<%@ Language=JavaScript %> د. علي الأسدي كوبا الاشتراكية ... في ذكراها السادسة والخمسون

   

لا

للأحتلال

لا

للخصخصة

لا

للفيدرالية

لا

للعولمة والتبعية

 

                                              

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين                    

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                            

 

 

كوبا الاشتراكية ...  في ذكراها السادسة والخمسون

 

 

د. علي الأسدي 

 

 كوبا الاشتراكية التي تخلت عنها دولة كورباجيف التصفوية لم تنصفها أيضا السلطة الأوليغارشية في روسيا من بعده ، لكن الشعب الكوبي الذي تجاوز محنته بشرف واباء صمم على السير قدما في بناء الاشتراكية بامكاناته المتواضعة ولم يستسلم لليأس أو يتراجع بينما تسابقت في التخلي عنها الدول الاشتراكية الواحدة بعد الأخرى بعد أن أعطاها كورباجيف الضوء الأخضر عام1990 .

 

 ستحتفل كوبا الاشتراكية في كانون الثاني \ يناير القادم بالذكرى السادسة والخمسين لميلادها ، وبذلك يكون ربع القرن الأخير من ذلك العمر قد قضته في اليتم بعد أن انهارت الدولة السوفيتية الحليف والصديق الذي رعاها منذ اعلان ثورتها الظافرة في عام 1959. ومن مآثر الاتحاد السوفييتي الباقية ما بقت كوبا هي الضمانة التي استحصلتها السلطة السوفييتية من الولايات المتحدة المتحدة في أوكتوبر عام 1962 خلال أزمة الصواريخ أو أزمة الكاريبي. وكجزء من الاتفاق بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا حول سحب صواريخها الحاملة للرؤوس النووية المنصوبة في كوبا وافقت واشنطن على التعهد بعدم مهاجمة كوبا مقابل سحب تلك الصواريخ من الأراضي الكوبية.

 

وبفضل تلك الضمانة انقذت كوبا الاشتراكية  الناشئة من خطر كان سيهددها في أي لحظة بعد أن حوصرت الجزيرة الكوبية من قبل السفن الحربية الأمريكية اضافة الى وجودها على بعد 90 ميلا فقط من ولاية فلوريدا الامريكية. لكن ذلك التعهد لم يوقف محاولات تشجيع الانقلابات الداخلية ضد السلطة الاشتراكية  والتي فشلت جميعها نتيجة يقضة السلطة والشعب الكوبي..

 

كانت كوبا قبل الثورة جزء ملحقا بالاقتصاد الأمريكي ، ففي النصف الأول من القرن الماضي كان 2\3  الشركات والمصارف و80 % التجارة الخارجية مهيمنا عليه من قبل الأمريكيين. وفي تلك الفترة احتلت السياحة البند الثاني في  الصادرات الكوبية التي تهيمن عليها المافيات الأمريكية التي استغلت لنشر الدعارة والمخدرات والتمييز العنصري ضد السكان الأصليين وحيث التمايز الطبقي الذي كان واضحا  في الفروق بين الأغنياء والفقراء في البلاد. فقبل الثورة والفترة القصيرة بعدها بلغ عدد السواح من الولايات المتحدة وحدها 270000  ألف سائحا انخفض عددهم بعدها الى 4000  سائح في العام.

بعد الثورة في عام 1959 تغير الوضع بصورة شبه كاملة ، حيث تم تأميم أكثر الممتلكات الخاصة مما أغضب الولايات المتحدة فسارعت الى خفض مستوى العلاقات السياسية معها ، وفي عام 1962قطعت تلك العلاقات تماما وتم فرض المقاطعة التجارية مع كوبا التي ما زالت أكثر من 90% منها قائمة حتى اليوم بما فيها فرض الحظر على سفر الأمريكيين الى كوبا. السلطة الجديدة في كوبا  كبحت النشاط السياحي في البلاد بعد أن اعتبرتها مصدرا للدعارة والفساد قبل أن تعيد تنظيمها واخضاعها للرقابة حيث عاودت نشاطها من جديد لتشكل مصدرا مهما للدخل القومي.

 

وكنتيجة للوضع السياسي والاقتصادي الجديد توجهت كوبا نحو موسكو وباشرت باستعارة بعض التجارب  الاشتراكية السوفييتية بدءا بالتخطيط الاقتصادي فحصلت على الدعم الاقتصادي والفني والاداري المطلوب. وتم فتح الأسواق السوفييتية للسلع الكوبية وحصلت على ما تحتاجه من المساعدات العسكرية والقروض الميسرة بأسعار فائدة منخفضة ، كما جرى تأجيل مواعيد سدادها تبعا للقدرات الكوبية. وبفضل التعاون الاقتصادي المتعدد الأوجه تمكنت كوبا من استيعاب الآثار السلبية التي نتجت عن المقاطعة الاقتصادية الأمريكية وهجرة الاستثمارات والشركات الأجنبية من البلاد.

 

لكن الوضع الاقتصادي تعرض لانتكاسة جديدة لم تكن تتوقعها كوبا نتجت عن تفكك  الاتحاد السوفييتي عام 1989. وبنتيجة ذلك فقدت كوبا 85 % من تجارتها الخارجية ، وتقلص اقتصادها بنسبة 35 % ، وكان أن فقدت 50 % من احتياجاتها من النفط الذي كانت تستورده  بنصف أسعار السوق العالمي. ونتيجة انقطاع امدادات النفط  تأثرت امدادات الكهرباء للصناعة وخدمات النقل العام والاستهلاك الأهلي في البلاد اضطرت بسببه الى العودة لاستخدام وسائط النقل التي تجرها الخيول والدراجات الهوائية ، كما تعرضت امدادات الغذاء الى الشحة. وأصبح مشهد طوابير الناس حول مراكز توزيع المساعدات الغذائية من قبل الدولة أمرا عاديا ، كما شاعت تجارة السوق السوداء على نطاق واسع. وبعد استئناف استيراد النفط من روسيا أصبح التعامل معها بالسعر السائد في السوق العالمي مما أوجد عبئا ثقيلا على الميزانية الحكومية الكوبية المثقلة أصلا بالديون. وبسبب الفقر والمصاعب الاقتصادية انتشرت ظاهرة سرقة منتجات المصانع من قبل العاملين فيها لاستخدامها أو بيعها للايفاء بتكاليف الحياة.

عدا ذلك واجهت كوبا ظروفا بالغة الصعوبة بعد أن توقفت عنها كافة المساعدات الفنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية ، فكانت كسفينة وحيدة تقطعت بها السبل وهي في عرض البحر. لقد وضعها الوضع الجديد الذي لم يخطر بالبال أبدا أمام خيارين اثنين فاما الاستسلام للجار المتحفز للانقضاض وقبول شروطه بالتخلي عن الاشتراكية كسبيل لتقديم المساعدات التي بدون شك ستكون باهضة الثمن أو الاعتماد على الذات والسير قدما في الطريق الاشتراكي  رغم ما يتطلبه ذلك من تضحيات.

 

لقد اختارت كوبا الطريق الاصعب بإباء نادر المثال ، لأنه يحفظ لها سيادتها فبه تحافظ على عزتها الوطنية وكرامة شعبها الذي من أجله اختارت الطريق الاشتراكي بارادتها الحرة ولأنها اعتبرته خيارها الأفضل وآمنت به فقد دافعت عنه وأصرت على استكمال بنائه. لقد قطعت شوطا بعيدا في توفير مستلزمات نجاحه والتمتع بمزاياه رغم كل الصعاب التي حاولت جارتها الكبرى الولايات المتحدة  وضعها في طريقها. أمام المصاعب التي فرضت عليها اضطرت الدولة الى تغيير سياساتها الاقتصادية فاجيز لاصحاب البيوت الذين كانوا يستخدمون بيوتهم كفنادق و مطاعم دون اجازة سمح لهم بالعمل بصورة مشروعة.

 

ومن ضمن الاجراءات التغييرية في السياسة الاقتصادية تقسيم مزارع الدولة الكبيرة الى مزارع أصغر ضمن نظام جديد للتعاونيات الزراعية ، وسمح للمزارعين الصغار الذين كانوا ملزمين ببيع فائض انتاجهم للحكومة سمح لهم ببيعه في الأسواق الحرة وسمح كذلك لرأس المال الاجنبي بالنشاط والتملك  في حدود معينة . وبدءا من عام 1994 وبعد خمس سنوات من التراجع الاقتصادي بدأ الاقتصاد بالنمو من جديد ، وتوقعت السلطات الاقتصادية الكوبية انه اذا ما استمرت اصلاحات الاقتصاد بالعمل فان النمو الاقتصادي قد يصل الى 4- 5 بالمائة  سنويا. وقد بلغ في السنوات 2010 و2011 و2012 ، 2.4% و 2.8% و3.1% على التوالي وهي نسب عالية مقارنة بدول الاتحاد الأوربي. فمثلا بلغ متوسط النمو الاقتصادي الحقيقي(بعد استبعاد التضخم النقدي) لـ 28دولة أوربية  في نفس الفترة 2% و 1.6% و 04- %. وبحسب المعهد الدولي للاحصاء بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي في كوبا عام 2014 حوال 12 ألف دولار سنويا ليتساوى مع دخل الفرد في كل من المكسيك وتركيا وهو انجاز كبير آخذين بنظر الاعتبار الظروف السياسية والاقتصادية المفروضة عليها من قبل الدول الرأسمالية. نسبة البطالة  في كوبا واطئة حيث بلغت في عام 2014 نسبة 3،3%  القوى العاملة البالغ عددها 5،2 مليون عامل من مجموع السكان البلغ عددهم  11،2 مليون نسمة. بينما تبلغ البطالة في فرنسا 10%  قوى العمل فيها وفي ايطاليا 12،3% وفي اسبانيا 24% وفي المكسيك 5،18%. يعمل في القطاع الزراعي من مجموع القوى العاملة الكوبية 19،7% وفي القطاع الصناعي 17،1% وفي قطاع الخدمات 63،2%.

 

 سجلت كوبا انجازات مهمة في بعض المجالات الصحية والاقتصادية والبيئية متجاوزة بعض الدول المتقدمة في العالم. ففي كوبا يعيش 85 بالمائة من السكان في مساكن يملكونها هم ، وحوالي 2000 مدرسة تكتفي بالطاقة الكهربائية الخضراء. وقد ارتفع متوسط عمر الحياة  للمواطن الكوبي الى 77 عاما ليبلغ مستوى الولايات المتحدة تقريبا حيث المتوسط هو 77,5 عاما ، وفي وقت يكون لكل 1000 نسمة من السكان 57 طبيبا في كوبا ،  يبلغ في أمريكا 28 طبيبا. قبل الثورة  كان 2\3 عدد الأطباء في كوبا يسكنون ويعملون في العاصمة حيث الشركات وذوي الدخل العالي ، أما خارج العاصمة فيندر وجود اطباء بينما ينعدم الطبيب تماما في الأرياف. وفي بداية الستينيات غادر كوبا 3000 طبيب في الغالب الى أمريكا. ومع حلول عام 1990 أصبح لكل 120 160 عائلة  في المدن أو الريف طبيبا واحدا وممرضة  واحدة يسكنون في المنطقة ذاتها أو المجمع السكني ذاته ، وأصبحت الاحصاءات الصحية الرسمية متاحة لكل الباحثين داخل وخارج كوبا.

 

في عام 1965 كانت حوالي 59 % من وفيات الأطفال الرضع تسجل في المكاتب الرسمية ، أما الآن فبحدود 99 % . تنفق كوبا 16,5 % من دخلها القومي الاجمالي مباشرة على النظام الصحي بما يصل الى 320 دولارا للمواطن الواحد في العام . وبالارقام المطلقة لا يعتبر المبلغ كبيرا لكنه اذا ما أخذت هيكلية توزيع الخدمات الطبية على مجموع المواطنين سواء كانوا في المدن أو الريف فان نصيب الفرد من الخدمات الصحية سيبدو كافيا في الظروف التي تعيشها كوبا. اجراءات الكشف الطبي التي تحتاج الى أجهزة متقدمة تقنيا لا تتوفر خدماتها في الدول الصناعية الا لمن يدفع باستثناء قلة منها وتتطلب انتظارا لشهور أما في كوبا  فمتاحة للمواطن العادي في 28 مستشفا. أما نقل الأعضاء البشرية من مواطن لآخر فمتوفرة في كوبا منذ سنوات. واضافة لكل ذلك تستثمر كوبا بكثافة في مجال الطب البديل والصيدلة البديلة.

وبفضل المساعدة السوفييتية أثناء وجود الاتحاد السوفيتي تم تطوير المنتجات الصيدلانية مثل اللقاحات ضد الأمراض المختلفة كالانفوانزا والحصبة وامراض الجهاز العصبي والنفسي والسرطان وغيرها فحققت تقدما باهرا وتشكل حاليا بنودا مهمة من صادرات كوبا للسوق الخارجي ومصدرا مهما للعملات الصعبة. منذ 2002 سجلت كوبا أدنى مستوى لوفيات الاطفال الرضع جعلها في المرتبة الثانية في القارة الأمريكية. فنسبة الوفيات في كوبا تقل بنسبة 20 % عن المستوى الذي تبلغه في أمريكا في أوساط الملونين ، وتقل قليلا عن نسبة الوفيات بين الاطفال البيض الأمريكيين. بينما تنخفض بنسبة 50 % عن نسبة وفيات الاطفال الرضع السود الأمريكيين.

 

 وتقدم كوبا المساعدات للدول الأفريقية والامريكية اللاتينية في مجال التعليم الطبي الاكاديمي. حيث تتيح لحوالي 6000 آلاف طالب الدراسة في جامعاتها دون مقابل. في السنين الثلاثة الماضية أمكن ارسال 30000 طبيب وطبيب أسنان الى المناطق الفقيرة في فنزويلا اعتمادا على اتفاقية التعاون الموقعة بينهما ، وتشكل هذه الخدمات جزء من قيمة مستوردات النفط الخام من فنزويلا. تتيح كوبا لأثيوبيا وهايتي وغامبيا ودولا فقيرة أخرى المساعدة التعليمية والصحية دون مقابل وبالأخص في مجال التعليم الطبي والتمريض. المشكلة التي تواجه الدول الفقيرة الافريقية ان المتخرجين من الجامعات يغادرونها بعد تخرجهم الى الدول المتقدمة. المؤسسات الدولية الواقعة تحت تأثير الدول الرأسمالية الكبرى كصندوق النقد والبنك الدوليان تضغط على الدول الفقيرة لكبح دور الدولة في النظام الصحي. ولو اتبعت الدول الفقيرة والمتوسطة النمو السياسة الصحية التي سارت عليها كوبا لكان المستوى الصحي في تلك البلدان أفضل كثيرا مما هو الآن.

 

المنجزات التي حققتها كوبا في مجالات التعليم والصحة والاسكان وتوزيع الدخل بين المتواطنين لم تبلغها الكثير من الدول الأمريكية اللاتينية والأسيوية والأفريقية الأكثر غنا منها. كوبا بفضل سياستها الانمائية القائمة على تخطيط  النشاطات الاقتصادية والتعليمية في مجال العلوم والتكنولوجيا والخدمات الصحية وضمان العدالة في توزيع الدخل أمكنها معالجة الكثير من المشاكل التي نتجت عن تبعيتها للاقتصادات الاجنبية ، وقد حققت من النجاحات ما لم تحققه العديد من دول العالم بما فيها بعض الدول الأوربية . كوبا تعتبر مثالا حيا وناجحا لدولة نامية اختارت الطريق الاشتراكي للتنمية الاقتصادية فنجحت في تحسين حياة شعبها فيما فشلت عشرات الدول النامية الأخرى التي اختارت الطريق الرأسمالي  عن تحقيق ذلك.

علي الأسدي

لمزيد من الاطلاع يراجع الآتي:

1-   Cuba Overview of Economy, Encyclopedia of Nations.

Michael King ,The Redevelopment of International Tourism in Cuba, 11/4/2014.

2-   Cuba :" before and after 1959 " 14/8/2008

3-    The International Statistical Institute , 1/1/2014 31/12/2014

4-   Pedro Garcia, Health in Cuba, International Epidemiological Association

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا