<%@ Language=JavaScript %> د. كاظم الموسوي حين تقاوم الكلمة

 

 

 

حين تقاوم الكلمة

 

 

د. كاظم الموسوي

 

رحل محمد الجزائري الى سماواته الاخرى، في الغربة التي لم يخترها محبة او رغبة، وظلت كلماته وبسمته وصورته حية بيننا. مثلما ختم ما كتبه في اخر ما نشر في صفحته على الفيسبوك، كما تناقلتها وكالات وكتابات عنه وفي رثائه او الاشادة فيه، "احبكم.."، وكتب الجزائري مخاطبا كل من يقرأ له ويراسله، مباركا عيد الفطر: "مباركة أيامكم فيما تنجزون من صالح الأعمال ولو كانت بمقدار حركة رفع حجر عثرة من درب الفقراء، أو كلمة طيبة تكسون بها ملايين القلوب التي ترتجف عريا في المنازح القسر والخيام القفر المثقبة أو تحت ظل الحيطان الباردة التي لا تؤوي ولا تحمي في تلكم المهاجر والمخيمات". احبه هؤلاء وسطروا له محبتهم في عذب الكلام، وحسرات الفراق، ودمعات الحزن، على المواقع الالكترونية، وصفحات ثقافة في صحف يومية، وفي قاعة اتحاد الادباء والكتاب في العراق، حسب بيانه، ("ينعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الناقد المعروف محمد الجزائري الذي توفي يوم الجمعة 24 تموز 2015 في أحد مشافي بلجيكا إثر فشل عملية جراحية للقلب. الذكر الطيب للفقيد الكبير والصبر الجميل والسلوان لأهله وأصدقائه ومحبيه" كما أُعلم خبرا بأن "اتحاد الأدباء نظم جلسة خاصة في تأبين الراحل".) وصفحات التواصل الاجتماعي الشخصية.. هكذا هي الحياة، بلا بوش دنيا، كما كان يردد راحلنا الاخر شمران الياسري، ابو كَاطع، ووضعه عنوانا لجزء من رباعيته الروائية، افتقدناه ونفتقد بعده ومعه وكل يوم.. كما قال شاعرنا العربي القديم

كل ابن انثى وان طالت سلامته     يوما على آلة حدباء محمول

قرعت الاجراس.. والنواقيس.. وحام ملك الموت حول الاسماء الودودة من المبدعين الرائعين الذين اغنوا عالمنا ومكتباتنا بجهدهم وإنتاجهم وصبرهم على الكلمة المقاومة والرؤية المحرضة واللغة المعبرة عن الحياة والإنسان في كل مكان وزمان.. (حضروا انفسكم وجهزوا كلماتكم.. ايها الرعيل الجميل والنبيل! الموت حق وما باليد حاليا من حيلة عليه!..).

حين اصدر الجزائري كتابه في بغداد: حين تقاوم الكلمة، اهداني نسخة وطالبني بقراءته ومناقشته في جلسة قادمة. وكنت اتبادل معه الكتب والقراءات والتوجهات وخطابات الصمت باحترام وتقدير، نلتقي في مقر اتحاد الادباء او في لقاءات الجمعة في مقاهي بغداد. وكنا نتشارك في حمل الجمر على راحة اليد والخروج الى البرية، في تلك السنوات.. سنوات ابداع الكلمة واللسان، وانطلاق الكتابة "بلا ضفاف" مع الالتزام الفكري الصريح، بداية التحالفات السياسية والصعود الى الجلجلة وحمل الصليب الثقافي على اعتاب المسجد الحسيني. وفاجأته في نشر دراسة لي عن الكتاب في مجلة الاداب اللبنانية، الشهرية، التي كنا ننتظرها ونحصل عليها من كشك المناضل بناي، في طرف من ساحة التحرير، مسموحا لها او ممنوعة من بيت الخبرة المكارثية.

للأسف لم تتوفر عندي الان، لا نسخة من الكتاب ولا المقال ولا المجلة. لكن الناقد الراحل محمد دكروب، انتقد العدد الذي نشرت الدراسة فيه وأعاد نشر مقاله النقدي في كتاب له. عدت اليه وأعيد ما كتبته مستعينا برأيه وقارئا "حين تقاوم الكلمة" ومحمد الجزائري.

نشرت الدراسة/ المقال في الاداب عدد حزيران/ يونيو عام 1972 وفي خطة المجلة ومنهجها نشر قراءة العدد في مجالاتها المختلفة من قبل نقاد وباحثين مرموقين ايضا، في العدد التالي، وهو ما حصل في عدد تموز/ يوليو 1972 . حيث سجل محمد دكروب ملاحظاته على الدراسة. وكانت بعنوان: الواقعية الاشتراكية في النقد العراقي المعاصر. جاء فيه: "ينطلق الكاتب- في حديثه عن تيار الواقعية الاشتراكية في النقد العراقي الحديث، من واقع ان الحركة الادبية المعاصرة تفتقر الى ما يوازيها من حركة نقدية جدية عميقة. وعلى حد تعبير الكاتب، فان هذه الحركة الادبية تفتقر الى الكشاف الذي يشخص مسارها، ويكشف ويبلور الرؤيا الصادقة مع معرفة الاصالة من سيول الزيف فيها، ويساهم في معالجة ظواهرها وأطرها الابداعية، من خلال تحليل ابعادها، وتياراتها الفنية. ولا شك ايضا ان افتقارها الكشاف.. للنقد الموضوعي، له اثره في تخلخل امتدادها وتطورها الى مراحل جديدة، ومميزة". ويحرص الكاتب على التأكيد انه لا يعني ان النقد الموضوعي غير موجود تماما، بل هو شحيح جدا، ومتخلف عن المواكبة المستمرة للنتاج الادبي الجديد، بالإضافة الى عدم وجود مدارس نقدية ذات اتجاهات واضحة او ذات منهج معين تعتمده في الدراسة. ولكن الكاتب يشير الى ارهاصات اتجاه نقدي ظهر في اواخر الخمسينات من خلال مجلتي "الثقافة الجديدة" و"المثقف" في العراق.. وهو يعني به اتجاه "الواقعية الاشتراكية" الذي يستند الى الماركسية في رؤياه. وأضاف له كناقد لبناني، ومن التيار نفسه، كما اكد ذلك في النص، بتوسيع النظرة عربيا، وامتداداتها في روابط ومجلات بارزة شُكلت وصدرت.. مثل رابطة الكتاب العرب ومجلة "الثقافة الوطنية". "وبحكم هذا الانتماء الماركسي التقدمي العام اطلق على مجموع نتاج هذا التيار اسم "الواقعية الاشتراكية" وهو تعبير ارتبط باسم مكسيم غوركي وبالمؤتمر الاول للكتاب السوفيات الذي انعقد في بداية الثلاثينات من هذا القرن".

وسجل الناقد دكروب ".. وأول ما اجب ان اشير اليه هو ذلك "التلخيص" الذي قدمه الكاتب للأسس التي يعتمدها هذا الاتجاه النقدي (الواقعي الاشتراكي) في الادب العربي. فهو يقول انه استخلص هذه الاسس من خلال رصده لما قدمه هذا الاتجاه من نتاج، خاصة في العراق، وقد حصر الكاتب تلك الاسس بالنقاط التالية:

1- تحليل الواقع الادبي من خلال الواقع الاجتماعي والسياسي، ومدى مشاركة الاديب في وعي وتغيير الواقع، على اساس ان المضمون في الفن هو ك الواقع الذي يعكسه الفنان في ضوء نظرة الى الكون شاملة، وفي ضوء مثل اجتماعية عليا.

2- محاربة الفكر الرجعي بكل اوجهه، وفضح الاساليب التي يتغلغل فيها بين ثنايا العطاء الادبي.

3- مطالبة الاديب بالالتزام الثوري، وتخطي عقبات التخلف الفكري، والتهرب والضياع المستورد، والوقوف امام مهماته الجديدة موقفا فاعلا، في صف الجماهير الكادحة، وفي صف الثورة المستمرة.

4- التأكيد على اثر العمل الابداعي، وما يحققه هذا الاثر في نفوسنا، بفضل الصور والكلمات والايقاع.. الخ، وما يحدثه من ارتباط وعواطف وأحوال عقلية.. وان يثير في خاطرنا حوادث وأفكارا من شانها ان تعبئنا مع شيء او ضده.

5- التأكيد ايضا على الوحدة الدينامية للعناصر المكونة للعمل الادبي.. فالمضمون الجيد، اذا لم يطرح بأسلوب وشكل جيدين، يصبح عملا كروكيا، لا يؤدي الدور الذي يلتزم القيام به، ولهذا يؤكد الاتجاه، ان هذا الاساس غير منفصل عن الاسس الاخرى التي سبقته.

هذه الكتابة وما نقلته من كتاب الناقد الراحل دكروب عن دراستي لكتاب الراحل الجزائري هي خلاصات في قراءة الكتاب والتيار الذي كان الناقدان فاضل ثامر وياسين النصير من ابرز رموزه اضافة الى الجزائري ومن خط السطور عنه وعن كتابات اخرى في المشهد الثقافي. تبقى رغم نكد الدهر والمنافي صفحات من همٍ وجيل ومرحلة وإبداع لا ينقطع.

رحل محمد الجزائري الذي جاء من "الخندق" البصري، يوم 30 حزيران/ يونيو 1939 مرورا في مدن وساحات ونشاطات عديدة، ليرسم النهاية في الخندق البلجيكي، يوم 24 تموز/ يوليو 2015، وصورة للمبدع والمثقف العربي، اغلبية او اقلية، وانا اكتب هذه الاسطر اشاهد في التلفاز برنامجا عن الروائي الامريكي ارنست همنغواي وكيف حوّل بيته في هافانا الى متحف له، وحتى غرفة الفندق التي كان يقيم فيها قبل استقراره في هافانا الكوبية. فهل نعتبر؟! ومتى تستقيم الحكاية؟، ولماذا لا يتم مثل هذا في بلادنا، وحتى في مهاجرنا وملاذاتنا؟.

وداعا اخي محمد الجزائري.

 

تاريخ النشر

28.08.2015

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

28.08.2015

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org