لا يؤيد الديكتاتورية الجديدة في العراق. ولقد كان حزبنا هو الضحية الاولى للنظام الشعوبي. لقد ابتدأت كارثة العراق في عهد قاسم وداعميه وتحول العراق الى ساحة لاعنف الصراعات في الوطن العربي ودخلت الصراع نزعة الثأر ممن اعدموا خيرة شباب وقادة العراق عسكريين ومدنيين، وكانت تلك الحقبة هي اللغم الاخطر في تاريخ العراق الحديث."

عجبي لرجال تكبر أجسامهم وتصغر عقولهم ..! يا ترى, هل عرف البعث الرحمة مع رفاقه قبل خصومه ؟, واذا ما تآمر بعض المنتمين اليه بإيعاز من القوى الأجنبية وبعض الأنظمة العربية على الثورة الفتية, فهل يتوجب على قادتها القبول بالمؤامرة وتقليد المتآمرين أنواط الشجاعة..؟ أي تخريف هذا وهراء, وأي منطق بحق السماء ؟. واذا إعتبرتم المتآمرين كالغريري والشواف والطبقجلي "خيرة الشباب" ؟ فماذا عن آلاف الشيوعيين وأنصارهم, الذين قتلوا على أيدي جلاوزة الحرس الفاشي, وماذا عن حوادث الاغتصاب,التي يندى لها الحجر قبل البشر؟ وعن أي ثأر تتحدثون والآلاف من الأرامل واليتامى لم تجف دموعهم بعد, لفقد أحبة لهم وأعزاء عليهم ؟.

 

" لذلك فان الدرس الكبير الواجب استخلاصه من تلك التجربة المرة والمؤسفة هو ان انفراد اي حزب او جماعة بالسلطة ومحاولة اجتثاث الاخرين بالقوة لابد وان يكون له رد فعل مضاد، مما يحول الوطن الى ساحة حرب بين ابناءه لا تنتهي الا بالحاق الكوارث بالعراق وكافة قواه الوطنية."

عسى ان تكون القدرة على استيعاب الدرس حاضرة في عقول البعض ممن لم يتعظ  بعد..

 

" ان حزبنا يؤكد اليوم واكثر من اي وقت على ان وحدة القوى الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال بكل أشكاله بكافة مكوناتها ليست ضرورة لتحرير العراق من الاحتلال فقط بل هي الضمانة الاساسية لعدم تكرار مأسي العراق بعد التحرير، فبالجبهة الوطنية والقومية والإسلامية وبتبني مبدأ تبادل السلطة وفقا لنتائج الانتخابات الحرة بعد طرد الاحتلال يمكن اعادة بناء العراق الحر الواحد المستقر، واختفاء نزعة اقصاء الاخر."

كلام لا غبار عليه باستثناء "الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية" فما يهم العراقيون هو الجبهة الوطنية, التي تغيب فيها سياسة الإقصاء ويُحترم فيها أراء الأطراف المكونه لها رغم تباينها . أما بالنسبة للجبهة القومية, فإن الحديث عنها ذو شجون ولا يصبح واقعيا إلا بعد تحقيق الجبهة الوطنية. وليس واضحا ما يقصده البيان بـ "الجبهة الاسلامية" في ظل تعدد الديانات في العراق والعالم العربي .

 

الخلاصة :

من خلال صياغة البيان المنسوب للقيادة القطرية لحزب البعث يمكن الاستنتاج بأن كاتب النصوص هو ذاك المُنظر الذي لا يزال يعيش في أوهام عودة الماضي دون أن يتمكن من استيعاب دروس الأمس ومتطلبات اليوم,التي سيعتمد عليها بناء الغد. ورغم وجود بعض العناصر الايجابية, كرفض الإقصاء وضرورة قيام الجبهة الوطنية, إلا ان ما ورد في بيان القيادة القطرية من مغالطات واتهامات وتزييف وقلب الحقائق, يكرر ضرورة إعادة تقييم الفترة السابقة ونقد سلبياتها, ففي ذلك وحده ما يساعد على مد جسور الثقة بين كافة القوى السياسية, وهو الأمر الذي لا قيام للجبهة الوطنية بدونه.

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

مقالات مختارة

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الصحفيين والكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة

 
   
 

 

لا

للأحتلال