<%@ Language=JavaScript %> د. حسين سرمك حسن محبرة الخليقة: (62) تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

 

 

محبرة الخليقة: (62)

 

 تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

 

 

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

2012 2013

 

 

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً

 

ريشة في محبرة الريح:

أضفني إلى النصّ وإلّا ستُمحى

-----------------------------

(                    وهلْ

زمنُ الخلقِ واحدْ ؟

تثلّثَ ، ثمّ توحّدَ حتى غدا البَعدُ

يصنعُ ما قبلهُ ، وغدا الآنَ قبلَ ، وقبلُ هو الآنَ ؟

أمْ زمنُ الخلقِ كلٌّ بداخلهِ اثنانِ ليسا سوى هوَ

فيهِ ؟ أمْ أنّ الذي قدْ قرأتُ نبوةُ ما كانَ وحياً

فأصبحَ حدساً ؟ وهلْ ما أنا أقرأُ الآنَ حدسٌ به

ينزلُ الوحيُ في صورةِ الحدسِ ، والحدسُ

في صورةِ الشعرِ ، والشعرُ في صورةِ الخلقِ ،

والخلقُ في صورةِ الشيءِ ، والشيءُ في صورةٍ ليسَ

تبقى إذا لمْ

تُنقّحْ

لتصبحَ

أوضحْ ؟

ويصبحَ ما هو أوضحُ أغمضَ

يسبحُ في سرّهِ كبياضٍ من الملحِ في

زرقةِ البحرِ

يسبحْ

ويُحذفُ

من

كلِّ نصِّ الغمامِ

المجنّحْ )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يفتتح الشاعر هذا القسم "ريشة في محبرة الريح" (ص 1619 1682) بالتساؤل الذي طال انتظاره في وجدان المتلقي كي يكمل سلسلة التساؤلات الطويلة التي شهدتها رحلة النصوص الطويلة والشاقة السابقة : (تُرى منْ تكون ؟) . فقد سرنا مع الشاعر في رحلة مدوّخة مع نتائج هذا الذي لا نعلم من يكون ، وأرعبتنا دوّامة مصير المكوّن الأصلي لهذه النتائج ، الوحيد حامل العقل الشقيّ الذي يتساءل عن مصير الاشياء في الكون وهو في الحقيقة يتساءل عن مصيره الشخصي بعد أن حاز لعنة العقل ؛ وهو الإنسان ممثلاً هنا بالشاعر ، صوتنا ، الذي صار مؤكدّاً أنه على الأقل من وجهة نظري كناقد يحلل نصّ ، وهو نصّ واحد في روحه ومبتغاه ومآله ملحمة أو محبرة الخليقة هذه قد تعّب كثيراً في سبيل أن يخلق قصّة خليقة خاصة ومتفردة به لكنها جاءت مثل وجودنا المرعوب المهدّد "ريشة في محبرة الريح" . وهذه قد تكون حتمية لأن المخيلة الشعرية مهما حلّقت وجنحت وجمحت ، فلن تستطيع أن تستمدّ موادها الأوليّة لتشكيل عوالمها إلّا من أرض هذا الواقع الذي وضعت أسسه قصّة الخليقة الأصلية وصنّاعها الماهرون عبر الدهور . وبعد أن تساءل الشاعر كثيراً وحدّ التخمة عن كنه هذا الكون ومصيره ، مازال يعلم ، ونحن معه ، أنّ كنه الكون ماضٍ فكّ اسراره على يدِ العالِم الصاعد ، وأن مصير الأشياء ما زال يتأمله بهدوء مزعج الفيلسوف ، ولكن لا أحد يستطيع القترّب وبجسارة من دائرة المصير الشخصي الملتهبة مثل الشاعر ، فأكثرنا يدفن أفكاره عن الموت مثلما يدفن موتاه في التراب . وحتى الشخص المحتضر يرفض سماع كلمة الموت بالرغم من أنه في حضن الموت نفسه ، أو كما يقول "لاروشيفوكو" : "إن ثمة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء : الشمس والموت" . وهنا تتجلى واحدة من أهم عطايا الشعر خصوصاً ، والفن عموماً ، وهي توفير القدرة على التحديق في عيني الموت . ولا يكتفي جوزف حرب بالتحديق طويلاً وطويلاً جداً في عيني المثكل في مسيرة ملحمته الطويلة هذه حسب ، بل يتجاسر ويسائل من قدّر وأرسل هذا المثكل الشرس ، يسائل ربّه :

(                        تُرى

من تكون ؟

وهل ما قرأتُ من الشعرِ شعرُكَ ؟

هل أنت ذو القبلِ ؟ أمْ أنكَ الآنُ ؟ أمْ أنّكَ

البعدُ ؟ هل أنتَ أنتَ أمِ الآخرونَ ؟ وأنتَ الذي

خطّ ذا الشعرِ ، أمْ آخرٌ ؟ هلْ أتتكَ القصائدُ

من زمنٍ سيجيءُ ، وحلّت عليكَ بماضِ الزمانِ ؟

وهلْ جُمِعَ القبلُ والآنُ والبعدُ في واحدٍ ليسَ

يقدرُ إلّاهُ أنْ يكتبَ

هذي القصائدَ ؟ - ص 1620) .

وفي خطوةٍ أولى قام جوزف بـ "شخصنة" الذي يتساءل عنه بمقتضى صورته الشخصية هو نفسه فقد جعله شاعراً مثله ، واستفهم منه للتأكّد ثانية هل هو كاتب هذا الشعر ؟ وهل جاءته القصائد من المستقبل وحلّت عليه في الماضي . ثمّ حار في تعريف أبعاده مقسوماً على محور الزمان السرمدي وهو يجمع : الماضي والحاضر والمستقبل ، وجمع بين محور الزمان بمحطاته الثلاث ، ومحور القدرة ، وجعله الزمان مشخصّاً في القدرة الإبداعية الشعرية التي تجمّعت في واحد لا يستطيع غيره كتابة القصائد التي لم يحدّد نوعها حتى الآن ولا طبيعتها . ولكنها تجمّعت في ما يعدّه مالك "زمن الخلق" الذي تتفجّر في روح الشاعر التساؤلات عن طبيعته ، وقد تحوّل من "أنتَ" إلى "هو" الذي جعله يلتبس مع "هو" الزمان الذي يجمع القبل والبعد في "موقف" الآن على الطريقة الصوفية التي رآها الشاعر غريبة عنه وتعالى عليها . فالشاعر حتى الآن لا يبغي "الوصول" بل يترك مسافة للتساؤل بينه وبين "هو" المطلق ، فبالوصول تنتفي الحاجة للتساؤل بل تصبح محرّمة . يُختصر الزمان بكل أبعاده : القبل والبعد والآن ، يصيران اثنين في واحد هو الآن . والشاعر محكوم بأن يقف "الآن" بعيداً عن "الهو/الأنت" الذي يتحرّك على محور سرمدي يجمع الأبعاد الثلاثة على متصل يستحيل تحديد موقعه عليه أو فيه ، وهو يتمظهر في تلك القصائد التي اقلقت لبّ الشاعر واستولت عليه ، ولم يستطع تحديد طبيعتها ، وصار يستفهم عنها وفق أبعاد متصل الزمان : القبل (الماضي) وهل "قرأ" فيه وحي النبوّة وقد صار حدْساً ، والحاضر (الآن) وهل "يقرأ" فيه حدس النبوة وقد نزل في صورة الحدْس ذاته ، ليصل الشاعر عبر سلسلة تحوّلات من صورة الحدس إلى صورة الشعر فصورة الخلق ثم صورة الشيء . وهذه السلسلة كأنها سلسلة الخلق الشعري عند الشاعر ، فنحن كبشر نقيس ما هو "موضوعي" خارجي على ما هو "ذاتي" داخلي . وصورة الشيء الأخيرة لن تدوم وتثبت إذا لم تُنقّح لتكتسب ملامحها النهائية . وكأننا نحتوي في "صورنا" على "حدسنا" الغامض الكامن الذي تنزّل به الوحي ، ويصبح ما كان واضحاً أشدّ غموضاً كبياض من الملح يسبح في زرقة البحر ، لكنه لن يكون ماثلاً في بياض النص الأخير / الإستحالة الأخيرة : الغمام . ولا أعلم كيف أصف هذا الموقف المتبتل في حضرة "الخلق" لا الخالق الذي ظلّ بعيداً ، وهذه المداور اللغوية الرمزية العجيبة ؟! هل أصفه بالصوفية المحدثة ؟! :

(                    وهلْ

زمنُ الخلقِ واحدْ ؟

تثلّثَ ، ثمّ توحّدَ حتى غدا البَعدُ

يصنعُ ما قبلهُ ، وغدا الآنَ قبلَ ، وقبلُ هو الآنَ ؟

أمْ زمنُ الخلقِ كلٌّ بداخلهِ اثنانِ ليسا سوى هوَ

فيهِ ؟ أمْ أنّ الذي قدْ قرأتُ نبوةُ ما كانَ وحياً

فأصبحَ حدساً ؟ وهلْ ما أنا أقرأُ الآنَ حدسٌ به

ينزلُ الوحيُ في صورةِ الحدسِ ، والحدسُ

في صورةِ الشعرِ ، والشعرُ في صورةِ الخلقِ ،

والخلقُ في صورةِ الشيءِ ، والشيءُ في صورةٍ ليسَ

تبقى إذا لمْ

تُنقّحْ

لتصبحَ

أوضحْ ؟

ويصبحَ ما هو أوضحُ أغمضَ

يسبحُ في سرّهِ كبياضٍ من الملحِ في

زرقةِ البحرِ

يسبحْ

ويُحذفُ

من

كلِّ نصِّ الغمامِ

المجنّحْ ص 1620 و1621) .

وعبر سلسلة "الحذف" هذه التي يبتكرها جوزف حرب وهي عكس السلسلة "الحلولية" الصوفية  سوف ننتقل بهدوء من وحي النبوّة - وعبر سلسلة من الصور لنستقر في التراب ، وإلى ما قد كان غامضاً واتضح بعد أن تنقّح . وحيث يمكن أن نمسك بمتصل الزمان بأبعاده الثلاثة وقد تكثّف في روح زهرة أو في قوام شجرة أو خضرة عشبة أو ساق زرع . وقد انتقى الشاعر المفردة المناسبة التي تصوّر نتيجة هذه السلسلة من العمليات الكونية بـ "الموشّح" الذي تتزيّن به المرأة الحسناء (الطبيعة هنا) وتضعه مرصّعاً باللآليء والجواهر - بين عاتقها وكشحها . وهذا التعبير يشترك مع "الموشح" الشعري الذي يوصف بأنه يقوم عادة على المبالغة في الرقّة والموسيقى والتزويق والعذوبة . وليست مظاهر هذا الموشّح الجميلة الرائعة المتشابكة ، التي يتسلّمها إدراكنا عبر أعيننا ، وحداتٍ مستقلة ومكتفية بذاتها ، إنّما هي "خلاصات" للكون كلّه . ففي الزهرة الواحدة والشجرة السامقة والعشبة المفردة والغصن المتمايل تجتمع كلّ استحالات تلك السلسلة التي بدأت بالوحي وقد صار حدساً فشعراً فخلقاً ... فزهرة أو شجرة أو عشبة أو غصناً . أي أن ما نراه من اكتمال وضوح مكوّنات الموشّح هذه هو في غاية الغموض .. هو في الحقيقة الغموض وقد تفتّح :

(                  ويُحذفُ نصُّ الغمامِ ليصبحَ ماءً

بريشةِ ريحٍ ، ويُحذفُ نصُّ المياهِ ليصبحَ في أبحديةِ

هذا الترابِ كلامَ موشّحِ عيدِ الفصولِ الذي وهو

يُكتبُ لولا التخففُ منْ كلِّ ملحِ البحارِ ، التنقّحُ

من كلِّ غيمٍ ، ومن كلّ ماءٍ

لما خُطّ فوق الترابِ ،

وأصبحْ

موشّحْ

تضمّنَ أسرارَ

كلِّ الذي جاء منهُ ، غموضَ الولاداتِ والخلقِ ،

حيثُ إشاراتُ ما هو فيهِ خفيٌّ

نراها

بما

قد تفتّحْ

من الزهرِ ، ما قدْ غدا شجراً ،

عشبةً ، ساقَ زرعٍ ، وما قد تذوّب من كلّ لونٍ

وما قد تحوّلَ عطراً ، ورقصاً

غدا في قوامِ الغصونِ

وروّحْ .

موشّح . ص 1622 و1623) .

وهذا الموشّح / النصّ سوف يُكتب في كل سنة مع انبعاثة كلّ ربيع . ومشكلته التي تثير الإنسان الشاعر وتعجزه هي أنها تتجدّد في كل مرّة ، في حين أن الإنسان كذات ووجود / كنصّ يُكتب وينتهي مرة واحدة ، يقرؤه الزمان ويلقيه خلف ظهره .. كائن هشٌّ محصور في الآن بين لانهائيتي القبل والبعد .. بين الأزل والأبد . وهذا الإحساس الموجع بالهشاشة يستفزّ الدفاعات النرجسية لديه ، فيندفع للإنكار والتاكيد المتحمّس على أنه هو الجديد ، وأن الجدّة كامنة أصيلة في وجوده ، وليست عرضيّة زائلة . كما أنه يعود ليجعل كينونته مثل الطفل مركزاً للكون لا يستقي أيّ مكوّن من مكوّنات الأخير معناه ودلالة وجوده إلّا منه ، وإذا كان يعيش في حرب لا هوادة فيها بين الصيرورة والكينونة ، فإنّ هذه المعضلة تشمل "الأنت" أيضاً ، مثلما تشمله هو ، فيصبح هذا التعدد وفرة وامتيازاً بعد أن كان دليلاً مؤكّداً على أنه من ضحايا الزمان الذي يجرفنا بلا هوادة وبلا رحمة كل لحظة ، ليشكّل الفارق الرهيب الذي لا يمكن ردم هوّته السحيقة بيننا وبين الله ، ولنصبح "مطلقاً" على طريقتنا في التذبذب بين لحظة كمون البدء الجنينية في "الملح" والملح من أعظم مكوّنات قاموس جوزف حرب الشعري لغة ورمزاً - والشوط الذي يتبع مغادرته لكي نتكوّن ، وهو شوط هزيل قياساَ بمن يجمع القبل والبعد والآن في قبضته ، سواءً أكان "أنتَ" ، أو "أنتَ وغيره" ، أو"غيره الذي قد لا يكون سوى غيره" :

(                       موشّحْ

سيُكتبُ في كلِّ عامٍ ، ويبدو

جديداً ، برغم تناسخِ اشكالهِ . والجديدُ بهِ كائنٌ

فيَّ لا فيهِ . فالياسمينةُ ليستْ سوى الياسمينةُ ،

لكنْ ، مضافاً إليها أنا . وأنا ليسَ أنتَ ، وأنتَ

لعلّكَ أنتَ وغيركَ . غيرُكَ قد لا يكونُ سوى

غيرهِ . وأنا قد لا أكونُ أنا . أنا فيه أنا وسواهُ .

سِواهُ يُضافُ إليهِ سواهُ . فلا شيءَ إلّا تداخلَ

حتى غدا كلَّ شيءٍ ولا شيءْ .

لا بدَّ

مِنْ أنْ نعودَ إلى الملحِ .

لا بدّ

منْ أنْ نغادرَ لنكونَ .

تُرى

من تكونْ ؟ ! ص 1623 و1624) .

 

 

 

 

 

تاريخ النشر

20.03.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

20.03.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org