<%@ Language=JavaScript %> دوغ وير ترجمة سعد السعيدي ربع قرن على "الحرب الأشد سمية في التاريخ"

 

 

مقالة مترجمة

 

ربع قرن على "الحرب الأشد سمّية في التاريخ"

 

 

دوغ وير (*)

 

ترجمة سعد السعيدي

 

 

بعد مضي ربع قرن على اول استخدام واسع النطاق لذخائر اليورانيوم المنضب ، هل جرى تعلم الدروس حول ضرورة حماية المدنيين والعسكريين والبيئة من التلوث الناتج عن الصراع والمخلفات السامة للحرب ؟

تصادف هذا الشهر الذكرى السنوية الخامسة والعشرون لبداية عملية عاصفة الصحراء ، المرحلة القتالية من حرب الخليج. هذا الصراع الذي عجل حدوثه غزو العراق للكويت وضمها في آب 1990 ، كان الاول الذي رأى الاستخدام الواسع لذخائر اليورانيوم المنضب فيه. وقد اعترفت القوات الأمريكية والبريطانية في وقت لاحق باطلاق 286.000 من هذه الذخائر مجتمعة ، حيث أطلق الغالبية العظمى منها من دبابات الأبرامز وال أم 60 الأمريكية وطائرات ال أي 10 والهارير.

 

كان من شأن قرار نشر الأسلحة المشعة والكيميائية السامة التي كانت قيد التطوير منذ الخمسينات باعتبارها الاجابة لمخاوف الحرب الباردة المتعلقة بإلحاق الهزيمة بالفرق المدرعة السوفييتية ، أن يصبح مثيرا للجدل بشكل شديد في السنوات التالية. وبمجرد ما بدأ يهدأ حماس وسائل الإعلام والعسكريين لما تم الترويج له باعتباره نموذجا جديدا في حروب التكنولوجيا الفائقة والمنخفضة الإصابات ، بدأ قدامى المحاربون والصحفيون ومنظمات المجتمع المدني في امريكا وبريطانيا بالطعن بشكل متزايد في السلوك العام للحرب وفي استخدام اليورانيوم المنضب على وجه الخصوص.

 

وكان يتوجب توقع هذا بشكل كبير حيث جرى التهيؤ له ستة أشهر فقط قبل اندلاع الصراع وذلك في دراسة للجيش الامريكي حول المخاطر البيئية والصحية لليورانيوم المنضب حيث ذكر فيه : "انه قد جرت الاشارة إلى جهود العلاقات العامة التي ربما قد لا تكون فعالة بسبب التصور العام للنشاط الإشعاعي. إن نشاطات نشر القوات والعمليات القتالية تظهر إمكانية رد الفعل الدولي السلبي". وقد اعترف اولئك الذين يرغبون في الاستمرار في استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب بأنهم بحاجة للتخطيط لجهود قوية في العلاقات العامة من أجل تبرير استخدامها المتواصل ، وهو النمط الذي يستمر اليوم. بعد عام 1991 ، شهد هذا النمط الاعلان عن هذا السلاح بكونه الحل السحري. اي انه السلاح القادر على إنجاز المآثر المذهلة بمكان والشديدة الاهمية عسكريا بحيث يتوجب تجاهل أية مخاوف بشأن آثاره الصحية والبيئية المحتملة.

 

"الحرب الأشد سمية في التاريخ"

مثلما بدأت أعدادا متزايدة من قدامى المحاربين الابلاغ عن مشاكل صحية بعد خدمتهم العسكرية في السنوات التي تلت ذلك ، بدأ الاهتمام بالتركيز على حالة السمية الشاملة للصراع. فمن حرائق النفط والمبيدات الحشرية الى استخدام الأسلحة الكيميائية والتخلص منها ، كان ينظر إلى حرب الخليج على نحو متزايد بكونها "الأشد سمية في التاريخ". وسواء كانت تلوث مرتبط بالصراع تطور بالتوازي مع مكننة الحرب والتصنيع اللذين انتشرا خلال كامل القرن العشرين ، أو انها كانت تمثل مجرد وعيا متناميا للروابط بين المواد الكيميائية والصحة ، فإنها تكون موضع جدل. ومع ذلك فإن اسئلة قد طرحت حول ما إذا كان التعرض المحتمل لمجموعة من المواد الكيميائية يمكن أن يكون مسؤولا عن الامراض التي ذكرت من قبل قدامى المحاربين. وقد تراوحت هذه من العيوب الخلقية الى التعب المزمن ، وأدت إلى ظهور المصطلح العام "متلازمة حرب الخليج".

في العقد الذي تلا فإن عددا من المراجعات الداخلية الناتجة عن القلق العام حول احوال قدامى المحاربين قد اشر على المشاكل الناجمة عن التسرع في نشر أسلحة اليورانيوم المنضب. على سبيل المثال وجدت مراجعة تعود للعام 2000 اجريت من قبل مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بأنه كانت هناك إخفاقات كبيرة في سياسات التدريب الهادفة إلى تقليل حالات تعرض العسكريين لليورانيوم المنضب. كما وجدت خللا في نظم جمع البيانات اللازمة لتحديد مستويات التعرض والآثار الصحية اللاحقة ليس فقط لليورانيوم المنضب ، وإنما أيضا لحالات التعرض للمواد السامة الأخرى.

في حالة اليورانيوم المنضب أصبح من الواضح أيضا بأن افتراضات غير مبررة علميا قد جرى طرحها حول المخاطر الصحية التي يشكلها. وقد تراوحت هذه من المعلومات الأساسية حول كمية اليورانيوم المنضب التي تتحرر في الجو عند إصابة الأهداف ، الى الاستجابات البيولوجية المعقدة داخل جسم الإنسان عندما تستهدف خلاياه ، مع إن الدراسات المختبرية على الحيوانات اللازمة لتحديد دور اليورانيوم المنضب في التسبب بالسرطان كانت قد بدأت فقط في العام 2000. بالنسبة لاولئك اللذين تعرضوا الى حوادث النيران الصديقة ، أو اللذين عادوا إلى أو قاموا بإصلاح المركبات المصابة بقذائف اليورانيوم المنضب ، كان من الواضح بأن المعرفة العلمية المتاحة حول هذه القضايا وغيرها كانت غير كافية للرد على مخاوفهم حول المخاطر الصحية التي تواجههم.

الدرس الواضح من استخدام اليورانيوم المنضب في عام 1991 هو توجب توفر اكبر كمية من البيانات حول المخاطر الصحية والسلوك البيئي للمواد المستخدمة في الذخائر قبل أن يتم نشرها مع القوات. وفي الواقع ، ينبغي أن يكون توفر هذه البيانات شرطا مسبقا لتحديد كل من شرعية ودرجة تقبل الذخائر قبل استخدامها. في الاندفاع لنشر هذه الأسلحة ، وجد دعاة استخدام اليورانيوم المنضب بأنه من السهولة بمكان الاعتماد على الافتراضات التي لا تستند على أدلة علمية قوية. وبالمثل ، فإن غياب وجود رصد دقيق لحالات التعرض للمواد السامة الاخرى في ساحة المعركة قد أعاق الجهود لتحديد سبب أو أسباب "متلازمة حرب الخليج" بين العسكريين. وهو نفس الوضع الذي كان قد شهده قدامى المحاربين من قبل خلال الصراع في جنوب شرق آسيا عندما تم بذل جهود لتحديد درجات تعرضهم لمبيدات الأعشاب الحاوية على مادة الديوكسين.

 

تزايد المخاوف بشأن سلامة المدنيين العراقيين

استغرقت المخاوف بشأن المخاطر الصحية لأسلحة اليورانيوم المنضب التي يتعرض لها المدنيون العراقيون وقتا أطول لتظهر. لكن بحلول عام 1996 بدأت تدور تقارير مصدرها الصحفيين الغربيين ممن قاموا بزيارة المستشفيات العراقية. وقام الاطباء بتحديد التغيرات في مستويات بعض أنواع السرطان والتوزيع العمري لها ، وفي انتشار التشوهات الولادية على الرغم من تأثرهم بقسوة من نظام العقوبات الدولي الذي منع الحصول على المعدات الأساسية والأدوية.

 

وكان لتسييس النتائج من قبل النظام العراقي وعدم الاهتمام بالآثار الإنسانية المترتبة على إرث الصراع عام 1991 قد ساهم في العجز عن المعالجة المجدية لهذه التقارير. ومع ذلك فالمشاكل التي واجهت الجيش الامريكي في محاولة تحديد الآثار الصحية التي ذكرها عسكرييهم خلال التسعينيات تطبق أيضا بالنسبة لأولئك الذين سعوا ويواصلون السعي لفحص تأثير الأسلحة على المدنيين العراقيين.

وكما كان الحال مع العسكريين ، فإن أنظمة تتبع وتسجيل حالات التعرض للعوامل البيئية المحتملة للتجمعات السكانية في فترة الصراع كانت ولا تزال غائبة إلى حد كبير. اما آليات تحذير المدنيين حول احتمالات التعرض للعوامل البيئية فهي معدومة إلى حد كبير ، على الرغم من مخاطر التلوث العديدة الموجودة في الصراعات المعاصرة. ونظم متابعة حالات التعرض الممكنة من أجل تحديد الآثار الصحية على المديين المتوسط ​​والطويل فهي غير معروفة تقريبا. وحتى لو تواجدت البحوث الوبائية أو بحوث التعرض ، فغالبا ما يتم إجراؤها بشكل مستقل مع الحد الأدنى من الموارد ، والنتيجة دراسات قد تكون محدودة في فترة إجرائها أو في الجغرافيا التي غطتها والتي يمكن أن تترك المنهجيات عرضة للانتقاد.

المعيار الجديد ؟

كان التلوث الناجم في عام 1991 قد تسبب بتأثر العسكريين والصحة العامة والبيئة في جميع أنحاء منطقة الخليج العربي ، مع أعمدة دخان تتنقل لمسافات 1600 كيلومتر وبقع نفطية تؤثر على طول 440 كيلومترا من السواحل ، لكنه لم يكن فريدا من نوعه وفقا للمعايير المعاصرة. إذ يعتقد ايضا بان الصراع في أوكرانيا قد انتج تلوثا كبيرا ، وذلك عائد الى ان القتال كان يدور في احدى اكبر المناطق الصناعية على الأرض. من جهة اخرى ، تسببت عمليات القصف الروسي وقوات التحالف الحالية على المنشآت النفطية الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش في سوريا بتلوث الهواء والماء والتربة ايضا على نطاق واسع. ومن المرجح أن يكون هذا هو الحال بالنسبة للصراع ككل ، والذي شهد تحول نصف مجموع المساكن السورية إلى انقاض والقتال حول وداخل المناطق الصناعية أيضا. فمن العراق إلى ليبيا وجنوب السودان ، غالبا ما تكون مرافق النفط والغاز ذات القيمة الاستراتيجية من الأهداف المفضلة للجيوش والجماعات المسلحة على حد سواء.

يساهم عدم الاستقرار والصراعات المسلحة أيضا في تحلل الأطر المؤسسية التي تقوم بحماية البيئة والصحة العامة. وهذا يؤدي الى حدوث التلوث في حد ذاته. فعلى سبيل المثال فإن انعدام وجود إدارة للنفايات الصناعية أو المنزلية يعني أن القدرة على معالجة تهديدات التلوث على الصحة العامة والبيئة بشكل صحيح تكون غائبة. ويمكن لعدم الاستقرار ان يبطئ ايضا أو يوقف التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف ، سواء المتعلقة بالنفايات او المياه او التنوع البيولوجي بحيث يضمن استمرار الإرث البيئي للصراع المسلح إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية. وبجانب الضرر البيئي المباشر الناجم عن الصراع ، سيكون لتضاؤل الإدارة البيئية والقدرات المؤسسية آثار خطيرة على تحقيق الأبعاد البيئية لأهداف التنمية المستدامة.

ما تكون الدروس المستفادة ؟

ماذا تعلمنا ، بعد ربع قرن من الزمن على حرب الخليج ؟ كما جرى توقعه في العام 1990 ، لم تصبح أسلحة اليورانيوم المنضب لاحقا اكثر مقبولية بأي شكل ، مع تدليل الأغلبية الساحقة من الدول على قلقها كل عامين في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد ساعد هذا على تشجيع التحول في السياسة الأمريكية على استخدامها. فما زال قدامى حرب الخليج يسعون للحصول على اعتراف لامراضهم ، إلا ان التجارب من عام 1991 ، وحرب فيتنام قبل ذلك قد ساعدت على تحفيز التقدم على جمع "المعلومات البيئية" للقوات التي ترسل للقتال.

وبدرجة اقل من ذلك كان التقدم الذي احرز لصالح المدنيين الذين يعيشون في بيئات ملوثة بسبب النزاع ، وأكثر من ذلك بكثير من الممكن وينبغي أن يتم جمع البيانات حول المخاطر البيئية وإدماجها في المساعدة الإنسانية وانظمة الصحة العامة. أما بالنسبة لحماية البيئة في أوقات الحرب ، فلم يتغير شيء يذكر منذ عام 1991. ولهذا السبب تستحق أوكرانيا الثناء لرعايتها قرارا حول ضرورة توفير حماية أكبر للبيئة والاستجابة بشكل أكثر فعالية للفترة قبل انعقاد اجتماع مجلس الأمم المتحدة للبيئة في شهر أيار / مايو القادم.

في العام الماضي، أنجز "مشروع مخلفات الحرب السامة" the Toxic Remnants of War Project دراسة بحثت ما إذا كان ثمة آلية رسمية اكثر تنظيما للمساعدة البيئية في مرحلة ما بعد النزاع لا تساعد على معالجة الضرر البيئي في زمن الحرب لحظة حدوثه فحسب ، وإنما تساعد أيضا في تعزيز المعايير ضد السلوكيات العسكرية الأكثر إضرارا. لإستلهام الافكار ، راجعنا المعاهدات الخاصة بالألغام الأرضية والقنابل العنقودية ، وأيضا القواعد والمبادئ التي ينص عليها القانون الدولي البيئي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. لقد كانت في المقام الأول عينة مثيرة للإهتمام ، حيث أظهرت بوضوح أنه يمكن بسهولة تحويل عناصر من هذه الانظمة الى حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة إن أمكن تعبئة الإرادة السياسية لمعالجة الموضوع بطريقة هادفة.

 

إن بناء الإرادة السياسية من أجل التغيير الممنهج الذي يمكنه اصلاح الردود القائمة المخصصة للأضرار البيئية أبان فترة الحرب ، وتحدي ضعف الحماية الحالية بموجب القانون الإنساني الدولي، يشكلان تحديا هاماً. إلا إنه إذا فشلنا في إنجاز ذلك ، فهذا يعني تجاهلنا لدروس نزاع عام 1991 ودروس العديد من النزاعات التي حصلت منذ ذلك الحين.

ــــــــــــــــــــــ

(*)

المقالة نشرت على موقع " التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم"(ICBUW) بتاريخ 1 شباط / فبراير 2016 ، وكاتبها دوغ وير (Doug Weir) هو المنسق الدولي للتحالف. وهو يدير "مشروع مخلفات الحرب السامة" (the Toxic Remnants of War Project) الذي يدرس تراث البيئة والصحة العامة التلوث الناجم عن الصراع. ويقف هذا المشروع خلف " شبكة مخلفات الحرب السامة" حيث انه احد مؤسسيها ، وهي تطالب بمستوى أكبر من الحماية للبيئة في اوقات الصراع.

 

http://www.bandepleteduranium.org/en/the-most-toxic-war-in-history-25-years-on

 

 

 

تاريخ النشر

19.02.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

19.02.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org