<%@ Language=JavaScript %> Untitled Document
 

الباحث  عدنان عويّد  ورأسمالية  الدولة  الاحتكارية

عبد الله الشاهر

 

     يبدو أن أكبر وجع في هذا العالم وعبر كل مراحله التاريخية, هو وجع الاستغلال والاحتكار, كونه وجع مدروس, وجع يؤدي إلى الإفقار والغربة والاستلاب, ويمارس بأساليب وأدوات قلما تخطر على بال, هذا ويزداد الوجع ألماً للإنسان عندما تتحول الدولة إلى دولة احتكار, وهنا تكون أيضاً الطامة الكبرى, حيث يسخر كل شيء من الفلسفة إلى التربية إلى السياسة إلى علم الاجتماع من أجل خدمة هذه الدولة الاحتكارية, عندها يكون نظام الحياة بكامله يخضع لضرورات الرأسمال الاحتكاري ويندمج عالم القيم/الأخلاق مع عالم اقتصاد السوق الاحتكاري,  وحالة الاندماج هذه تشكل في الحقيقة مسالة هامة في عالم القيم, الأمر الذي يدفعنا لطرح السؤال التالي  :

     متى  يحدث  الانفصال  بين  الاقتصادي  والأخلاقي  ?.

     أو بصيغة  أخرى  , كيف  يكون  الاقتصاد  شريراً  ..?.

    الإجابة  على هذا السؤال تصدى لها الباحث - عدنان عويد - من  خلال كتابه  الجديد الصادر عن  دار  التكوين, تحت عنوان ( رأسمالية الدولة  الاحتكارية) حيث جاءت هذه الدراسة على مئة وست وثمانين صفحة من القطع المتوسط موزعة على سبعة عناوين رئيسة, كانت محاور البحث. هذا وسأقدم عرضاً أولياً لكل دراسة, مشيراً على أهم الأفكار النقدية التي تحملها هذه الدراسات تجاه رأسمالية   الدولة  الاحتكارية وتجلياتها التاريخية .

     في الدراسة الأولى والمعنونة ( برأسمالية الدولة الاحتكارية), والتي أخذت أيضاً العنوان الرئيس للكتاب, كونها تشكل المحور الأساس والمدخل التاريخي للبحوث التي تليها, يتعرض الباحث العويد إلى عوامل التغيير الجوهرية لوظائف الدولة الرأسمالية, موضحاً من خلال المؤشرات ولأحداث التاريخية التي مرت بها الرأسمالية الدور الذي تلعبه الدولة في العملية الاقتصادية عبر التحام الرأسمال المالي الاحتكاري مع جهاز الدولة, حيث يفرد الباحث هنا  وبعرض  وافٍ, العوامل  التي ساعدت على تكريس وبلورة هذا الالتحام, الذي يعني بالضبط, التأهيل الأولي للشركات الاحتكارية كي تأخذ دورها في وضع وتسيير سياسات الدولة التي تم القبض عليها من قبل الطبقة الرأسمالية الاحتكارية, بما يخدم مصالح هذه الطبقة والتي من خلالها – أي المصالح -, بدا واضحاً التناقض الصارخ بين العمل  والرأسمال داخل الدولة ذاتها, من جهة, وبين الدولة الرأسمالية الاحتكارية وحركات التحرر في دول العالم الثالث من جهة ثانية,  حيث أدى هذا التناقض في النتيجة إلى صراع بين الدول الإمبريالية على اقتسام الغنائم, وبالتالي هيأ هذا الصراع إلى ظروف عسكرة الاقتصاد, وتنامي الإنتاج الحربي, الأمر الذي ساعد أيضاً على خلق أزمات فيض إنتاج, كان وراء تناميه التطور التقني الهائل, والثورة العلمية التكنولوجية  .

     عبر هذه الرؤية التحليلية, يصل الباحث إلى نتيجة يقرر من خلالها أن الأنموذج الأمثل للرأسمالية الدولة الاحتكارية, تمثله في عصرنا الراهن الولايات المتحدة الأمريكية, التي من أبرز ملامحها الاحتكارية كما يعرضها العويد تتجلى من خلال اعتمادها على القوة العسكرية, وسباق التسلح الذي تمارسه تحت غطاء الديمقراطية, إضافة إلى اعتمادها على تصدير الرأسمال الاحتكاري إلى الخارج واستعماله كأداة لنشر وتعميم اقتصاد السوق الحرة, وتسييد نمط الحياة  الرأسمالية, هذا وقد ساعد على فرض قوة وهيمنة السياسة الأمريكية عالمياً هو إقرارها في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 وبموافقة الدول الأوربية  الدولار لأمريكي كقوة احتياطية لدول العالم إلى جانب الذهب, بالرغم من فصلها الدولار عن الذهب عام 1971.

في مضمار هذا السياسات الأمريكية, يرى الباحث, أن الولايات  المتحدة  الأمريكية  قامت باختراق دول العالم ومنها العالم الثالث وبصيغ متعددة جاءت على شكل تحالفات أو اتفاقات دولية, أو ربما جاءت تحت مسمى فيالق السلام المزعومة, أو مشروع المساعدات مثل مشروع إعادة إحياء أوروبا, والنقطة الرابعة من مشروع ترومان وغير ذلك.

      ينتقل الباحث في دراسته الثانية من دراسة رأسمالية الدولة الاحتكارية إلى دراسة ( الرأسمال الاحتكاري من صراع الطبقات إلى صراع الحضارات), مبيناً في هذه الدراسة طبيعة الرأسمال من حيث كونه لا يعرف وطناً ولا يراعي قيماً ولا يؤسس لأخلاقيات ايجابية, ومن خلال هذه الدراسة يبين الباحث كيف أن القوى التي تمتلك الرأسمال تستطيع أن تبتدع الوسائل والأفكار والمبررات لتحرير مشاريعها وزيادة أرباحها, وكل هذا يأتي ضمن صياغات أيديولوجية مناسبة تسخر لها ما تتمتع به وتحوز عليه من إمكانيات مادية ومعنوية ويأتي في مقدمتها إمكانيات الدولة الرأسمالية الاحتكارية, وفي مقدمتها السياسة الخارجية. فالرأسمال الاحتكاري في الولايات المتحدة الأمريكية عبر طبقته غالباً ما يقوم بتمهيد إيديولوجي لمشاريعه الاستعمارية, وبعدها يقوم بممارسة سياسة القوة, ويأتي في مقدمتها احتلال دول العالم الثالث تحت ذرائع تهديد آمن الدولة الرأسمالية الاحتكارية, او  من خلال خلق لبؤر توتر في العالم, وعبر بؤر التوتر هذه, تقوم بمد الجسور لأدلجة الصراع وتمرير مصالحها. هذا ويبدو أن هذه الدراسة لها أهمية خاصة, ليس لكونها تحمل سمة وخصائص الصراع فحسب, بل كونها تكشف طبيعة الصراع بين الرأسمال الاحتكاري دول العالم الثالث, من خلال السياق التاريخي الذي يعرضه الباحث, حيث يبين أبرز التوجهات الإيديولوجية الغربية للرأسمال الاحتكاري, والوسائل التي تم ويتم استخدامها للحفاظ على مصالح الرأسمال الاحتكاري الغربي والأمريكي بشكل خاص, دون أن يغفل تلك الأفكار التي طرحت من قبل كل من ( فوكو ياما, وهنتنغتون, وبريجنسكي وما تضمنته من رؤى عدوانية لا تمت إلى الإنسانية بصلة.

 

     أما في دراسته الثالثة الموسومة بعنوان ( الدور المتنامي للرأسمال الاحتكاري الأمريكي), يبين الباحث الجذر التاريخي لتشكل الرأسمال الإحتكاري الأمريكي, وأبرز المراحل التاريخية التي مرت بها الولايات المتحدة الأمريكية منذ انهيار ( الحلف المقدس) إلى انهيار ( الاتحاد السوفيتي), وهي الفترة الزمنية التي تنامى فيها الرأسمال الأمريكي الاحتكاري وأسس من خلالها نقطة الانطلاق لنظام العولمة الجديد, أو ما يدعى سيادة القطب الواحد, وقد ركز الباحث على ما لعبه الرأسمال الاحتكاري الأمريكي في الشرق عموماً وفي الوطن العربي على وجه الخصوص بسياساته الاقتصادي العدوانية والتي رافقها بالضرورة سياسات ثقافية أكثر عدوانية.     وبنتيجة الدراسة يقرر الباحث أن المساعدات والقروض الممنوحة من قبل أمريكا ماهي إلا الخطوط الأولية لصورة الاستعمار الجديد. مشيراً الباحث إلى أبرز السمات التعبيرية التي تفصح عنها السياسات الأمريكية من خلال سعيها للسيطرة   على العالم, والسعي الدائم لربطه بالقرار الأمريكي. هذا دون ان يغفل الباحث الإشارة إلى أبرز نتائج هذه السياسة الأمريكية عالمياً, مثل زيادة في نسب البطالة على مستوى العالم, وارتفاع في نسبة التضخم, وأسعار الطاقة والسلع المنزلية. وأمام هذه المعطيات الجديدة, بدا العالم وكأنه يدخل مرحلة جديدة في اللا نظام يرى من خلالها الباحث أنها مرحلة مشحونة بالاضطرابات والفوضى والانهيار وانتشار الحروب والعودة إلى طبيعة الاستعمار القديم, ولكن بصورة أمريكية هذه المرة, كونها – أي أمريكا - أصبحت  قاطرة الاقتصاد العالمي, وذلك من خلال إمبراطورية الدولار, وما مارسته من حمايات جمركية على اقتصاديات العالم, ثم عسكرتها الاقتصاد, وما رافق ذلك في نهاية المطاف من سيطرة أيضاً على مجلس الأمن, والعديد من المنظمات الدولية, وفي مقدمتها منظمة الجات, وصندوق النقد الدولي, والبنك الدولي للإعمار والتنمية. وهذا ما جعل أووربا الاستعمارية القوية مغلوبة على أمرها أمام هذه الهيمنة الأمريكية. و يرى الباحث أن الخروج الأوربي من الفلك الأمريكي لم يعد سهلاً بالرغم من المحاولات العديدة التي قامت بها أوربا بدءاً من التعاون الاقتصادي الأوربي, إلى السوق الأوربية المشتركة, وانتهاء بالوحدة النقدية الأوربية المشتركة, ومع ذلك ظلت أسيرة أنموذج الرأسمالية الأمريكية المتوحشة, وتعاني إلى يومنا هذا من إشكالية الخروج من الفلك الأمريكي.

     في الدراسة الرابعة ينتقل الباحث إلى تناول (السمات العامة للمجتمع الاستهلاكي), هذه السمات التي ميزت إنسانها الجديد في مجتمعه الاستهلاكي الجديد, ببعده الواحد, ففي هذه الدراسة استطاع الباحث أن يبين طبيعة مفهوم المجتمع الاستهلاكي, من خلال النظر إلى عوامل إنتاجه, وبخاصة الجذور الاقتصادية والفلسفية للنظام الاقتصادي الرأسمالي المعاصر في صيغته المتوحشة, وما تم في هذا النظام من إفراط في الإنتاج راح يصب في دائرة المستهلك الفارغة, بغية تأمين أكبر قدر من الربح على حساب حاجات الإنسان الضرورية, ففي هذا المنط من الاستهلاك, راحت البيئة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الاستهلاكي, تحول المستهلك إلى عبد مسلوب الإرادة تجاه السلعة المنتجة, هذا إضافة إلى تأثيرها على البنية النفسية والقيمية للفرد والمجتمع, ثم لا ينسى الباحث أن يشير إلى ذلك التأثير الكبير الذي يمكن أن يتركه هذا النمط الاستهلاكي الشره أيضاَ على البيئة الطبيعية العذراء, من حيث تلوث النبات والهواء والتربة والمياه, وكذلك الأضرار التي تلحق بالمدن والضواحي وغيرها من ظواهر الطبيعة.

      أمام كل هذا التلوث البيئي والأخلاقي الذي يتركه المجتمع الاستهلاكي على البيئة والمجتمع, يقول الباحث العويد: إن النظام الرأسمالي يسعى ممثلاً بملوكه من الطغمة الرأسمالية الممثلة للرأسمال الاحتكاري العالمي, إلى تبرير كل ذلك أخلاقياً وأيديولوجيا وسياسياً وثقافياً, محاولين في ذلك إعادة هيكلة العالم في كل علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية بما يتناسب وروح المجتمع الاستهلاكي, أي تحقيق الربح والربح لا غير .

     ينتقل الباحث إلى دراسته الخامسة التي جاءت تحت عنوان / الماركسية والماركسية المسفيتة من منظور "سلامة كيله", حيث يناقش الباحث و برؤية نقدية جدلية عالية ومتعددة الأبعاد السياسية والفلسفية والاقتصادية, الموقف اليساري للرؤى الماركسية الجديدة التي راحت تنتقد الماركسية في التجربة السوفيتية بعد انهيار هذه التجربة, آخذاً أنموذجاً منها رؤية الأستاذ " كيله" في دراسة له نشرت في مجلة " النهج" حيث يجد الباحث أن الأستاذ " كيله" يرى التجربة السوفيتية في الأنموذج الستاليني, أنها تمثل سنوات / قحط /,  في الوقت الذي يرى الباحث العويد في هذه التجربة غير ذلك, مخالفاً في ذلك موقف الأستاذ" كيله" مبيناً أن الباحث "كيله" لم يدرس على ما يبدو التجربة السوفيتية دراسة معمقة, كما لم يدرس الظاهرة الستالينية في سياقها التاريخي, هذا في الوقت الذي يقول فيه العويد أيضاً إن الدراسة بمجملها تفتقر إلى الأدلة التي تدعم رأي الباحث " الكيله", هذا في الوقت الذي لم ينتقص فيه العويد أيضاً من قيمة الرؤية التي قدمها الباحث " كيله",  إلا أنه يفند بعض الأفكار التي يجد انه كان من الضروري أن يسلط عليها "كيله" الضوء إنصافاً للظاهرة وللحقيقة معاً .

     في دراسته السادسة من هذا الكاتب والتي جاءت تحت عنوان (الاشتراكية قابلة للتجديد و التطور ), وإن كانت قابلة, ما مدى صلاحيتها للوطن العربي؟ .

     عموماً يستهل الباحث العويد دراسته هذه بطرح تساؤل كمدخل لموضوع الدراسة وهو التالي :

     هل للاشتراكية مستقبل  في العالم العربي ?

     من خلال الإجابة على هذا السؤال, يرى الباحث عدنان عويد أن الإجابة مرهونة في العالم العربي بجملة من التحولات إذا ما تم إنجازها في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لبنية الواقع العربي, وهذه لا تتم إلا من خلال تأمين مستوى عال في تطور القوى المنتجة, ورفع المستوى الثقافي العقلاني للشعب العربي, والحفاظ  على مبدأ العدالة في توزيع الدخل القومي, وتجاوز بنية الاقتصاد الريعي, والوصول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي, وتحرير العمل من الاستغلال, معتمداً في مجمل رؤيته هذه على النظرية الاشتراكية العملية والمنهج المادي التاريخي في التحليل .

     أما في دراسته الأخيرة من هذا الكتاب, فيتحدث الباحث عن / المقاومة والمشروع العربي النهضوي الحديث / . حيث يبين أن المقاومة تمثل أداه تحقيق فعل إنساني مفتوح على المطلق, فيما يهم حياة الإنسان العربي وتطلعاته النهضوية في كل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, وهي / فعل تاريخي بامتياز/, وبهذا التصور للمقاومة, يتماها المشروع النهضوي معها أيضاً, لأنها في سياقها العام تعني الرقي والتقدم وإثبات الذات أمام الآخر, وهي في المحصلة العودة بالإنسان إلى مرجعيته الإنسانية بعد أن استلبت وغربت بعيداً عن هذه المرجعية.

      يعتبر هذا الكتاب ( رأسمالية الدولة الاحتكارية), محطة فكرية مهمة في سياقه العام, لما تناوله من مواضيع تتعلق بالخطاب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للنظام العالمي الجديد, ولما يلعبه الرأسمال الاحتكاري العالمي من دور في التأسيس  لرأسمالية  الدولة الاحتكارية  في هذا النظام.

     الكتاب في المحصلة هو قراءة نقدية جادة لجملة من المواضيع المهمة يأتي على رأسها صراع الحضارات, وانتشار سمات المجتمع الاستهلاكي, كما انه دعوة صريحة للنظر في المشروع الاشتراكي من جديد, كمشروع حركة تحرر يفرضه الواقع, وصولاً إلى المشروع الأساس وهو المقاومة كظاهرة نهضوية تحررية للعالم العربي الحديث.

     الكتاب في عمومه يحتاج إلى أكثر من دراسة  معمقة, لما طرح من أفكار يمكن أن تولد حوارات نحن بحاجة إلها بغية معرفة طبيعة هذه المرحلة التاريخية التي هيمنت عليها الولايات المتحدة الأمريكية بسياستها القطبية الواحدة, علها تكون إحدى النوافذ التي  يمكن الخروج عبرها إلى عالم أكثر عدالة وإنسانية .

 

 

 
 
 
 
 
 
______________________________________________________________________________________________________________
 
جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي


 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

 

مقالات مختارة

صوت اليسار العراقي

صحيفة تصدرها نخبة من المثقفين والكتاب اليساريين العراقيين