<%@ Language=JavaScript %> د. حسين سرمك حسن علي الوردي : (32) هل كان ابن خلدون فيلسوفاً أم يخشى تهمة الفلسفة؟

 

 

علي الوردي : (32)

 

هل كان ابن خلدون فيلسوفاً أم يخشى تهمة الفلسفة؟

 

 

 

د. حسين سرمك حسن

 

# الموقف من الفلسفة في المغرب العربي وهل كان ابن خلدون فيلسوفا ؟:

ثم ينتقل الوردي إلى معالجة موضوعة " الفلسفة في المغرب " ، فيستهل ذلك بتساؤل مهم حيث يقول :

(( من الظواهر التي تلفت النظر في تاريخ الفلسفة الإسلامية ، إن المشرق لم يشهد ظهور فيلسوف كبير بعد الغزالي . وعلى العكس من ذلك كان المغرب آنذاك يشهد ظهور فلاسفة كبار من أمثال ابن باجة وابن طفيل وابن رشد . وهذا أمر غريب في حاجة إلى تعليل . فالمعروف عن أهل المغرب أنهم كانوا أكثر من إخوانهم أهل الشرق في كراهيتهم للفلسفة وفي اعتبارهم إياها مرادفة للكفر والزندقة ))(217) .

 فقد كان العامّة في المغرب يرجمون من يتفلسف ويحرقونه . كما شاعت أيضا ظاهرة حرق الكتب في الأماكن العامة . ولذلك كان لفلاسفة المغرب موقف خاص من العامة بدءا من ابن باجة ( ابن الصائغ ) في كتابه " في تدبير المتوحد " الذي دعا فيه إلى التوحّد واعتزال الهيئة الاجتماعية ، حيث لا يستطيع الفيلسوف الوصول إلى الخير والحق إلا إذا اعتزل الناس . وقد أكد ذلك ابن طفيل من بعده في كتابه " حي بن يقظان " . أما ابن رشد الذي كان آخر الفلاسفة المسلمين وأعظمهم وبه انتهت سلسلة الفلاسفة المسلمين الذين يستمدون فلسفتهم من التراث الإغريقي القديم ، فقد كانت نظرته إلى العامة تختلف عن سابقيه ؛ ابن باجة وابن طفيل . فهو يعتقد أن من الخطأ الفظيع أن يُعلن الفلاسفة آراءهم الفلسفية على العامة .. فهؤلاء لا ينفعهم سوى الدين .. واشتهر بنظرية التأويل حيث يرى فيها أن الدين لا يناقض الفلسفة لأن كليهما حق ، ولكن الدين للعامة والفلسفة للخاصة ( 218) .

يرى الوردي أن ابن خلدون الذي اطلع على فلسفة ابن رشد ولخصها بكتاب خاص ، قد راجع نظرة ابن رشد إلى العامة :

(( يخيل لي أن ابن خلدون وقف يتأمل عند قراءته لرأي ابن رشد الآنف الذكر . ولعله أخذ يتساءل : إذا كان العامة مُرضى ، والفلاسفة أصحّاء حسب رأي ابن رشد ، ألا يجوز أن نقلب الآية فنقول أن الفلاسفة هم المرضى والعامة أصحاء ؟ وإذا كان الأنبياء قد سايروا العامة في تفكيرهم ، فلماذا لم نسايرهم نحن كذلك ؟ )) (219) .

 # العامّة أقرب إلى الصواب والسعادة من الفلاسفة:

--------------------------------------------------

ابن خلدون يرى أن العامة أقرب إلى الصواب في تفكيرهم من تفكير الفلاسفة ، وهم حسب ابن خلدون أقدر من الفلاسفة على نيل السعادة في الدنيا والآخرة :

(( فالعامة في دنياهم يسيرون مع الواقع الاجتماعي كيفما سار بهم ، فيحصلون من جراء ذلك على الرزق والسعادة أكثر مما يحصل عليه المتمنطقون المتفلسفون . والعامة قد يسعدون في الآخرة كذلك لأنهم سلموا من المعاطب التي وقع فيها الفلاسفة . يقول ابن خلدون عن المشتغلين بالفلسفة : " وتجد الماهر منهم عاكفا على كتاب الشفاء والإشارات والنجاة وتلاخيص ابن رشد للنص من تأليف ابن رشد وغيره ، يبعثر أوراقها ويتوثق من براهينها ، ويلتمس هذا القسط من السعادة فيها ولا يعلم أنه يستكثر بذلك الموانع عنها . ومستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو والفارابي وابن سينا إن من حصل له إدراك العقل الفعال واتصل به في حياته فقد حصّل حظه من هذه السعادة ... وأما قولهم إن البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضا ، لأنه إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا آخر للنفس من غير واسطة وأنها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا . وذلك لا يعني لنا أنه عين السعادة الأخروية ))(220) .

# إبن خلدون ضد المنطق الأغريقي :

------------------------------------

ويخالف الوردي رأي الأستاذ " تياي " الذي يرى أن ابن خلدون كان فيلسوفا وأنه ينتمي إلى أسرة الفلاسفة الكبرى :

(( ولما كان تونسيا ينحدر من أسرة أندلسية فلا غرو أن يكون في تفكيره الفلسفي امتدادا لتفكير ابن رشد )) (221) .

وهذا الرأي مشابه لرأي الدكتور " محسن مهدي " الذي طرحه في كتابه عن فلسفة ابن خلدون في التاريخ والذي هو أصلا أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو . فالوردي يعتقد جازما أن ابن خلدون في إنشائه لنظريته الاجتماعية لم يسر على خط المنطق الذي سار عليه فلاسفة الأغريق ومن تابعهم من فلاسفة الإسلام . وقد نقد ابن خلدون المنطق الذي سار عليه الفلاسفة نقدا شديدا ، وضيّق المجال الذي يستخدم فيه المنطق أكثر فأكثر بصورة فاقت ما قام به الغزالي وابن تيمية :

(( كان من رأي ابن خلدون أن المنطق القديم لا يفيد إلا في نطاق ضيق جدا ، هو النطاق الذي يخص ترتيب الأدلة . فالباحث لا يحتاج إلى المنطق إلا بعد أن ينتهي من البحث . وهو عند ذلك يستخدم المنطق في تقديم براهينه للناس على صورة منسقة مرتبة . إما فيما عدا ذلك فاستخدام المنطق يؤدي إلى نتائج مغلوطة . ومن هنا كان المناطقة غير قادرين على الوصول إلى نتائج صحيحة في الأمور الإلهية وفي الأمور السياسية وغيرها . يقول ابن خلدون في مقدمته أثناء نقده للفلسفة والمنطق القديم :

" فهذا العلم كما رأيته غير وافٍ بمقاصدهم التي حوّموا عليها مع ما فيه من مخالفة للشرائع وظواهرها . وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين . وذلك أن نظم المقاييس وتركيبها على وجه الإحكام والإتقان هو كما شرطوه في صناعتهم المنطقية وقولهم بذلك في علومهم الطبيعية . وهو كثيرا ما يستعملونها في علومهم الحكمية من الطبيعيات والتعاليم وما بعدها . فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الصواب والاتقان في الحجج والاستدلالات . لأنها وإن كانت غير وافية بمقاصدهم ، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار . هذه ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم وآرائهم ، ومضارها ما علمت . فليكن الناظر فيها متحرّزا جهده مع معاطبها . وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والإطلاع على التفسير والفقه . ولا يكبنّ أحدٌ عليها وهو خلوٌّ من علوم المِلّة . فقلّ أن يسلم لذلك من معاطبها . والله الموفّق للصواب وللحق والهادي إليه . وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " .

ويقول ابن خلدون في فصل آخر من مقدمته عنوانه : " في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها " ما يلي :

" والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلّية عامة ، ليُحكم عليها بأمر العموم ، لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أُمّة ولا صنف من الناس . ويطبّقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات .. فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر . ولا تصير بالجملة إلى مطابقة ، وإنما يتفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك ... والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها . فإنها خفية ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلّي الذي يحاول تطبيقه عليها . ولا يُقاس شيء من أحوال العمران على الآخر ، إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور . فيكون العلماء لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض ، إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم ، فيقعون في الغلط ولا يؤمّن عليهم ...

" يتضح من هذا أن ابن خلدون كان صريحا في نقده للمنطق وفي تحديد مجاله تحديدا ضيقا . وهو بذلك يختلف عن الفلاسفة الذين كانوا يعدون المنطق سبيل التفكير الصحيح في كل الأمور ، الدينية منها والدنيوية )) (222) .

# معنى الفلسفة والفيلسوف في الثقافة الإسلامية :

-------------------------------------------------

ويشير الوردي إلى أننا لا نستطيع تقديم إجابة شافية عن سؤال : هل كان ابن خلدون فيلسوفا ؟ إلا إذا حدّدنا معنى الفلسفة والفيلسوف في الثقافة الإسلامية . فالناس قديما ، لاسيما في الإسلام ، لم يكونوا يطلقون اسم " فيلسوف " إلا على من سار في خط الفلسفة الأغريقية وأخذ يتحدث بالمصطلحات الفلسفية التقليدية كالعقل الفعال والهيولى والإسطقس وواجب الوجود والدور والتسلسل وما أشبه . وكانت هذه المصطلحات غامضة يصعب على العامة فهمها . ولعل الغموض كان مقصودا فيها لكي يشعر المتحدث بها كأنه من طبقة عالية وأنه يبحث في أسرار الكون التي لا يفهمها عامة الناس . ولذلك اختصّ بلقب الفلسفة أفراد معدودون من أمثال الفرابي وابن سينا وابن رشد . ولكن والكلام للوردي الإتجاه الحديث في تعريف الفلسفة يختلف عن الفهم القديم لها حيث تُعرّف الفلسفة بأنها كل محاولة عقلية يأتي بها مفكر لتفسير الكون ومكان الإنسان فيه . وبهذا الاعتبار يجوز إطلاق لقب الفيلسوف على من نقد الفلسفة الأغريقية وعلى من تابعها أيضا . وحين ننظر إلى ابن خلدون في ضوء هذا التعريف الحديث للفلسفة لا نملك إلا أن نعده فيلسوفا من الطراز الأول . فهو قد استند في بناء نظرته حول الكون والمجتمع على مختلف ما توصل إليه الفكر البشري من علم وفلسفة خلال العصور التي سبقت عصره (223) .

الرد على "رينان" في أن الفلسفة الإسلامية تقليد للفلسفة الأغريقية:

----------------------------------------------------------------

وفي التفاتة مهمة يتناول الوردي بالنقد مواقف بعض المستشرقين وأولهم " رينان " الفرنسي التي ترى أن الفلسفة الإسلامية كانت مقلدة للفلسفة الأغريقية ، وأنها لم تنتج من ذاتها شيئا جديدا :

(( وممن ذهب هذا المذهب رينان الفرنسي حيث قال : " إن الفلسفة الإسلامية ليست سوى فلسفة اليونان القديمة مكتوبة بحروف عربية " .

يبدو أن رينان وأمثاله من المستشرقين يحصرون الفلسفة في ذلك المنطق التقليدي الذي اعتاد الناس عليه قديما . ونحن إذ ننظر إلى فلاسفة الإسلام من خلال هذا النطاق الضيق نكاد نوافق على ما قال رينان فيهم . ولكننا حين ننظر إلى الفلسفة الإسلامية من وجهة عامة نراها قد أتت بقسط لا يُستهان به من الإبداع والتجديد . لقد ظهر في الإسلام فلاسفة مبدعون لا يقلّون في روعة إبداعهم عن بعض فلاسفة العصر الحديث . يكفي أن نذكر واحدا منهم هو صاحبنا ابن خلدون . ولو لم يظهر في الحضارة الإسلامية غير هذا الرجل لكفاها فخارا . ناهيك به فيلسوفا يبدع علما لم يستطع الفكر البشري أن يبدأ به إلا بعد تطور بطيء استمر خمسة قرون )) (224) .

وقد عالج هذا الموقف الإستشراقي السلبي من الفلسفة العربية الإسلامية والذي تأثر به كثيرا ودعا إليه بحماسة الدكتور محمد عابد الجابري ، المفكر جورج طرابيشي في كتابه : " مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام " حيث يقول :

(( ورغم الاحتجاج الصارخ من قبل أحدث مؤرخي العقل العربي ، عنينا محمد عابد الجابري ، على اللاسامية الرينانية المعممة ، فإنه يعود إلى تبنيها "إبستمولوجيا" ويعيد إخراجها في صورة عنصرية جغرافية مخصّصة . فهو لا ينكر أن نهر الفلسفة اليونانية قد قام بتحويلة شرق أوسطية ، ولكنه لا يقرّ بهذه الحقيقة الواقعة التاريخية إلا ليضيف أن العقل اليوناني " البرهاني " قد تعرفن وتهرمس وتغونص ، بقدر ما تمشرق ، ولم يقيض له أن يستعيد عقلانيته إلا بقدر ما عاد يتمغرب بعد طول تخبط في مستنقع اللاعقلانية المشرقية ويعيد تكوين نفسه في " لحظة تأسيس ثانية " في " المشروع الثقافي المغربي الأندلسي " كما تجسد في " نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون " وليس يخفى الدرس : فالإقليم ، مثل العرق عند رينان ، يتجوهر ويغدو بذاته عامل عقلانية أو لا عقلانية )) (225) .

 

مصائر الفلسفة في الإسلام :

--------------------------

وعودة إلى الوردي وابن خلدون ، فإن الوردي يرى عاملا مضافا مهما أسهم في تشكيل موقف ابن خلدون من الفلسفة ويتمثل في خوفه من " تهمة " الفلسفة . فقد درس ابن خلدون الفلسفة في أيام شبابه وألّف فيها كتبا عدة منها كتاب في المنطق وآخر في تلخيص فلسفة ابن رشد وآخر لخّص فيه كتاب " المحصل " لفخر الدين الرازي .. وكلها ضاعت ولم يبق منها إلا الكتاب الأخير مخطوطا ومحفوظا في مكتبة الإسكوريال قرب مدريد :

(( ومن الغريب أن ابن خلدون لم يذكر هذه الكتب في كتاب " التعريف " الذي ترجم فيه حياته ، مع العلم أنه ذكر فيه أمورا أقل أهمية منها ، فما هو السبب في ذلك ؟ )) (226) .

ويعتقد الوردي أن السبب في ذلك يكمن في أن ابن خلدون كان يخشى أن يقول الناس عنه أنه فيلسوف فيُتهم بالزندقة :

(( إن ابن خلدون ، على أي حال ، كان يخشى أن يتهمه الناس بأنه فيلسوف . وهذه تهمة كان لها عواقب وخيمة في أيام ابن خلدون . ولكي ندرك مغبة تلك التهمة بجدر بنا أن نطّلع على ما جرى لابن رشد في أواخر عمره . ذلك أنه هو وتلاميذه حوكموا بتهمة الفلسفة ثم صدر الحكم عليهم بنفيهم وإحراق كتبهم . وفي أعقاب ذلك أصدر أبو يوسف المنصور ، ملك الموحّدين يومذاك ، منشورا حذّر الناس فيه من الفلسفة وأنذرهم بالعقاب الشديد . والمنشور طويل نقتطف منه ما يلي :

" فلما وقفنا منهم على ما هو قذىً في جفن الدين ، ودكنة سوداء في صفحة النور المبين ، نبذناهم في الله نبذ النواة ، وأقصيناهم حيث يُقصى السفهاء من الغواة ( ... ) وقفوا في موقف الخزي والهون ، ثم طُردوا عن رحمة الله ، ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون . فاحذروا وفّقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان . ومن عثر له على كتاب من كتبهم ، فجزاؤه النار يُعذب بها أربابه ، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه )) (227) .

ومن هنا ينتقل الوردي إلى معالجة موجزة لمسألة في غاية الخطورة تتعلق بمصير الفلسفة في الإسلام حيث يرى أن هذا المنشور الذي يحذّر الناس من الفلسفة والذي يعكس الجو الفكري الذي كان مسيطرا على المجتمع المغربي تجاه الفلسفة ، يمثّل في جوهره النهاية التي انتهت إليها الفلسفة في المغرب بوجه خاص ، وفي الإسلام بوجه عام . ويمكن للقاريء الكريم أن يجد معالجة أوسع لهذا الموضوع في كتابي جورج طرابيشي : " مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام " (صدر في عام 1998) و" المعجزة أو سبات العقل في الإسلام " (صدر في عام 2008).

# ضد أفلاطون ؛ المجتمع لا يصلحه ملك فيلسوف :

--------------------------------------------------

وإذا كان أفلاطون يرى أن المجتمع لا يتم صلاحه وإصلاحه إلا إذا تولّى أمره ملك فيلسوف ، فإن ابن خلدون يرى خلاف هذا الرأي تماما . ففي رأيه أن من مقتضيات الرفق بالرعية أن يكون الحاكم في مستوى تفكير العامة منهم ، فإذا كان الحاكم يقظا شديد الذكاء أدى ذلك إلى تكليف الرعية فوق طاقتهم وحملهم على ما ليس في طبعهم وذلك " لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم وإطلاعه على عواقب الأمور في مباديها فيهلكون " ويستند ابن خلدون في ذلك على الحديث القائل : " سيروا على سير أضعفكم " . وهو يروي كذلك قصة زياد بن أبي سفيان حيث عزله عمر عن عمله في العراق ، فسأله زياد عن سبب عزله : أهو لعجز أم لخيانة ؟ فقال عمر : " لم أعزلك لواحدة منهما ، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس " .

ووفق قصدية مشروع الوردي التنويري والتثويري نجده يوظّف هذا الموقف للدعوة إلى إشاعة الديمقراطية الحديثة ، فيقول :

(( إن هذا الرأي الذي جاء به ابن خلدون يشبه من بعض الوجوه ما تقول به الديمقراطية الحديثة . فالإنتخاب الذي يتم به الآن اختيار الحاكم يعتمد في الغالب على ما في المرشح من صفات تحبّبه إلى قلوب العامة ، وهذا قريب من مفهوم "نهر الجنون" الذي أسلفنا ذكره ، فإذا كانت الرعيّة مجانين وجب أن يكون الحاكم مجنونا مثلهم ، وإلا فهو لا يستطيع أن يوفّر لهم ما يريدونه ويسعدون به . يقول ابن خلدون : " إعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع عمله أو جودة خطه أو ثقوب ذهنه ، وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم ، فإن الملك والسلطان من الأمور الإضافية ، وهي نسبة بين منتسبين ، فحقيقة السلطان أنه الملك للرعية القائم في أمورهم عليهم ، فالسلطان من له رعية ، والرعية من لها سلطان ، والصفة التي له من حيث إضافته لهم )) (228) .

# سرّ تشابه الطفرتين الفلسفيتين : الإسلامية والغربية الحديثة:

-------------------------------------------------------------

وفي ختام هذا الفصل يقدم الوردي : " فذلكة ختامية عامة " لكنها في حقيقتها أطروحة في غاية السعة والحساسية حيث يستطيع أي مفكر أن يبني على ركيزتها أبنية فكرية تحليلية مهمة في مراجعة الفكر العربي الإسلامي . يقول الوردي في فذلكته :

(( حين ندرس تاريخ الفكر البشري بوجه عام نجد فيه طفرتين أساسيتين : أولاهما الطفرة الفلسفية التي جاء بها الإغريق القدماء ، والثانية الطفرة العلمية الحديثة التي بدأ بها غاليلو وبيكون والتي أنتجت لنا أخيرا هذا التراث الفكري الهائل . وقد رأينا كيف أن الطفرة الإغريقية كانت بمثابة ثورة على التفكير الخرافي الذي كان سائدا على أذهان الناس من قبل . ولكن هذه الطفرة كان فيها العيب الكامن فيها ، حيث وجهت الأذهان توجيها مثاليا عاليا لا يهتم بواقع الحياة ، وكان الفكر البشري إذن في حاجة إلى طفرة ثانية تدفع به نحو الإهتمام بالواقع بدلا من الإهتمام بالمثال . كان المفروض في هذه الطفرة أن تظهر في الثقافة الإسلامية ، بعد أن انتشر فيها المنطق الإغريقي . وقد لاحظنا بوادر هذه الطفرة في الجاحظ وابن الهيثم والغزالي وابن تيمية وغيرهم . ثم تجمعت تلك البوادر عند ابن خلدون بشكل واضح . ولكن الثقافة الإسلامية لم تستمر في نموها بعد ابن خلدون ، فوقفت الطفرة عند ذلك الحد المنقوص . وفي ذلك الحين كانت أوربا تتململ لتستيقظ من سباتها . وكانت أوربا يومئذ لاتزال تحت سيطرة الإتجاه الإغريقي في التفكير . ولذلك اضطر رواد الإتجاه العلمي الحديث أن يكافحوا من جديد . وهذا هو الذي جعلنا نلاحظ شبها كبيرا بين ملامح الطفرة الفكرية التي قاموا بها وتلك التي شهدناها عند الرواد المسلمين . إن الشبه الذي نلاحظه مثلا بين الغزالي وكانط ، أو بين ابن تيمية وبيكون ، أو بين ابن خلدون وعلماء الاجتماع الحديثين ، ليس من قبيل المصادفات النادرة ، إنه مما تقتضيه طبيعة الطفرة التي حاول القيام بها هؤلاء وأولئك )) (229) .                   

 

 

تاريخ النشر

17.08.2015

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

17.08.2015

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org