<%@ Language=JavaScript %> د. حسين سرمك حسن محبرة الخليقة: (63) تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

 

 

محبرة الخليقة: (63)

 

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

 

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة 2012 2013

               

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً

وتعبّر لازمة التساؤل المفتوح : تُرى من تكون ؟ عن الأزمة الدوّامة المرآوية التي تُظهر العجز الفادح لدى صاحب السؤال . فلو كان اليقين مؤكّداً حول كينونة الـ "أنتَ" لأنهت العودة المشتركة أو البدء المشترك من "الملح" "أبيض" الخليقةِ شكوك فارق الاصول الذي يعذّب الشاعر الذي يشعر في قرارة نفسه بأنه لا يحوز مثل هذا الأصل "الملوكي" إذا جاز الوصف ، وأن غريمه في الوجود "الأنتَ" لا يتبع السلسلة التحوّلية الطويلة التي جعلت أيّ شيء ينطوي على كل غموض الولادات والخلق . فقد غادر الملحَ مثل غيمٍ وصار في كلّ شيء ، لكنّه وهنا الفارق الجذري الرهيب قد أمسك مفاتيح مصائر كل تلك الأشياء ، وصارت تفتّش عنه فيها لأنه سبب وجودها وبقائها . "هو" - وهنا صار غيباً بعد أن كان حضوراً في "الأنت" مشهوداً (عالِم الغيب والشهادةِ) لا يفتش عنه بل تفتش عنه كل الأشياء لأن في غيابه تحطّم دورة وجودها بين ولادة فموت وانبعاث . تتكسر دائرة "الملح" وتترسّب في فراغ وحشي اسمه الموت :

(                     تُرى

                      من تكونْ ؟ !

                      وهلْ أنتَ ملحكَ ؟ !

                      أمْ أنتَ غادرتهُ مثلَ

  غيمٍ ، لتصبحَ في كلِّ شيءٍ ، ولا يصبحَ الشيءُ

  أنتَ ولكنْ يفتّشُ عنكَ لا عنهُ فيهِ ،

  فإنْ لمْ يجدكَ ، فلا ملحَ يرجعُ يوماً إليهِ

  ويخرجُ منهُ ، فيغدوْ كصوتٍ

                علاهُ السكوتُ .

                ويدخلُ في أنهُ

                لا مكانَ لهُ فيموتُ .

                تُرى

                من تكونُ ؟ ! ص 1624 و1625) .

ومن لحظة الإمساك بحركة المصائر المتجبّرة هذه ؛ لحظة أن تصبح لهذا الموشّح الجميل الجليل خاتمة ، وللنص الكوني نقطة أخيرة تختمه ، يبدأ رعب السؤال ، وتتحوّل تلك السلسلة الرائعة من غموض تحولات الولادات والخلق ، إلى سؤال يحزّ رقبة الوجود كل لحظة . ويصبح موقف "أنا" الشاعر تجاه "الأنت" موقف سؤال صغير في لجّة الكون .. لكنه السؤال الأول والأخير . فالأنا كان طافياً على أجنحة نصّ الغمام ، ومغيّباً في لعبة : من وإلى الملح ، ودائرة : غموض الحضور ووضوح الغياب . كان الأنا جواباً قد تقرّر في باطن الحدس ، إلى أن "ظهر" الموت فصار الأنا مفرداً في صيغة الجمع - عبارة عن سؤال ، يتسلّم عصاه اللاحق من السابق كالعدّائين ، ليختفي لاهثاً خلف من سبقوه دون أن يحمل معه جواب السؤال .. وهكذا :

(                  تُرى

                   من تكونُ ؟

                   هربتَ من الموتِ ، لكنْ ، لتوقِعَ

  غيركَ فيهِ . توزّعتَ في اللانهائيِّ ، وزّعتَ غيرَكَ

  في أنْ يجيءَ ليبحثَ عنكَ ، فيعرفَ شيئاً ، ويمضيْ ،

  ليبحثَ عنكَ الذي سيجيءُ ، ويمضي كمثلِ الذي

  قدْ مضى . كلُّ منْ سيجيءُ سيبحثُ ، حتى إذا فتحَ

  البابَ ظنّاً بأنّ الذي خلفهُ أنتَ ، فوجيْ في

  أنهُ لم يسقهُ

             اليقينْ

             بقافلةِ الراحلينَ بعيداً ،

     بغيرِ سؤالٍ جديدٍ :

             تُرى

             منْ تكونْ ؟! ص 1625) .

ولاحظ أن الفعل "هربت" مع طابعه التحرّشي الخطير يكشف أن الإنسان لا يستطيع إلّا أن يخلق الله على "صورته" بحركة مقابلة . أمّا تكرار لازمة سؤال العذاب : تُرى من تكون ؟ فيعقبها في كلّ مقطعٍ تقليب لغز معرفة "الأنت" وأسرار "نصّه" على وجهٍ من وجوه الحيرة المعتمة ، وكلّ وجه هو سمة قدرة أو "طبائع" كما يسمّيها السومريون القدماء في علاقتهم بآلهتهم ، أو إسم من الاسماء الحسنى كما نسمّيها نحن الآن . ولا تدوم خيبة اللاهثين لمعرفة الأنت إلّا لأنهم قد اعتقدوا أن الوقوف على واحدة من هذه السمات الطبائع أو الأسماء الحسنى يكفي لإلغاء الشكوك في نفوسهم ، في حين أن الخيبة تتفاقم لان الأنت ليس هذا الذي يجزّئه الراحلون أو القادمون . إنّه سؤال الطبائع نفسه : تُرى من تكون ؟ ! السؤال الذي يلتف على نفسه ليطعم شكّ كل النفوس . ومفارقة هذا السؤال المضاعفة أنّ النص الذي ألّفه "الأنت" كي يكون الجواب ، قد أغلق الباب على سؤاله ، فصار الجواب سؤالاً وظل السؤال "سؤال" ، ففي النصِّ "نقّح" الأنت حبر الجواب فصار سؤالاً ، وحلّت ظلال الأجوبة الصغيرة التي تضمنتها سلسلة غموض الولادات والخلق تحت خيمة السؤال الكبير فضاعت وصارت دليلاً على اللاجواب المدوّخ . وصار الأنا الناقد الباحث ضحيّة موقف نقديّ متناقض يحاول فيه استخلاص أجوبةٍ على تساؤلاته من نص صاغه "الأنت" ليكون فيه السؤال الكبير . يضيع الناقد حين لا يدرك أن في النص سؤال الجواب :

(                     أنًّصّكَ في كلهِ هو أنتَ ؟ أمِ النصُّ

  أشياءُ منكَ ؟ أمْ أنّكَ منفصلٌ عنهُ ، متصلٌ فيهِ ؟

                      ما هو متصلٌ فيكَ ،

                                               باقٍ ؟

                      وما هو منفصلٌ عنكَ ،

                                               فانٍ ؟

                      وهلْ في التوالدِ سرُّ صراعِ

  الذي هو فانٍ بذا النصِّ ضدّ الفناءِ ؟ أمِ

  الموتُ يعني بأنكَ في النصِّ نقّحتَ حبرَ الحياةِ ؟

  وإنّيْ

       لأعترفُ الآنَ ، أنّ بنصكَ أشياءَ أبعدَ

  مما استطعتُ تلمسهُ عبر هذا الغموضِ الذي

  ظلّ كشفيَ عنْ نصّكَ اللغزِ فيهِ مُحالاً . فهلْ

  أنا أنقصُ منْ أنْ تكونَ لديّ

                                  المفاتيحُ ؟ أمْ أنّ

  نصّكَ أكثرُ قفلاً

                   عليَّ ؟

                          أتعلمْ ؟

                          إنّي حزينٌ

                              حزينٌ

                              حزينُ

                         لأني برغمِ اكتشافيْ لنصّك

            مازلتُ أسألُ نفسيْ :

                     تُرى

                     منْ تكونْ ؟ ! ص 1626 1628) .

ولأنً أنا الشاعر قد عجز عن إدراك كنه الـ "أنت" ، ولم يُفلح في الجواب على السؤال الكبير والأوحد ، فقد اتجه الآن إلى النصّ بحد ذاته . وهنا تصبح العملية النقدية متكافئة بخلاف الحالة المتناقضة السابقة . فيقرر في البدء أن نص الأنت بديع ورائع ، وهو (خبزُ ومنديلُ من هو جائع) ولكن هناك سمات للأنت ضمّها النص توحي بصفات مخيفة ومرعبة قد تشكّل مادة يصوغ منها الطغاة والمستبدون والإستغلاليون "نصوصاً" جديدة سوف تُسمّى : الشرائع ، يحكمون وفقها الجياع والمساكين ، وهذا ما حصل فعلاً ودمّر حياتنا . لكنّ هذا التلاعب بالنصوص هو الفسحة العظيمة والخطيرة التي تركها لنا الأنت والتي اسمها "الحرّية" ، فالحرية هي القدرة على اقتراف الإثم في جانب كبير منها لا يقرّه جوزف حرب . فبعد اكتمال نص الأنت وهو "الخير" ، جاءت حريّة الأنا التي هي "الشر" . ولكن تساؤل أنا الشاعر عن "الإمكان" هذا هو تساؤل عن السمة ، وهو يختلف تماماً عن التساؤل عن "الماهيّة" ، ولذلك يعود الشاعر من جديد لطرح السؤال المحيّر ؛ سؤال الأسئلة : تُرى من تكون ؟ !

وفي المقطع التالي يتحوّل الشاعر إلى "آليّات" قراءة النص ؛ نص "الأنت" ، فيرى أنُّ القراءة المثابرة هي مفتاح المتعة في  قراءة هذا النص ، الذي هو نص مترابط تهيؤك متعة الما قبل فيه لاستقبال متعة الما بعد . وهو ليس نصّاً بسيطاً تفتح مغاليقه فوراً عند القراءة ، ولكنه يتطلب العناء والمرارة ، وهذا ما يزيد من متعته فهو يمزج اللذة بالألم . وأنّ أي سرّ يكتشفه يحفزه لاكتشاف أسرار أخرى مقبلة . ويبدو أن السمة الكبرى لهذا النص ولمؤلفه هو أنه جعله مجمع أسرار ، أي مكمن أسئلة ، فكلّ سرّ هو سؤال ينتظر جوابه . وقد مرّت على الأنا قرون وقرون وما زال حائراً امام السرّ الكبير : تُرى من تكون ؟

ولكن الشاعر لا ييأس ، فهو يشعر بأن هناك معرفة مقبلة ، عليه أن يتسلح بها ، وأن هذا من شروط اختلافه المميزة حيث النماء والنقص والسعي للإمتلاء . فالأنت هو الكل المطلق بختامه وثباته وكماله ولانهائيّته ، والشاعر هو الكلُّ "شيئا .. فشيئاً" ، في بدئه وتحوّلاته ونهائيّته ، وهو ماضٍ ليلتحم بالأنت فيصبح النصُّ نصَّه . ولكن وخزة ذاك السؤال المؤرق : ترى من تكون ؟ تأتي سريعاً لتصحي الأنا على حقيقة العلاقة اللامتوازنة التي لا تتيح له امتلاك نصّ الأنت ، فيتحول من جديد لنقد النصّ الذي يرى أن من سلبياته أنّه ضم كثيرا ، وكثيرا جدا من الفاجعات الرهيبات : زلازل وأعاصير وجفاف وحروب وسجون ومجاعات ومذابح . وكان الأفضل أن يحذف المؤلف مثل هذي الإبادات التي لم تورث القرّاء إلّا الدمع والحسرات . كما أنه يعلن عن دهشته لأنّ هذا النص لم يُجرِ سيف المماحي بأعناق الملوك والكهّان والقضاة الفاسدين . ولم يستطع أنا الشعر إلّا أن يمنح المماحي فعل السيوف وكأننا أمام حالة مقابلة متأصّلة تجعل الرذيلة الذراع اليمنى للفضيلة :

(                     كانَ للنصِّ بُعدُ البياضِ البهيجِ

  كمسكِ الصباحِ ، لو انكَ قمتَ بحذفِ مقاطعِكَ

  الدامياتِ التي خانَ حبرُكَ فيها البياضَ . فكيفَ

  تعلقُ أرضاً بخيطِ بكاءٍ ؟ وتفتحُ عنقَ البنفسجِ

  بالسيفِ ؟ والقمحُ تُعلي سنابلهُ

                                    ضُرّجتْ

                                    بالطحين ؟

                      لعلّ صياغتكً الأرضَ كانتْ بحبرينِ :

  حبرِ غُرابٍ

  وحبرِ حمامٍ .

                      لعلّكَ أعطيتَ نصكَ حريّةَ القارئينَ

  بأن يقطعوا منه ما هم جياعٌ إليهِ ، فيقرأَكَ

  اللصُّ حرّاً بما في يديهِ ، وكاهنُ بيتكَ حرّاً بجعل

  الخطايا نبيذَ لياليهِ ، والعرشُ حرّاً بتحويلهِ خادماً

  في البلاطِ . (...)

                لعلّ

                بنصّكَ

                لا شيءَ مما أقولُ . (...)

                      لعلّيْ ...

                          ولكنْ

                      تُرى من تكونْ ؟ ! ص 1635 1637) .

 

 

 

 

تاريخ النشر

03.04.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

03.04.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org