<%@ Language=JavaScript %> حمزة الحسن الأوهام المستمرة: نقد التلقين

 

 

الأوهام المستمرة: نقد التلقين

 

 

حمزة الحسن

 

تظن الاجيال الجديدة أن ما تقرأه أو تسمعه هذه الأيام
من مرويات بعض رجال الدين،
عن قصائد وحوارات الجن وحتى الزواج منه،
أو مرويات الاحلام والكلام مع الحجر والزيارات الليلية لفرسان مقدسين على خيول بيض،
أو الأعشاب والأطعمة الشافية من كل شيء،
أو زيارات الموتى لبعضهم في العالم الآخر وغير ذلك من سرديات هؤلاء التي تخلط الدين الحقيقي بالاساطير، وتفسر ظواهر الحياة تفسيراً رغبوياً،
تظن هذه الاجيال ان هذه الظواهر جديدة،
ويعكس ذلك الانبهار والدهشة من حكايات وتفسيرات بعض رجال الدين لوقائع حقيقية أو متخيلة،
لكن الاجيال السابقة، وعبر قرون، عاشت هذه التجارب وتعاملت معها بطرق مختلفة.

في عشرينات القرن الماضي ، في العراق مثلا، حدث تحول جديد في أنماط التفكير والتخيل والوعي،
ولم يعد السرد التخيلي للتاريخ مقبولا كما لم تعد هذه المرويات مفهومة لجيل جديد منفتح على العلم وعلى الاتجاهات الفكرية الجديدة،
بما في ذلك الينابيع الاصلية للفكر الديني.

وكرد فعل على التحليل التخيلي للتاريخ والواقع،
برز جيل يعتمد التوثيق والدليل والشهادة والمعرفة،
لكن مشكلة هذا الجيل العلماني واليساري الهوى والثقافة وقع في فخ الآباء وأساطيرهم،
بل ان جيل الاباء والاجداد كانوا أكثر " سعادةً" في التعايش مع أوهامهم،
بلا صراعات نفسية أو سياسية أو اجتماعية،
وكانوا يموتون وهم يحملون رسائل الى الموتى السابقين كما لو انهم سعاة بريد في رحلة،
وكانت الاشباح المروية والاساطير المعقلنة تقدم لهم المتعة والأمل والشفاء وراحة البال،
أما جيل التوثيق والعلم والنظريات السياسية والتحليل "العقلاني" للتاريخ والحاضر،
فقد غرق في السجون والمنافي والتعذيب والقتل والصراعات المختلفة مع السلطة والمجتمع والتاريخ ،
ومع كل ما هو مؤسسة تقليدية،
وهو "يؤمن" بكل يقين ان رؤيته للعالم هي الصواب.

بذلك وقع في الأوهام التي ينكرها على الآخرين ويحارب ضدها،
أي قبل التفسيرات والتأويلات والقراءات كما هي بلا فحص ولا شك ولا تفكيك ولا تحليل،
وكان في ذلك يمارس أوهام الاجيال السابقة في تحويل الاساطير الدينية الى إيمان،
فقام الجيل " العقلاني، العلماني، اليساري" بتحويل قراءاته للتاريخ والواقع الى إيمان والى عقائد صلبة،
وكما ان الخروج من الأساطير والمرويات الدينية يعد كفراً وزندقةً،
كذلك يعد الخروج عن " المبادئ" السياسية الاحتمالية خيانةً وجبناً وتخاذلاً وهروباً بل جريمةً ...والخ.

وكما رفعت الاجيال السابقة اساطيرها وأوهامها الى مستوى الدين ، بل صارت هي الدين، رفع الجيل الثوري الجديد اساطيره الثورية والمبادئ الفكرية الى مستوى الشرف والالتزام،
وهذا النقل للأفكار الى مستوى الشرف من انتاج عقل قبلي خفي وليس نتاج حوار افكار خلاّق ومثمر،
مع ان الافكار لا علاقة لها بالشرف لأنها قد تكون صحيحة اليوم وخاطئة غدا،
أو قد لا تكون صحيحة كلها في الاقل،
لذلك قال برتراند راسل " لست مستعدا للموت من اجل افكار قد تكون خاطئة".

المفارقة الحزينة ان النهايات واحدة والخسارات واحدة بين اوهام الاجيال السابقة والجديدة،
بين اساطير الأوهام الدينية وبين اساطير الاوهام الثورية،
مع فارق قد يكون جوهريا في ان القدامى عاشوا سعداء، اذا صح القول، مع أوهامهم واساطيرهم،
وماتوا مطمئنين على اكتمال الحياة واكتمال الأمل،
في حين ان الاجيال اللاحقة الثورية ضيعت المشيتين:
جاء الزمن ليعلن ان الاساطير والاوهام الثورية بحاجة الى مراجعة وتأمل واعادة نظر،
وان التعايش مع وهم ثوري او علماني او يساري أو حداثوي لا يقل خطراً عن التعايش مع الخرافات والاساطير،
واذا كانت "الجكليتة الشافية" ، مثلاً، من كل الأمراض هي وهم قاتل،
فإن الوصفة السحرية للبرنامج الثوري لا تقل خطراً عنها،
وان تحليلات القائد المؤسس أو السكرتير العام للحزب عن الحاضر والمستقبل لا تختلف من حيث النتائج عن تفسيرات الشيخ حميد المهاجر صاحب الجكليتة الشافية بل قادت في بعض المراحل الى حمامات دم،
عندما أخذتها أجيال فتية صافية نظيفة متعطشة للتغيير والعدالة والمساواة حرفياً وتصوفت بها،
لكنها لُقنت الأفكار والفرضيات السياسية تلقيناً لا يختلف عن التلقين الديني،
حتى ولدت، من رحم الأجيال اليسارية، حتى اليوم شرائح" المخ اليابس" التي لا تريد تغيير المبادئ فحسب، وهي في الواقع أفكار قابلة للتغيير، بل رفعها الى مستوى الشرف والايمان وصار الخروج عنها لا يقل خطرا عن الخروج عن الاساطير المتخيلة،
وبما ان هذه الشرائح لا تملك البدائل، وهذه طبيعة التلقين، لذلك ظلت تنوح على الأطلال، كما ينوح الآخر عند الضريح.

وكما لُقن المثقف اليساري ـــ من دون تعميم ـــــ على نظريات السياسة، لُقن على ذهنية الخصومة، وهو في هذا الحقل لا يختلف عن توأمه المثقف الديني في سحق ومحو المختلفين مادياً وأخلاقياً ويصبح هؤلاء الخصوم منحرفين أو عملاء وهو السوي والوطني الوحيد في مملكة الارتياب، وهذا هو العطب العقلي والوعي الشقي المحارب، وهذا الوعي لا ينتج معرفة لأن المعرفة تُنتج في حوار أفكار نقدي بناء بل ينتج أعداءً حتى تصبح السياسة ساحة حرب.

العيش على فكرة" الاستمرارية النضالية" حتى لو قادت الى طريق مغلق هو كل ما يشغل الوعي الشقي مع ان الاستمرارية تتطلب الابداع والتوقف والمراجعة.

هذا الغرام بالاستمرارية يجري تحت ضغط الجماعة وليس تحت الحاح فكرة التجديد أو الحاح الضرورة الفكرية او المعرفة، اي ان الخوف من التقاطع مع الجماعة أو الانفصال يعني الذهاب الى التيه لأن هؤلاء يمثلون سلسلة معقدة ومركبة من طقوس ورموز وايقونات وعلاقات ومعايير اخلاقية مبنية على فكرة الخطأ والصواب، الثبات والعار، والغاء كل المساحات الرمادية الهائلة في عصر مركب وشديد التعقيد.

اذا عرفنا ان التربية العربية والاسلامية قائمة على التلقين وليس الحوار، نفهم ان انتقال الانسان الى مؤسسات وأحزاب وهيئات ومدارس وجامعات ليس سوى انتقال من سلطة الى اخرى من المنظومات المُلقِنة، بمعنى أوضح يكون جاهزاً تماماً للطاعة بصرف النظر عن العناوين لان نظم العقاب واحدة في كل هذه السلط من النبذ الى الخلع ومن الاقصاء الى المحو ومن التشهير الى العزل... والخ وهلم جرا.

لا يعاني العقل الغربي الحداثي من مشكلة انهيار الافكار الكبرى والسرديات الضخمة لأن الحداثة الغربية الفكرية أوغلت في تحطيم الافكار والفلسفات والقناعات والمؤسسات التقليدية،
ولا يشعر المثقف الغربي بتلك الاوجاع والرضوض النفسية الواخزة حد الاكتئاب لانهيار الأحلام الكبرى والسرديات الضخمة المفسرة لكل شيء،
لأنه لم يربط الفكر بالشرف كما في حالتنا وعبر بسلاسة الى أفكار جديدة وقناعات مختلفة،
وصارت غرف التجديد والابتكار وورشات الخلق والابداع قائمة في الشركات والجامعات والمصارف والمحلات التجارية وفي المدارس والتجمعات الادبية ومراكز الابحاث،
وتحول الخروج من" النمط، والسائد" الى انجاز يستحق المكافأة،
وصارت المغامرة الفكرية شرط الحداثة وما بعدها،
بل صار الشرف في التجديد والمثابرة والعلم والابتكار والسؤال المعرفي،
في حين صار التحول، عند جيل الاوهام الدينية والثورية، من قناعات وافكار الى أخرى يستحق اللعن،
بل صار التحول والتغيير الفكري معارة اخلاقية لأن الفكر ليس" ثوب حيّة وينّزع" كما يقول الشاعر، أي صار الاجترار بدل الابتكار.

وكما غرقت أجيال الأساطير الدينية في الأوهام وخرجت عن جادة الدين الحقيقي الى الدين المعاش والمتخيل،
غرقت الاجيال" الثورية واليسارية والعلمانية" في الأساطير والتفسيرات والتأويلات وحولتها الى قناعات وأفعال وكوارث.

في الحالتين، نحن أمام عقل مغلق وثقافة مسدودة،
في الحالتين عبادة حرفية للنص،
في الحالتين ان النص وليس الحياة هو مصدر التطور والالهام،
في الحالتين يجيب النص على أسئلة الحياة وليست الحياة سوى النموذج المكتمل في نص ديني مؤول،
أو في نص فكري سياسي وفي برنامج حزبي،
في الحالتين ان الاجوبة جاهزة في النص وليس في العالم المتغير.

اذا كان جيل الاساطير الدينية قد عاش ومات سعيداً في الحياة غارقاً في عالم تخيلي بهيج وسار ومثالي،
فإن المحظوظ من الأجيال الثورية من سلم من الفلقة أو الربط على النوافذ أو القتل او العاهة أو المنفى،
أو "أقلاً، أقلاً" سعيد من نجا من زجاجة بيرة في الشرج في معتقلات الابداع والتجديد الثورية.

 

حمزة الحسن

عن موقع الكاتب على الفيس بوك

https://www.facebook.com/hmst.alhasn/posts/10153319504177266

 

 

تاريخ النشر

30.10.2015

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

30.10.2015

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org