إن الإستعمار الذي تجابهه الشعوب المكافحة  في سبيل انعتاقها، عدو جبار  وعنيد  يمثل الرأسمالية العالمية المتشابكة مصالحها ومؤسساتها المالية، عدو مسلح من  أسفله إلى قمته، عدو لا تفيد معه اساليب  النضال القديمة، ولا يفيد معه الصراخ والعويل والمطالبة بالحق

  الرفيق الخالد فهد

 

صوت اليسار العراقي

تصدرها مجموعة من الكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 
 
 مغالطات بصدد اللينينية

 

السبت, 17 تشرين أول 2009

 د. هشام غصيب

قلنا، وفي معرض نقدنا لمقولات طرحها زعيم شيوعي محلي في محاضرة ألقاها منذ أشهر في المركز الثقافي الملكي، إن الماركسية هي في جوهرها وعي الثورة الاشتراكية ، أي إنها الثورة الاجتماعية تعي ذاتها. وبناء على هذا التوصيف، فإنه لا بد من الإقرار أيضا بأن الماركسية وصلت أوجها وأصدق تجسيداتها في الحزب البلشفي، وفي لينين واللينينية بالتحديد. لذلك فإن محاولة عدد من الشيوعيين التنصل من لينين واللينينية مقروناً بالادعاء بالتمسك بالماركسية والتسلح بماركس ضد لينين لهي محاولة شيزوفرينية انفصامية تنم عن أمية نظرية وانتهازية سياسية وغرور فارغ في آن. فهي تفترض أن أولئك الشيوعيين قد استوعبوا لينين جيداً ووصلوا إلى أعماقه ومستوى منهجه إلى الحد الذي أهلهم لنقده وتخطيه. وهو بالطبع افتراض بعيد كليا عن الصواب لدى أي شخص منصف اطلع على الأدبيات الهزيلة لأولئك الشيوعيين. بل أجزم أن أحداً منهم لم يكلف خاطره في يوم من أيام "نضاله" الطويل بقراءة مقالة واحدة من مقالات لينين الكثيرة التي تملأ خمسة وأربعين مجلداً، هذا ناهيك بفهمها لو تسنى له قراءتها. إذ كان أولئك يكتفون، أيام عز الاتحاد السوفييتي، بقراءة مقتطفات فقط من لينين مقطوعة من سياقها الثوري الفعلي، وفي سياق المنشورات السوفييتية المبسطة وسياق آيديولوجيا السلطة السوفييتية ما قبل الماركسية في كثير من جوانبها. فكانوا يرددونها كالببغوات على سبيل التعبير عن ولائهم للقوة الشيوعية العظمى وعلى سبيل التفاخر الفارغ. وكان موقفهم من لينين موقف عابدي الأصنام من صنمهم، لا موقف الملتزم بمنهج يتجسد في نصوص وحركة. لذلك، فما إن انهارت القوة العظمى التي كانت تعطي وهجاً ماديا حقيقيا لهذا الصنم، حتى انقلب أولئك الأتباع على صنمهم وبدأوا يحيكون حوله التأويلات البالية التي سبق أن صاغها بصدده أعداؤه السياسيون. فانقلبوا من التأليه والتمجيد إلى الشجب والرفض،  من دون أن يكلفوا خاطرهم في الحالتين بقراءة موضوع تأليههم أوشجبهم واستيعابه نقدياً. بل بلغ الوهم في بعضهم أن أخذوا يلومون أنفسهم لأنهم اكتفوا بقراءة لينين "وحرموا" أنفسهم من قراءة برنشتاين وكاوتسكي وتروتسكي ولوكسمبورغ، وكأن لينين هو الذي حرمهم من قراءة أولئك. وحقيقة الأمر أنهم لم يقرأوا لينين نفسه. ولو قرأوا لينين وتشربوا بمنهجيته الديموقراطية النقدية الجدلية، لانساقوا حتماً إلى قراءة كاوتسكي وتروتسكي ولوكسمبورغ. لكنهم في الواقع ما كانوا ماركسيين أو لينينيين في أي يوم من الأيام، وما كان في مقدورهم الارتقاء إلى خطاب ماركس أو لينين. وكل ما في الأمر أنهم انتقلوا من خطاب يساري ضحل يعكس تبعيتهم للسلطة السوفييتية إلى خطاب ليبرالي أكثر ضحالة ورجعية.

 كان لا بد من هذه المقدمة حتى أوضح السياق العام الذي أتحفنا فيه الزعيم الشيوعي المحلي بمقولاته الفذة بصدد الماركسية والديموقراطية واللينينية. والآن، لندخل في التفصيلات.

 يقول الرفيق المحلي: "ولم تكن اللينينية إنتاج نظرية في السياسة بل هي لم تقدم سوى معرفة بالسياسة كفاعلية".

 هذا القول يذكرنا بالأقوال التي كنا نسمعها في حقبة الحرب الباردة من أفواه أعداء الشيوعية والتحرر الوطني. وأساسها رصد ما لم ينجزه لينين وما لم يحققه، مع أن الإجراء المعقول هو رصد ما أنجزه وحققه. وما أنجزه لينين عظيم بأي معيار. فلماذا نعيب على المنجز ما لم ينجزه ونغفل العظيم الذي أنجزه بالفعل؟!

 هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإنه من العجيب حقاً أن يسقط الرفيق المحلي أمراض حزبه وكثير من الأحزاب الشيوعية العربية على لينين وفكره وممارسته. إذ كان من الملفت للنظر حقاً غياب النظرية والعقل النظري في ممارسات تلك أحزاب إبان الحقبة السوفييتية، بمعنى أن ممارساتها كانت في واد وما كانت تتشدق به من شعارات نظرية في واد آخر. إذ لم تكن ممارساتها تنبع من تحليل نظري محدد ولا من موقف نظري محدد، وإنما من اعتبارات أخرى نفعية. فكانت الشعارات النظرية بمثابة زينة فارغة تعبر عن ولاءات معينة للمركز السوفييتي لا أكثر ولا أقل. وما زال الأمر كذلك، برغم تغير الولاءات. أما إسقاط هذا المرض وهذه النقيصة على لينين نفسه، فهو أمر محير وفيه افتئات واضح على الوقائع والحقائق. إذ كان لينين التجسيد الأوضح لمقولته الشهيرة ان لا ممارسة ثورية بلا نظرية ثورية. فقد كان لينين يصنع مواقفه من مادة النظرية وبالتحليل المادي الجدلي المحكم. ولم يكن يأبه بالأخطار ولا بمواقف غيره إذا قاده تحليله المحكم إلى موقف محدد. فقد كان بحق تجسيداً نقيا لمنطق الجدل المادي. لذلك كان يأبى أن يقدم على أي فعل سياسي اجتماعي من دون أن يكون مؤسساً بإحكام على قاعدة نظرية صلبة. وقد دفعه ذلك إلى تملك النظرية الماركسية بعمق قلّ نظيره، كما دفعه إلى البحث المعمق في المفهومات النظرية وأسسها الفلسفية. لكنه لم يعن بالتفصيلات الفنية في هذا المضمار، لضيق الوقت، وإنما اكتفى بوضع الأسس، سواء أكان الأمر متعلقاً بالنظرية السياسية أم بالنظرية الفلسفية، تلك الأسس التي استرشد بها في ممارسته السياسية الاجتماعية، تاركاً التفصيلات الفنية للأكاديميين التقدميين الذين يملكون الوقت والمهارة لملئها. ويتضح ذلك بجلاء في "ما العمل؟"، و "المادية والنقدية التجريبية" و "الدولة والثورة"، و "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي"، و "الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية"، و "الدفاتر الفلسفية" وغيرها. فإذا لم تشكل هذه الأعمال العظيمة قاعدة لنظرية في السياسة، فليتفضل الزعيم الشيوعي المحلي ويدلنا على أعمال لغير لينين ترتقي في نظرهِ إلى مستوى نظرية في السياسة ولا تكتفي بتقديم "معرفة بالسياسة كفاعلية".

 إن انتقاد لينين في هذا المضمار كمثل انتقاد غاليليو لأنه "اكتفى" بوضع أسس المنهجية العلمية والميكانيكا الكلاسيكية، فلم يفصل هذه الأسس في نظام رياضي محكم، كما فعل نيوتن بعده، وكأن فعل التأسيس الذي أداه غاليليو لا قيمة له.

 والنقطة الأساسية بصدد لينين أن ممارساته جميعاً كانت تنطوي على بناء نظري محكم في السياسة، لم يتسن للينين إظهار جميع أركانه بجلاء، لضيق الوقت ومهابة البناء نفسه. وبالمقابل، فإن ممارسات كثير من الشيوعيين العرب، وفي مقدمتهم الزعيم الشيوعي المحلي، لا ترتكز بأي صورة من الصور إلى بناء نظري محكم، كامناً كان أو ظاهراً، وإنما تربطها معاً مصالح ضيقة وروابط تبعية مع مراكز قوى عالمية. فهناك غياب جلي للعقل النظري في هذه الممارسات. والحال أن الزعيم الشيوعي المحلي أسقط ذاته الحزبية الهزيلة المعادية للنظرية على لينين، النقيض الفعلي لهذه الذات.

 ويقول الزعيم الشيوعي المحلي: "واللينينية... ليست نظرية كونية تتجاوز حدود روسيا، بل هي تأويل قومي روسي للماركسية. وهذا موجود في أساس نقضها للفرضية الماركسية القائلة بأن الاشتراكية تتحقق في البلد الكثر تقدما وتأكيدها على إمكان نجاح الثورة في الحلقة الأضعف في السلطة الرأسمالية".

 هناك، في هذا القول، خلط واضح بين اللينينية والستالينية، وفهم مشوه للتصور الماركسي لشروط الثورة الاشتراكية وتحققها.

 أولا، هناك خلط واضح بين شروط قيام الثورة في قطر ما وبين شروط بناء الاشتراكية فيه. ففي عشية ثورات عام 1848، توقع ماركس وإنغلز أن تبدأ الثورة في ألمانيا، التي كانت تعدّ آنذاك مجتمعا متخلفا بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا وهولندا، وأن تنتقل لاحقا إلى فرنسا بمجتمعها المتطور. لكنهما توقعا أن تأخذ الثورة طابعاً برجوازياً ديموقراطيا في ألمانيا وطابعاً عماليا في فرنسا. وقد طرحا في هذا السياق مفهوم "الثورة الدائمة"، الذي اتخذه لاحقا ليون تروتسكي أساسا لفكره السياسي. وعليه، فقد توقعا أن تبدأ الثورة الاشتراكية في قطر متخلف نسبيا، ثم تمتد إلى الأقطار الأكثر تقدماً والقادرة على بناء الاشتراكية ومساعدة الأقطار المتخلفة نسبيا في تحقيق مهماتها الديموقراطية وتهيئتها للانتقال إلى الاشتراكية. وهكذا، فقد فرقا بين شروط تفجر الثورة الاشتراكية (التي هي عالمية في جوهرها) في قطر ما وبين شروط تحقيق الاشتراكية. فلا تنشب الثورة الاشتراكية بالضرورة في أكثر المجتمعات الرأسمالية تطوراً، وإنما هناك احتمال كبير لأن تنشب في المجتمعات المتخلفة نسبيا. لكن بناء الاشتراكية يستلزم تطوراً رأسماليا محدداً، مع ملاحظة أن الماركسية لم تستطع حتى الآن وضع تحديد دقيق لمدى التطور المطلوب، ربما لأن مثل هذا التحديد ليس مسألة معرفية نظرية بحتة، وإنما هو مسألة عملية ثورية يحددها الفعل الثوري في النهاية. وقد طوّر لينين هذا التصور الماركسي في ما أخذ يعرف بنظرية الحلقة الأضعف في السلسلة القائلة بأن الثورة تنشب في المجتمعات المتخلفة نسبيا التي تشكل الحلقات الأضعف في السلسلة الإمبريالية، ثم تنتقل إلى السلسلة بكاملها. فاللينينية في هذا المضمار هي تطوير لموقف ماركس وإنغلز وليس نقيضا له، كما يدعي الزعيم الشيوعي المحلي.

 وقد ظل لينين والبلاشفة، بالإضافة إلى تروتسكي، يصرون على أن الثورة الاشتراكية هي عالمية الجوهر، وان نجاحها يتوقف على انتقالها من روسيا المتخلفة نسبيا إلى ألمانيا المتطورة رأسماليا، وأن شروط بناء الاشتراكية ليست متوافرة في روسيا. وكان لينين بالتحديد أكثرهم إدراكاً لتخلف روسيا على جميع الصعد. وتنم كتاباته الأخيرة قبيل موته عن إدراك دقيق وعميق للصعوبات التي كانت تعترض تحديث روسيا، ناهيك ببناء الاشتراكية فيها، وفي مقدمتها الأطر الهمجية ما قبل الرأسمالية التي كانت ما زالت مهيمنة على غالبية الشعب الروسي ومؤسساته السياسية والثقافية آنذاك.

 في مقدّمة الطبعة الروسية للبيان الشيوعي التي صدرت عام 1882، قبيل موت ماركس، وسم ماركس وإنغلز روسيا بأنها طليعة الفعل الثوري في أوروبا، برغم تخلفها، الأمر الذي يؤكد أطروحتنا أعلاه. وقد انطلق لينين من تلك الحقيقة وأدرك بدقة شروطها الموضوعية والذاتية، وعمل على إكمالها وإنضاجها.  لكنه كان مدركاً تماماً لحدودها المتمثلة في عجز  روسيا عن بناء الاشتراكية بمفردها برغم توافر شروط انتصار البروليتاريا فيها. لذلك كان هاجسه عالميا، ولم يفكر يوما بالثورة الروسية بمعزل عن المراكز الرأسمالية المتقدمة، وإنما في سياق الثورة العالمية. هذا ما تؤكده كل صفحة من مجلداته الخمسة والإربعين. لذلك، فالقول بأن اللينينية ليست سوى تأويل قومي روسي للماركسية، وهو ما قد ينطبق على الستالينية، هو افتئات جلي على الحقيقة يعيد إلى الأذهان الدعاية المغرضة التي كانت تبثها في هذا الصدد أجهزة الإعلام الاستعمارية إبان حقبة الحرب الباردة.

 

 

 

"الافق الاشتراكي"

http://socialisthorizon.net

 

 
 
 
 
 
______________________________________________________________
 
الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | كتابات حرّة | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا
 
 
جميع الحقوق محفوظة   2009 صوت اليسار العراقي