<%@ Language=JavaScript %> د. إقبال محمدعلي المرأة ذات التلفون

 

 

 

المرأة ذات التلفون

 

 

بقلم : د. إقبال محمدعلي

 

كان علي شراء بعض الاغطية لحشية الفراش ، ولم يعُقِني ألم الساق الذي بدأت اعاني منه مؤخراً ، من الذهاب. نزلت إلى الشارع بعد  الفطور ،متوجهة إلى مجمع ( دافرِن) التجاري الواقع في في وسط مدينة تورنتو... توقعت ان يكون الجو بارداً بعد سماعي نشرة الاخبار الجوية  في البيت ، لذا لبست معطفاً ثقيلاً ، ويبدو ان النشرة لم تكن دقيقة إذ ان الهواء كان لطيفاً عذباً  والشمس ترسل شعاعاً خفيفاً دافئاً ، ندمت عل لبس المعطف الثقيل ، لكني أيضاً ، لم اكن متشجعة  في العودة إلى البيت لتغيره . دخلت مخزن ( وول مارت ) الضخم ،أشتريت ما احتاجه من أوعية لحشية الفراش بعدها صعدت بالدرج المتحرك إلى قسم الخضروات لشراء الطماطم و الجزر و بسبب وخزات الالم في ساقي ، نسيت شراء علبة القهوة و لكنني لم أنس شراء بعض الضمادات لتغطية الجرح الذي اصبت به عند استعمالي السكينة الحادة الصغيرة التي اشتراها لي زوجي مؤخراً . رغم ان المسافة  للوصول إلى مجمع دافرن قصيرة ، إلا انه كان علي تغيير الحافلة مرتين : الاولى ركوب (الستريت- كار) ، التغير الثاني سيكون في حافلة عادية .. خرجت من المجمع ،احمل اكياسي الضخمة الكبيرة التي تعِجُ بمشترياتي الضرورية متوجهة إلى موقع انتظار الحافلة التي ستحملني إلى بيتى .. كان الم قدمي اليسرى الحاد يشغلني عما حولي ... فجأة ، صحوت على صوت امرأة عال تقف إلى جانبي . كان علي ان ارفع نظري إلى الاعلى فالمرأة طويلة ،ممتلئة الجسم  ، كنت أبدو عنزة صغيرة  إلى جانبها. كانت بيضاء البشرة بعينين سوداوين ، لامعتين كحيلتين، وفم صغير بشفتين ممتلئتين . شعرها أسود مجعد قليلا، مسحوب بكسل  إلى الخلف ... وجه محبب ذو  نظرة حزينة...  كانت تتحدث بغضب و حِرقة ، بتلفونها النقال مع شخص ما بلغة انكليزية طليقة ، تنتقل بعدهاإلى الاسبانية لتعود مرة اخرى إلى الانجليزية .. استشففت من حديثها انها كانت تتكلم مع زوجها او صديقها طالبة منه التخلي عن اصدقائه ( المَثليين ) الجدد لأنها لا تستطيع ان تتقبلهم كأصدقاء : انت تعرف موقفي من هذه القضية ،عليك ان تتعلم كيف تحترم ذلك .. ، ويبدو انه قاطعها في هذه اللحظة ، سمعتها تصيح مرة اخرى : كلا ، اذهب وحدك إلى هناك ..و انا ذاهبة لا ادري إلى أين ، فلا تبحث عني .. مرت لحظات ساد فيها السكون، رفعت عيني بفضول ، وجدتها تمسح دمعة .. خفضت نظري احتراما لحالتها .

كانت هناك عجوز تقف غير بعيد عني، تسأل الاخرين ، عن الحافلة الذاهبة إلى مستشفى ( سانت جوزيف) ... استدرت إلى السيدة و قلت لها: ابقي معي لأنني سأخذ الباص نفسه . اطمأنت السيدة ووقفت قريباً مني. وجدت نفسي أواجه محل مارشال للملابس  ، استدرت بجسمي إلى الشارع لأتاكد من وصول الحافلة ليقع نظري على رجل متكئ على الحائط في نهاية الواجهة و المرأة ذات التلفون تبدو في نهاية حديثها معه متوجهة مرة ثانية إلى مكان انتظار الحافلة حيث كانت تقف سابقاً . كان الرجل اقصر منها ،لا يبدو على وجهه الغضب ، ظل محافظاً على هدوئه و هو يستمع إلى تعليقاتها الغاضبة هادئاً مما جعلني احكم على مدى ذنب هذا الرجل و خوفه من فقدان  هذه القلعة التي يبدو حيالها كصبي صغير . كان ممتلئ الجسم ذا شعر اسود فاحم ( مصبوغ) يلبس ملابس رياضية، رمادية اللون . إذن كانت  تتحدث بالتلفون مع هذا الرجل ! هذا ما كنت افكر به عندما سمعت، صوتها  يتعالى مرة اخرى  : قلت لك انني لن اعود ، آن الاوان ان تعرف كيف تحترمني امام اهلك ، امك ، اختك .. لا استطيع ان اتحمل الطريقة التي تعاملني بها امام هؤلاء.... كلا اذهب وحدك لأصدقائك الخنيثين  .. كلا لن أتي ...  انهت المكالمة ، إذ كان عليها صعود الحافلة .. وضعت مشترياتي الكثيرة جنب مقعدي و طمأنتُ المرأة العجوز بأنني لم انس ما وعدتها به و إذا بي اسمع صوت المرأة الاخرى العالي الغاضب من بعيد، مرددة على الرجل في وسط الحافلة ، امام الناس ،العبارات نفسها .. حزنت لحالها  . تذكرت حالي مع زوجي السابق ، تذكرت عدد المرات التي كنت أغادر فيها البيت حافية القدمين بسبب مرارة الكلمات القاسية و الاهانات التي كانت تتردد على لسانه ندما يفقد اعصابه على أشياء تافهة . كنت ادور لساعات في الشوارع كالمجنونة، اعود بعدها إلى البيت ، إلى اطفالي مشفقة عليهم ، لأجنبهم غضبه عليَ  ترك البيت ، استمر هذا الحال لمدة ثمانية عشرعاماً، إلى ان واتتني الشجاعة يوما ما ، ان اطلب منه ان مغادرة البيت إلى غير رجعة .

كان علي ان اغير الباص ، طلبت من المرأة العجوز ان تتبعني .. استدرنا بعد مشي قليل ناحية اليسار في انتظار االستريت كار.. كانت المشتريات ثقيلة والم قدمي يشتد ، قررت الجلوس على احدى دكات المدرج الحجري الصغير خلفي .. تأتي بعض الفرق الموسيقية الجوالة صيفاً لتعزف في هذا المكان أو ان يجلس ساكني المنطقة  أو العابرين على درجاته للتمتع بشمس الصيف أو الجوء للراحة كما في حالتي لما تعانيه ساقي المسكينة من ألم ... كانت المرأة ذات التلفون جالسة هناك أيضاً تتحدث مع الرجل مرددة نفس الكلمات بصوت عال و بعناد : لن اعود .. قلت لك لن اعود .. ثم اغلقت الخط ... كانت تبدو، متعبة بائسة في هذه اللحظة . لم اتمالك نفسي ، التفت اليها قائلة : آسفة لتطفلي ، انت امرأة جميلة و شجاعة ، فلم لا تتركي هذا الرجل ؟ . اجابتني بعيون بعيون مغرورقة بالدمع : لدي طفل معاق عمره عشرة سنوات .. فتحت له بيتي حين لم يكن له بيت يستقبله من الاهل أو الاصدقاء ..  لا ادري ما الذي علي ان افعل .. لا ادري.. ساد الصمت بيننا . وصلت الحافلة ، توجهنا معا للصعود.. حملت اشيائي و طلبت من العجوز ان تتبعني ، طلبت من سائق الحافلة ان ينزل العجوز عند المستشفى ، وضعت مشترياتي على الكرسي، احتد الالم في رجلي و شغلني عما كل ما حولي .. قبل نزولي نظرت ناحية المرأة فوجدتهاوهي ما زالت غارقة بتلفونها ، ودعت العجوز و نزلت بخطوات متمهلة من الحافلة ، توقفت قليلاً لأريح قدمي ،بعدها سرت بحملي إلى البيت .

 

02/04/2016

 

 

 

 

 

 

تاريخ النشر

02.04.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

02.04.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org