<%@ Language=JavaScript %> حسين سرمك حسن (94) هكذا دمّر صندوق النقد والبنك الدولي الصومال الفقير، فما الذي سيفعله بالعراق الغني بموارده؟

 

 

 

(93) هكذا دمّر صندوق النقد والبنك الدولي الصومال الفقير،

 

 فما الذي سيفعله بالعراق الغني بموارده؟

 

 

 

ترجمة وجمع وإعداد : حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة 2015/2016

 

(ظلت الصومال تتمتع بالاكتفاء الذاتي من الغذاء حتى أواخر السبعينات على الرغم من مراحل الجفاف المتكررة. اعتبارا من أوائل الثمانينات ، جرت زعزعة استقرار الاقتصاد الوطني ودُمّرت الزراعة الغذائية. عملية التفكك الاقتصادي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في عام 1991. والفوضى الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن "الطب الاقتصادي" لصندوق النقد الدولي قد مهدت الطريق لإطلاق "حرب أهلية" ترعاها الولايات المتحدة. بلد بأكمله مع تاريخ غني من التجارة والتنمية الاقتصادية، تحوّل إلى مقاطعة)

(تميّزت الإصلاحات الاقتصادية بتفكيك البرامج الصحية والتعليمية. وبحلول عام 1989، كان الإنفاق على الصحة قد انخفض بنسبة 78 في المئة بالنسبة إلى مستواه عام 1975. ووفقا لأرقام البنك الدولي، كان مستوى النفقات المتكررة على التعليم في عام 1989 حوالي 4 دولارات سنويا لكل طالب في المدارس الابتدائية متدهورا من حوالي 82 دولارا في عام 1982. وفي الفترة من 1981 إلى 1989 ، انخفض الالتحاق بالمدارس بنسبة 41 في المئة (على الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد السكان في سن المدرسة)، اختفت الكتب المدرسية والمواد المدرسية من صفوف المدارس. المباني المدرسية تدهورت ، وما يقرب من ربع المدارس الابتدائية في البلاد أغلقت. انخفضت رواتب المعلمين إلى مستويات متدنية إلى حد بعيد).

البروفيسور

مايكل شودوفسكي

كتاب (عولمة الفقر)

 

المحتوى

______

(الصومال كانت مكتفية من الإنتاج الغذائي إلى أن جاء صندوق النقد والبنك الدولي - التفكك الاقتصادي الذي سبّبه الصندوق سبق الحرب الأهلية ومهّد لها -  النفط هو هدف التدخل الإنساني الأمريكي في الصومال - برامج التكيف الهيكلي للصندوق والبنك في بداية الثمانينات  سبب المجاعات المتكررة في الصومال - من أجل تسديد قروض صندوق النقد الدولي تمّ تدمير اقتصاد الصومال - صندوق النقد يدمّر الزراعة الغذائية في الصومال - صندوق النقد يدمّر اقتصاد الثروة الحيوانية - تدمير قطعان الماشية الصومالية لصالح اللحم الأوروبي - صندوق النقد يدمّر الدولة الصومالية - صندوق النقد يدمّر قطاع الصحة والتعليم في الصومال - التنمية التي قادها صندوق النقد الدولي جعلت راتب المواطن الصومالي 3 دولارات شهرياً !! - تدمير الاقتصاد من أجل لحم البقر الأوروبي - صندوق النقد يدمّر زراعة الحبوب ويوسّع زراعة التبغ للتصدير - ملاحظات ختامية:  برامج صندوق النقد والبنك الدولي هي سبب المجاعة في أفريقيا وليس الجفاف)

 

 

 

الصومال كانت مكتفية من الإنتاج الغذائي إلى أن جاء صندوق النقد والبنك الدولي

____________________________________________

على مدى السنوات العشرين الماضية، كانت الصومال مشتعلة بـ "حرب أهلية" ساحقة في ظل تدمير اقتصاداتها الريفية والحضرية على حد سواء. تواجه البلاد الآن مجاعة واسعة النطاق. ووفقا للتقارير، فإن عشرات الآلاف من الأشخاص لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية. وحياة عدة ملايين من الناس مُهدّدة أيضا.

وسائل الإعلام تعزو المجاعة إلى الجفاف الشديد دون دراسة الأسباب الأوسع. وأيدت أن وجود جوّ من "ضياع القانون وحرب العصابات والفوضى" هو واحد من الأسباب الرئيسية وراء المجاعة.

ولكن من الذي يقف وراء الانفلات الأمني ​​والعصابات المسلحة؟

تُصنف الصومال بأنها "دولة فاشلة"، وبلد بلا حكومة.

ولكن كيف لها أن تصبح "دولة فاشلة"، وهناك أدلة وافرة على التدخل الأجنبي، فضلا عن دعم سري للميليشيات المسلحة؟. خلق "الدول الفاشلة" هو جزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو جزء من أجندة الاستخبارات العسكرية.

ووفقا للأمم المتحدة، فإن حالة من المجاعة تسود في جنوب باكول وشابيل السفلى وهي جزء من مناطق تسيطر عليها حركة الشباب ، وهي ميليشيا جهادية متطرفة تابعة لتنظيم القاعدة.

كان كل من الأمم المتحدة وإدارة أوباما يتهم حركة الشباب بفرض حظر على وكالات المعونة الأجنبية في أراضيها في عام 2009. ولكن ما لم تذكره التقارير، هو أن حركة الشباب المجاهدين الإسلامية يتم تمويلها من قبل المملكة العربية السعودية وتُدعم سرّا من قبل وكالات الاستخبارات الغربية. ودعم الميليشيات الاسلامية من قبل وكالات الاستخبارات الغربية هو جزء من نمط تاريخي أوسع من الدعم السري لمنظمات تابعة لتنظيم القاعدة والجهاديين في عدد من البلدان، بما في ذلك، ليبيا وسوريا ، في الآونة الأخيرة.

التفكك الاقتصادي الذي سبّبه الصندوق سبق الحرب الأهلية ومهّد لها

______________________________________

السؤال الكبير هو: من هي القوى الخارجية التي تسبّبت في تدمير الدولة الصومالية في بداية التسعينات؟

ظلت الصومال تتمتع بالاكتفاء الذاتي من الغذاء حتى أواخر السبعينات على الرغم من مراحل الجفاف المتكررة. اعتبارا من أوائل الثمانينات ، جرت زعزعة استقرار الاقتصاد الوطني ودُمّرت الزراعة الغذائية.

عملية التفكك الاقتصادي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في عام 1991. والفوضى الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن "الطب الاقتصادي" لصندوق النقد الدولي قد مهدت الطريق لإطلاق "حرب أهلية" ترعاها الولايات المتحدة.

بلد بأكمله مع تاريخ غني من التجارة والتنمية الاقتصادية، تحوّل إلى مقاطعة.

النفط هو هدف التدخل الإنساني الأمريكي في الصومال

_______________________________

في مفارقة مريرة، تشمل هذه الأراضي المفتوحة ثروة نفطية كبيرة. وكان أربعة من عمالقة النفط في الولايات المتحدة قد وضعوا أنفسهم فعليا على هذه الأرض قبل اندلاع الحرب الأهلية الصومالية في عام 1991:

بعيدا تحت سطح الدراما المأساوية في الصومال، تجلس أربع شركات نفط أمريكية كبرى بهدوء على ثروة مستقبلية من الامتيازات الحصرية لاستكشاف واستغلال عشرات الملايين من الهكتارات من الريف الصومالي.

ووفقا لوثائق حصلت عليها صحيفة تايمز ، تم تخصيص ما يقرب من ثلثي أراضي الصومال لشركات النفط الامريكية العملاقة : كونوكو، أموكو ، وشيفرون، وفيليبس في السنوات الأخيرة قبل أن يُطاح بالرئيس الموالي للولايات المتحدة في الصومال : محمد سياد بري وسقوط البلاد في حالة من الفوضى في يناير كانون الثاني عام 1991.

رسميا، أصرّت الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية على أن المهمة العسكرية الامريكية في الصومال هي إنسانية بحتة. ونفى المتحدث باسم صناعة النفط المزاعم و "الهراء" السخيف من قبل خبراء المساعدات والمحللين المخضرمين في شرق أفريقيا والعديد من الصوماليين البارزين أن المجرم الرئيس بوش الأول، وهو أصلا رجل نفط من تكساس، سوف ينتقل الى العمل العسكري في الصومال، للحفاظ على حصّة  الشركات الأمريكية من النفط الصومالي.

لكن وثائق الشركات والوثائق العلمية كشفت أن الشركات الأمريكية في وضع جيد وتثابر للسيطرة على الاحتياطيات النفطية الواعدة في الصومال في أي لحظة سلام تؤمنها الحكومة الصومالية. واعترف مسؤولون عسكريون أمريكيون ومسؤولون في وزارة خارجية الولايات المتحدة أن واحدة من تلك الشركات النفطية لم تكتفي بمجرد الجلوس وانتظار لحظة السلام بل تدخّلت في سياسة البلاد بقوة.

شركة كونوكو Conoco Inc، الشركة المتعددة الجنسيات الكبيرة الوحيدة التي حافظت على مكتب عمل لها في العاصمة مقديشو طوال السنوات التي اجتاحت الفوضى فيها البلاد، وشاركت بصورة مباشرة في دعم دور الحكومة الأمريكية في الجهد العسكري الإنساني الذي ترعاه الأمم المتحدة (راجع مقالة : عامل النفط في الصومال: أربعة من عمالقة صناعة النفط الأمريكية عقدوا اتفاقات مع الصومال قبل بدء الحرب الأهلية وسيجنون منافع كبرى في حالة استعادة السلام - لوس أنجلوس تايمز 1993).

ظلت الصومال مستعمرة من إيطاليا وبريطانيا. في عام 1969، تم تشكيل حكومة ما بعد الاستعمار في عهد الرئيس محمد سياد بري. والتي قامت بتنفيذ برامج اجتماعية مهمة في مجال الصحة والتعليم، وتطوير البنية التحتية الريفية والحضرية في سياق السبعينات. لقد تم تحقيق تقدم اجتماعي لا يُستهان به بما في ذلك برنامج شامل لمحو الأمية.

برامج التكيف الهيكلي للصندوق والبنك في بداية الثمانينات  سبب المجاعات المتكررة في الصومال

_______________________________________

لقد فُرض برنامج التكيف الهيكلي من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. المجاعات المتكررة في الثمانينات والتسعينات هي في جزء كبير منها نتيجة لـ "الطب الاقتصادي" لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في الصومال، وبعد عشر سنوات من العلاج الاقتصادي لصندوق النقد الدولي وُضِعت الأسس لانتقال البلاد نحو التفكك الاقتصادي والفوضى الاجتماعية.

وبحلول أواخر الثمانينات، فُرضت "تدابير تقشف" متكرّرة وفق "إجماع واشنطن Washington consensus"، حيث انهارت الأجور في القطاع العام إلى ثلاثة دولارات شهريا.

من أجل تسديد قروض صندوق النقد الدولي تمّ تدمير اقتصاد الصومال

________________________________________

كان اقتصاد الصومال اقتصادا رعوياً يقوم على أساس "التبادل" بين الرعاة الرُحّل والمزارعين الصغار. وشكل الرعاة الرحل ما يقرب من 50 في المئة من السكان. في السبعينات ، أدّت برامج إعادة التوطين إلى تطوير قطاع كبير من الرعوية التجارية. وساهمت الثروة الحيوانية في 80 في المئة من عائدات التصدير حتى عام 1983. وعلى الرغم من موجات الجفاف المتكررة، ظلت الصومال عمليا مكتفية ذاتيا في الغذاء حتى السبعينات.

ساهم تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في أوائل الثمانينات في تفاقم أزمة الزراعة الصومالية. قوّضت الإصلاحات الاقتصادية العلاقة التبادلية الهشة بين "الاقتصاد المترحّل" و "الاقتصاد المستقر" - أي بين الرعاة وصغار المزارعين التي تتميز بالمعاملات النقدية وكذلك بالمقايضة التقليدية. وفُرض برنامج تقشف مشدد جدا على الحكومة إلى حد كبير لجمع الأموال المطلوبة لخدمة ديون الصومال لنادي باريس. في الواقع، تم عقد حصة كبيرة من الديون الخارجية مع المؤسسات المالية التي مقرها واشنطن وفقا لتقرير بعثة منظمة العمل الدولية:

كان صندوق النقد الدولي وحده من بين أكبر المتلقين الرئيسيين لمدفوعات خدمة فوائد الديون من الصومال، وقد رفض تماماً فكرة جدولة الديون. (...) وبحكم الواقع فإن هذه الديون تساعد على تمويل برنامج التكيف الهيكلي الذي واحد من أهدافه الكبرى هو تسديد قروض صندوق النقد الدولي.

صندوق النقد يدمّر الزراعة الغذائية في الصومال

____________________________

عزّز برنامج التكيف الهيكلي اعتمادية الصومال على الحبوب المستوردة. من منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، زادت المساعدات الغذائية الأجنبية خمسة عشر ضعفا، بمعدل 31 في المئة سنويا. وجنبا إلى جنب مع زيادة الواردات التجارية، أدّى هذا التدفق من القمح والأرز الفائض الرخيص الذي يُباع في السوق المحلية إلى إزاحة المنتجين المحليين، فضلا عن حصول تحول كبير في أنماط الاستهلاك الغذائي على حساب المحاصيل التقليدية (الذرة والذرة الرفيعة). خفض قيمة العملة الصومالية (الشلن) ، الذي فرضه صندوق النقد الدولي في يونيو 1981، تبعه تخفيضات دورية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمدخلات الرزاعية. وكان تأثير ذلك على المنتجين الزراعيين فوريا وخاصة في الزراعة الديمية المعتمدة على الأمطار، وكذلك في مناطق الزراعة المروية. انخفضت القوة الشرائية في المناطق الحضرية بشكل كبير، وتقلصت البرامج الإرشادية الحكومية، وانهارت البنية التحتية، وأدّى رفع القيود عن سوق الحبوب وتدفق "المساعدات الغذائية" إلى إفقار المجتمعات الزراعية.

وأيضاً، وخلال هذه الفترة ، تمّ الإستيلاء على خيرة الأراضي الزراعية من قبل الموظفين البيروقراطيين وضباط الجيش والتجار المرتبطين بالحكومة. وبدلا من تحسين الإنتاج الغذائي وزيادته لكفاية السوق المحلية ، قام المانحون (المقرضون) بتشجيع زراعة ما سُمّي بالمنتجات "عالية القيمة" كالفواكه والخضروات والبذور الزيتية والقطن في أفضل الأراضي الزراعية المروية سيحا (بالأنهار) لتكون خاصة بالتصدير لجمع العملات الأجنبية لدفع فوائد الديون على حساب المحاصيل الغذائية.

 صندوق النقد يدمّر اقتصاد الثروة الحيوانية

_________________________

مع بداية الثمانينات، ارتفعت أسعار أدوية الماشية كنتيجة لتخفيض قيمة العملة الوطنية. فرض البنك الدولي "رسوم المستخدم user fees" على الخدمات البيطرية المقدّمة للرعاة الرُحّل وبضمنها تطعيم الحيوانات. نشأت سوق خاصة للأدوية البيطرية. وتقرر التخلص من المهام التي كانت تقوم بها وزارة الثروة الحيوانية، مع جعل مختبر الخدمات البيطرية التابع للوزارة "خاصاً" ليتم تمويله بالكامل على أساس استرداد التكلفة. ووفقا للبنك الدولي :

الخدمات البيطرية ضرورية لتنمية الثروة الحيوانية في جميع المجالات، وأنها يمكن أن تقدم أساسا من قبل القطاع الخاص. (... قليل من الأطباء البيطريين الخاصين من سيختار ممارسة المهنة في المناطق الرعوية النائية، وتحسين رعاية المواشي سيعتمد أيضا على أموال تُدفع من مبيعات المخدرات).

كانت خصخصة الصحة الحيوانية مترافقة مع عدم وجود العلف الحيواني في الطوارئ خلال فترات الجفاف، وتتجير المياه (تحويل الماء إلى سلعة تجارية) وإهمال المحافظة على المياه والمراعي. وكانت النتائج متوقعة : هلكت القطعان وهكذا أفلس الرعاة، الذين يمثلون 50 في المئة من سكان البلاد. وكان "الهدف الخفي" من هذا البرنامج هو القضاء على الرعاة المشاركين في اقتصاد التبادل التقليدي.

ووفقا للبنك الدولي، فإن "التعديلات" في حجم القطعان هي، في أي حال، مفيدة للرعاة الرحل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الذين يُنظر إليهم بضيق كسبب للتدهور البيئي.

تدمير قطعان الماشية الصومالية لصالح اللحم الأوروبي

______________________________

الانهيار في الخدمات البيطرية في الصومال خدم أيضا وبشكل غير مباشر مصالح الدول الغنية : في عام 1984، انخفضت صادرات الماشية الصومالية إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج ، كما تم توجيه واردات لحوم الأبقار السعودية للموردين من أستراليا والاتحاد الأوروبي. ولم يُرفع الحظر المفروض على المواشي الصومالية من قبل المملكة العربية السعودية حتى بعد أن تم القضاء على وباء مرض الطاعون البقري.

صندوق النقد يدمّر الدولة الصومالية

____________________

لعبت إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي تحت إشراف صندوق النقد والبنك الدولي دورا حاسما في تدمير الزراعة الغذائية أيضاً. انهارت البنية التحتية الزراعية وانخفضت النفقات المتكررة في قطاع الزراعة بنحو 85 في المئة قياسا إلى منتصف السبعينات.

مُنعت الحكومة الصومالية من قبل صندوق النقد الدولي من تعبئة الموارد المحلية. تم وضع أهداف مشددة لعجز الميزانية. وعلاوة على ذلك، عملت الجهات المانحة وعلى نحو متزايد على تقديم "المعونات"، ولكن ليس في شكل واردات من رأس المال والمعدات الصناعية والآلات ، ولكن في شكل "معونات غذائية". وهذه الأخيرة بدورها كان يتم بيعها من قبل الحكومة في السوق المحلية كي تُستخدم عائدات هذه المبيعات لتغطية التكاليف المحلية من مشاريع التنمية. واعتبارا من أوائل الثمانينات صار "بيع المساعدات الغذائية" المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للدولة، وهذا مكّن المانحين من السيطرة على الميزانية الحكومية برمتها .

صندوق النقد يدمّر قطاع الصحة والتعليم في الصومال

______________________________

تميّزت الإصلاحات الاقتصادية بتفكيك البرامج الصحية والتعليمية. وبحلول عام 1989، كان الإنفاق على الصحة قد انخفض بنسبة 78 في المئة بالنسبة إلى مستواه عام 1975. ووفقا لأرقام البنك الدولي، كان مستوى النفقات المتكررة على التعليم في عام 1989 حوالي 4 دولارات سنويا لكل طالب في المدارس الابتدائية متدهورا من حوالي 82 دولارا في عام 1982. وفي الفترة من 1981 إلى 1989 ، انخفض الالتحاق بالمدارس بنسبة 41 في المئة (على الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد السكان في سن المدرسة)، اختفت الكتب المدرسية والمواد المدرسية من صفوف المدارس. المباني المدرسية تدهورت ، وما يقرب من ربع المدارس الابتدائية في البلاد أغلقت. انخفضت رواتب المعلمين إلى مستويات متدنية إلى حد بعيد.

أدى برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي "الإصلاحي" إلى وقوع الاقتصاد الصومالي في حلقة مفرغة : هلاك قطعان الماشية دفع الرعاة الرحل إلى المجاعة التي أثّرت بدورها على منتجي الحبوب الذين كانوا يبيعون أو يقايضون حبوبهم بالماشية. كان نسيج الاقتصاد الرعوي الاجتماعي بأكمله قد تدهور. الانهيار في عائدات النقد الأجنبي بسبب انخفاض صادرات الماشية والتحويلات (من العمال الصوماليين في دول الخليج) أثّر على ميزان المدفوعات والمالية العامة للدولة مما أدى إلى انهيار البرامج الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

نزح صغار المزارعين نتيجة تدفّق الحبوب المدعومة من الولايات المتحدة إلى السوق المحلية جنبا إلى جنب مع الارتفاع في أسعار المدخلات الزراعية. أدى إفقار سكان المدن أيضا إلى انكماش الاستهلاك الغذائي. بدوره، جُمد دعم الدولة في المناطق المروية وانخفض الإنتاج في مزارع الدولة. وقد قرّر البنك الدولي إغلاق مزارع الدولة أو بيعها.

التنمية التي قادها صندوق النقد الدولي جعلت راتب المواطن الصومالي 3 دولارات شهرياً !!

___________________________________________

ووفقا لتقديرات البنك الدولي، فإن أجور القطاع العام الحقيقية في عام 1989 انخفضت بنسبة 90 في المئة بالنسبة إلى منتصف السبعينات. وكان متوسط الأجور في القطاع العام قد انخفض إلى 3 دولارات في الشهر، مما يؤدي إلى تفكك لا مفرّ منه في الإدارة المدنية. وضع البنك الدولي برنامجا لإعادة تأهيل أجور الخدمة المدنية (في سياق "إصلاح" الخدمة المدنية)، ولكن هذا الهدف أريد تحقيقه في نفس حجم الميزانية وذلك بتسريح نحو 40 في المئة من موظفي القطاع العام و الغاء مكملات الراتب. وبموجب هذه الخطة، كان قد تم تخفيض عدد موظفي الخدمة المدنية إلى مجرد 000،25 (في بلد من ستة ملايين شخص). وأبدت العديد من الجهات المانحة اهتماما كبيرا في تمويل التكاليف المرتبطة بتقليص عدد موظفي الخدمة المدنية.

في مواجهة الكارثة الوشيكة، لم تُبذل أي محاولة من قبل المجتمع الدولي للمانحين لإعادة تأهيل البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ولاستعادة مستويات القوة الشرائية وإعادة بناء الخدمة المدنية : تدابير التكيف الاقتصادية الكلية التي اقترحها الدائنون في السنة السابقة لانهيار حكومة الجنرال محمد سياد بري في يناير 1991 (في ذروة الحرب الأهلية) دعت إلى زيادة التشديد على الإنفاق العام، وإعادة هيكلة البنك المركزي، وتحرير الائتمان (الذي أحبط القطاع الخاص تماماً) وتصفية وبيع معظم الشركات المملوكة للدولة (بيع القطاع العام بأسعار زهيدة).

 في عام 1989، شكلت التزامات خدمة الديون (دفع فوائد الديون) في الصومال 194.6 في المئة من عائدات التصدير. كان البنك الدولي قد وافق على قرض للتكيف الهيكلي بقيمة 70 مليون دولار أمريكي في يونيو 1989 ، ثم تم تجميده بعد بضعة أشهر بسبب الأداء الضعيف للاقتصاد الكلي في الصومال. كان يجب على الصومال تسوية المتأخرات مع الدائنين قبل منحها قروضا جديدة أو التفاوض على إعادة جدولة الديون. وضع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الصومال بين سندان خدمة الديون ومطرقة التكيف الهيكلي.

تدمير الاقتصاد من أجل لحم البقر الأوروبي

_________________________

تُظهر التجربة الصومالية كيف يمكن تدمير بلد من خلال التطبيق المتزامن لـ "المعونات" الغذائية وسياسة الاقتصاد الكلي. هناك الكثير من "الصومالات" في العالم النامي وحزمة الاصلاحات الاقتصادية التي نُفذت في الصومال هي مماثلة لتلك التي طبقها صندوق النقد في أكثر من 100 دولة نامية.

ولكن هناك بعدا مهماً آخر: الصومال هو بلد ذو اقتصاد رعوي، وفي جميع أنحاء أفريقيا قام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بتدمير الاقتصاد الرعوي والتجاري والقضاء على قطعان الماشية بنفس الطريقة التي جرت في الصومال. في هذا السياق، أدّى لحم البقر المدعوم ومنتجات الألبان المدعومة المستوردة من الاتحاد الأوروبي إلى زوال الاقتصاد الرعوي الأفريقي. وزادت واردات لحوم الأبقار الأوروبية إلى غرب أفريقيا سبع مرات منذ عام 1984 : الجودة المنخفضة للحم البقر الأوروبي تجعله يُباع بنصف سعر اللحوم المنتجة محليا. ويجد المزارعون الساحليون أن لا أحد على استعداد لشراء قطعانهم.

تجربة الصومال تبين أن المجاعة في أواخر القرن العشرين ليست نتيجة لنقص في الغذاء. على العكس من ذلك، حصلت المجاعات نتيجة لزيادة المعروض العالمي من المواد الغذائية خصوصا الحبوب. منذ الثمانينات تم تحرير أسواق الحبوب تحت إشراف البنك الدولي، وتُستخدم فوائض الحبوب من قبل الولايات المتحدة بشكل منتظم كما في حالة الصومال لتدمير الفلاحين وزعزعة استقرار الزراعة الغذائية الوطنية، فتصبح هذه الأخيرة، في ظل مثل هذه الظروف، أكثر عرضة بكثير لتقلبات الجفاف والتدهور البيئي.

في جميع أنحاء القارة الأفريقية، فإن نمط "التكيف القطاعي" في الزراعة تحت وصاية الشيطانين : الصندوق والبنك الدوليين ، أدّى بشكل لا لبس فيه إلى تدمير الأمن الغذائي. وقد تم تعزيز التبعية للسوق العالمية، و "المساعدة الغذائية" في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى زادت بأكثر من سبع مرات منذ عام 1974 ، كما زادت واردات الحبوب التجارية إلى أكثر من الضعف. وتوسعت واردات الحبوب لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من 72،3 مليون طن في 1974 إلى 8 مليون طن من المساعدات الغذائية عام 1993. كما زادت المساعدات الغذائية من 910000 طن في عام 1974 إلى 64،6 مليون طن في l993.

صندوق النقد يدمّر زراعة الحبوب ويوسّع زراعة التبغ للتصدير

____________________________________

"المعونات الغذائية"، ويا للغرابة ، لم تعد مخصصة للبلدان التي تعاني من الجفاف في الحزام الساحلي. صار يتم توجيهها أيضا إلى البلدان التي كانت، حتى وقت قريب، مكتفية ذاتيا من الغذاء تقريبا. زيمبابوي (كانت تعتبر سلة غذاء أفريقيا الجنوبية) تأثرت بشدة من جراء المجاعة والجفاف التي اجتاحت جنوب أفريقيا في عام 1992. شهدت البلاد انخفاضا بنسبة 90 في المئة في محصولها من الذرة، التي صارت تُزرع إلى حد كبير في أقل الأراضي إنتاجية . ولكن، ويا ​​للسخرية ، في ذروة الجفاف، سجل محصول التبغ للتصدير (بدعم من الري الحديث، والائتمان، والبحوث، وما إلى ذلك) الحصاد الوفير، في حين أن المجاعة كانت تجبر السكان على أكل النمل الأبيض. استخدم الكثير من عائدات الصادرات من محصول التبغ في زيمبابوي لخدمة الديون الخارجية.

في إطار برنامج التكيف الهيكلي، تخلّى المزارعون وبشكل متزايد عن زراعة المحاصيل الغذائية التقليدية؛ في ملاوي مثلا ، التي كانت في السابق مصدّرا صافيا للغذاء، انخفض إنتاج الذرة بنسبة 40 في المئة في عام 1992 فيما تضاعف إنتاج التبغ بين عامي 1986 و 1993. وتم تخصيص مائة وخمسين ألف هكتار من أفضل الأراضي لزراعة التبغ. طوال عقد الثمانينات، فرض صندوق النقد والبنك الدولي تدابير تقشف صارمة على الحكومات وتم تقليص الإنفاق على التنمية الريفية بشكل كبير في أفريقيا، مما أدى إلى انهيار البنية التحتية الزراعية.

وبموجب برنامج البنك الدولي، صار الماء سلعة يتم بيعها للمزارعين الفقراء على أساس استرداد التكلفة. وبسبب نقص الأموال، صارت الدولة ملزمة بالانسحاب من إدارة والحفاظ على الموارد المائية. جفّت منابع المياه والآبار بسبب عدم وجود صيانة أو تمت خصخصتها من قبل التجار المحليين والمزارعين الأغنياء. في المناطق شبه القاحلة، أدّى "تتجير" المياه والري إلى انهيار الأمن الغذائي والمجاعة.

ملاحظات ختامية:

برامج صندوق النقد والبنك الدولي هي سبب المجاعة وليس الجفاف

_______________________________________

بينما المتغيرات المناخية "الخارجية" تلعب دورا في إشعال فتيل المجاعة وتزيد من الأثر الاجتماعي للجفاف، فإن المجاعات في عصر العولمة هي من صنع الإنسان. فهي ليست نتيجة لندرة الطعام ولكن بنية من الفائض العالمي الذي يقوّض الأمن الغذائي ويدمّر الزراعة الغذائية الوطنية. منظما بإحكام ومسيطرا عليه من قبل  الكارتلات الزراعية والتجارية الدولية، يفضي هذا الفائض في نهاية المطاف إلى ركود كل من الإنتاج والاستهلاك من المواد الغذائية الأساسية وإفقار المزارعين في جميع أنحاء العالم. وعلاوة على ذلك، وفي عصر العولمة، يتضمن برنامج التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي علاقة مباشرة بعملية تكوين المجاعة لأنه يقوض منهجياً كل أنواع النشاط الاقتصادي، سواء في المناطق الحضرية أو الريفية، التي لا تخدم مباشرة مصالح نظام السوق العالمي.

 

 

تاريخ النشر

04.05.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

04.05.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org