<%@ Language=JavaScript %> حمزة الحسن ماذا سقط مع الطائرة؟

 

 

 

ماذا سقط مع الطائرة؟

 

 

حمزة الحسن

 

أفضل صورة يمكن التقاطها اليوم لأوردغان،
هي صورة بوتين يمسك به من العنق،
ويمارس اذلالاً سياسياً مشروعاً،
وسيظل ماسكاً بخناقه تحت مشاعر الخوف والذنب والانتظار،
حتى انجاز المهمة في عملية حشر في زاوية خانقة تدل على دهاء قيادي والتقاط لحظة قد لا تتكر لكلب مسعور،
وعقل الكلب في انيابه.

لكن ماذا سقط مع الطائرة؟ لا نريد الخوض في العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وبعضها صار معروفاً،
لكن ما لا تشير له وسائل الاعلام، بما في ذلك الوطنية، هو سقوط مفاهيم كانت سائدة ومتداولة حتى الاسبوع الماضي،
وصارت من التكرار المتعمد حقائق راسخة في عقول البعض،
كما لو أن هذه المفاهيم تصدر من" مركز اعلامي موحد" يجمع كل قوى الشر،
والدليل ان منابر وقنوات وصحف هذه القوى خرست في وقت واحد،
واندلعت في وقت واحد مما يؤكد مركزية ووحدة المصدر،
كما يحدث عندما تدوس على كلب في القرى في الليل لتنطلق جوقة نباح من الكلاب في وقت واحد،
وتخرس في وقت واحد.

أين صارت مفاهيم الاسبوع الماضي مثل:
فشل المهمة الروسية، النظام على وشك السقوط، المعارضة تحاصر العاصمة، الهجوم المضاد الوشيك للارهابيين،
في حين تم تحويل هذه العصابات من جيوش وثكنات وقواعد ثابتة الى فلول هاربة مقطعة الاوصال،
وانتقلت من تهديد المدن الكبرى الى دفاع متنقل عن النفس،
وتحولت من قوات شبه نظامية الى منظمات شبه سرية مختبئة في الجبال والمدن والسهول؟

اين صار الكلام عن" سايكس بيكو" جديدة، وكلام مكرر بصورة يومية للترسيخ والتضليل والحرب النفسية مثل" انتهى العراق القديم" و" سوريا القديمة لم تعد موجودة"؟ حتى صار بعضنا، يدري أو من اليأس، أحد أدوات مشروع الخراب، ومروجاً له من زخ التلقين المستمر واقتنع بصورة مستقبل مظلم منجور بالمكر والتنكيل والقوة.

الاكاذيب المعززة بالقوة تخلق المستقبل. ماذا يعني قيام اسرائيل، مثلاً؟ كيف تم زرع مفاهيم مثل" شرق أوسط جديد" ؟
كما لو أن الدول حانات أو مقاهي أو مطاعم أو فنادق أُغلقت لكي تُقسم الى شقق سكنية حسب الاعراق والولاءات والطوائف،
وليست كيانات بشرية عريقة متماسكة متعايشة وهويات وذاكرات ومشاعر وأزمنة،
والفضيحة أنهم يناقشون مصير دولنا في مؤسساتهم التشريعية والتنفيذية، الكونغرس، البرلمان، القوات المسلحة،
كما لو أننا لسنا شعوباً بل عبارة عن قطعان برية هائمة عثروا عليها وتحتاج الى حظائر،
في حين نصغي الى هذا الاغتيال للأرض والتاريخ والمستقبل، بصمت العاجز.
أليست هذه هي" المركزية الغربية" الاستعمارية التي تنظر الى الآخر نظرة مُحقّرة؟

بل اين ذهب الكلام الغربي الأمريكي من أن داعش لا تهزم في عام ولا في ثلاثين؟
كيف حل بدله الكلام الفرنسي على لسان الرئيس " سنسحق داعش وندمرها"،
أو " سنعمل مع الجيش السوري"،
أو الكلام الاوروبي الموحد الذي يتردد هذه الايام مثل" المهمة الرئيسة هي هزيمة داعش" بعد ان كان" عقدة الأسد"؟
وحتى الكلام الأمريكي عن ان" هزيمة داعش وشيكة"؟

كيف تحولت مفاهيم كــــــــــ" الحدود المستباحة " الى حدود شبه مغلقة؟
و"السماء المستباحة" الى سماء محروسة بنظم صواريخ وطائرات؟

كيف سقطت هذه المفاهيم وغيرها الكثير مع سقوط طائرة؟
وكيف خرست، فجأة، كما اندلعت فجأة؟ ومن أي مركز موحد كانت هذه المفاهيم تُصاغ وتسوّق؟
بل كيف انقلبت المفاهيم من سوريا المنهارة الى سوريا الدولة القوية المعبأة بأسنان حربية روسية تهدد الغرب بمخاطر جدية؟
كيف تحول الانهيار الوشيك الى خطر كوني وشيك؟

لا يمكن التأسيس لــــ" واقع جديد" بالقوة والاكراه والخداع،
من دون التأسيس، مسبقاً، لمفاهيم تناسبه تتحول الى حقائق بالتكرار والتلقين والخوف والخداع.

من أخطر وأهم صفات وخصائص خطاب" ما بعد الكولونيالية" زرع مفاهيم القوى المسيطرة في عقول المقهورين،
وتتحول هذه المفاهيم المضللة الى تقاليد ثقافية وسياسية ومنظومة تفكير،
وتصبح رؤية العالم من خلال منظار العدو:
ألم ترتفع صيحات اليأس المنادية من داخلنا بضرورة التقسيم كحل؟
أليس فينا من صار يردد ويغرد ويزغرد كل يوم ان التاريخ هو السبب؟ والدين هو السبب؟ والثقافة هي السبب؟ وان العنف وراثي فينا؟ ونحن تماسيح وحل بالفطرة؟ ودولنا مصطنعة؟ وحدودنا ملفقة؟ وآن الأوان لكي ننقرض؟ بل ان شعرنا، كما كتبت كاتبة عراقية، أكبر محرض على العنف؟ أليست هذه عقدة الشعور بالدونية التي يزرعها العدو في نفوس المغلوبين الذين يصبحون سجناء داخل جلودهم بقضبان مفاهيم خادعة؟

أليس هذا هو خطاب العدو المُلقن بالتكرار والخوف والقتل والاعلام؟ أليس من حق العدو ان يضحك من هذه البلاهة لضحايا يبررون قتلهم وسبيهم وخراب أوطانهم؟

من المؤسف ان من خصائص العقل العربي الرؤية المشهدية، أي التفسير البصري للأحداث، فسقوط طائرة حدث مرئي،
وردود الفعل وقائع مرئية،
لكن ما هو غير مرئي سقوط قاموس كان مكرسا خلال سنوات للحرب النفسية،
ونجح في اشاعة اليأس وروح العجز في الناس،
لأن الهزيمة تحدث في النفوس قبل الميدان.

العقل المشهدي التجزيئي الذي يرى الصورة ولا يرى حقيقتها،
يرى الشعار على الجدران ولا يرى صورته على ارض الواقع،
هذا العقل هو نتاج ثقافة التلقين والخضوع وثقافة الحائط والبرامج الحزبية الطنانة،
مما جعل قوى الشر تلعب على تعميق هذه الثقافة المسطحة،
وتزدهر الصورة والاعلان والخطابات الملفقة أو المجتزئة على حساب الحقائق المخفية.

كنا نشعر بالحزن عندما نرى التدهور المستمر في النفوس والعقول،
وكنا نعرف ان مراكز التوجيه والحرب النفسية تؤدي أخطر الادوار، بل أخطر مما يجري على أرض الواقع،
وهي تمهد البنية النفسية للاستسلام لواقع مفروض بالقوة والكذب.

سقوط القاموس السريع أمام موقف روسي شجاع وحازم،
كشف عن زيف هذا القاموس وزيف المفاهيم،
كما كشف عن زيف اليأس في النفوس،
وكشف أبعد من ذلك: هشاشة مشروع بربري خطير،
كان معدّاً لنا وحدنا ،
لكنه سقط في مواجهة وعي مضاد وقوة مضادة وارادة مستقلة.
فهل سنستمر في بلع المسامير؟

هل نتعلم درساً ، في الأقل، من محنة الطيار الروسي الناجي الذي هبط فوق الرصاص، فوق العدو،
وكان معلقاً بين السماء والأرض، بين الموت والحياة،
دون أن يفكر في الاستسلام،
ونزرع ثقافة الأمل؟

 

حمزة الحسن

عن صفحة الكاتب على الفيس بوك

https://www.facebook.com/hmst.alhasn/posts/10153380821227266

 

تاريخ النشر

06.12.2015

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

06.12.2015

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org