<%@ Language=JavaScript %> اسعد عبدالله عبدعلي حوار بعثي ساخن

 

 

حوار بعثي ساخن

 

 

 

اسعد عبدالله عبدعلي

 

في مطار بغداد, بالتحديد في أول أيام شهر شباط الباردة, التقى صديقان, احدهما قصير ونحيف البنية وقد قارب الخامسة والخمسون عاما, والأخر بدين جدا وقد قارب الستون, كان البدين جالساً على مقاعد الانتظار وبيده لفة لحم, وبجانبه قدح عصير, وقد انسكب دهن اللحم على بنطاله وعلى شاربه وشفتيه, كأنه قطعة لحم تسبح في الزيت, وكان القصير للتو عائدا من سفرة قصيرة لخارج البلد, وفاحت منه رائحة الخمرة.

تفاجئ القصير وهو يشاهد صديقه القديم, فهتف بعلو صوته عندما شاهده:

-         أيها البدين, أهو أنت؟ صديق الطفولة, كم من الأعوام افترقنا, أنها 13 عاما.

دهش البدين كثيراً, وكان يقضم اللحم بأسنانه الاصطناعية, ترك لفة اللحم ونهض واقفا وهتف:

- أيها العجوز القصير الا تموت, يا صديق النضال القديم, يا لهذه المفاجئة.

وتبادل الصاحبان القبلات والأحضان, كانا كلاهما في حالة فرح وذهول من المصادفة غير المتوقعة.

وبعد التحية والسلام قال القصير لصديق دربه:

-    كان توقيت هروبك جيداً, وإلا لكنت ألان في عالم الآخرة, تعرف جيدا أن الأوضاع كانت منفلتة في تلك الأيام, وكان لك كثير من الأعداء.

فكر البدين بكلمات صديقه القصير, اخرج منديله ليمسح بقايا اللحم عن يديه وشاربه, وسعل بتصنع ليقول شيئا, ً التفت بكل جسده نحو صديقه وقال له:

-    أصبت كبد الحقيقة, بالمقابل أنا اثني عليك لأنك تقمصت دورك الجديد بكل احترافية, الكرسي كان يليق بك, مما مكنك من الاستمرار بقطف الثمار حتى مع رحيل الرئيس.

اطرق قليلاً القصير بكلمات صاحبه, كان مندهشاً من كلام صاحبه, فهل كان يمدحه أم يذمه, وكيف يعرف إخباره وهو في بلاد الغربة؟

-         لكن كيف تعرف إخباري؟

تبسم البدين, ونظر للسماء بتعالي, اخرج سيكارة وأشعلها, وسحب نفساً عميقاً وقال له:

-         مازلت عضو بحزب البعث, ومازلنا نعمل, ونحن ندعمكم ونهيئ الأرضية لنجاحكم.

 لم يصدق العجوز القصير كلام صديقه, بل أحس انه مجرد تبرير لهروبه, كي لا يشعر بالعار إمامه, فأراد أن يستفزه بكلام يصيبه في مقتل, فقال:

-    كثيرا ما فكرت بموقفك, وكنت أرى انه كان من الواجب آن تترك فكرة الهرب, وتواجه كما واجهنا نحن, وان يكون لك دور في تعطيل الإصلاح, وتسهم في تدمير البلد, ونشر الفساد, كما فعلنا نحن, بل وان تنفذ أفكار الرئيس في المرحلة الجديدة, أي يكون لنا موقع خفي في الوضع الجديد, فنحن تسلقنا المواقع الحساسة, وكنا خير عون لبقايا البعث, وكنا شريك بكل نصر, وما تراه اليوم من فوضى نحن مرتكزها الحقيقي, أما أنت  ففضلت الراحة وتحصيل السلامة بدل الجد والتعب.

بانت ملامح الغضب على وجه البدين, حيث استفزه خبث كلام صديقه, فكأنه خنجر طعنه طعنة شديدة في خاصرته, حاول أن يبعد كل هذا بابتسامة مصطنعة, ثم قال:

-    أولا يا صديقي القديم تعلم إنني كنت احد وجوه النظام, ومنصبي الكبير كان يجعلني اخرج أحيانا من على شاشة التلفاز, أي أني معروف للكثيرين, وتعرف انه من خلال  قراراتي الحزبية تم إعدام العشرات بتهمة الخيانة, وكانوا يستحقون الإعدام لأنهم أناس لا يحبون القائد الضرورة, وأمثالهم ليس لهم الا حفرة بالأرض تنهي وجودهم, وبقائي بعد اختفاء الرئيس يعني انتهاء حياتي, مع أن لي دور مهم في الخارج ينتظرني.

أدرك القصير مدى خطورة منصب البدين, بل يمكن أن يزيله من كرسي الإدارة الجالس عليه ألان, فقرر أن يستميله بكلمات التبجيل:

-         نعم, يبدو أن "سيادتكم" كان له دور مهم.

ارتاح البدين لكلمة التملق " سيادتكم" التي أطلقها صديقه القصير, فقرر أن يخبره ما يجعله يرتعد, فقال:

-    نعم أيها القصير, حيث جاءتني برقية مستعجلة من قيادات البعث في الأردن, تستعجل قدومي, وفي أيار من عام 2003 التحقت بجمع من البعثيين, وهناك أسسنا غرفة عمليات, ومددنا خطوط اتصال مع رجال مهمين وقادة عسكريين, فالمعركة كانت يجب أن تدار بحنكة, أنا كنت مسؤول عن الاتصال بكبار الموظفين, وساهمنا معا في أعادة ترتيب أوراق البعث داخل مؤسسات الدولة, وجلبنا العديد من الموظفين للخارج عبر ايفادات لتدريبهم على المرحلة القادمة, وتحديد ما هو مطلوب منهم, ونجحت في مهمتي, حيث جندت عشرات الموظفين الجدد لخدمة أهداف حزب البعث, فأي كسل وراحة تتحدث عنها.

انبهر القصير من كلام صاحبه, فأدرك انه كان ينفذ تعليمات صديقه البدين ليس الا, وأحس بخيبة كبيرة حيث كان يريد أن يحرج صديقه, فإذا به يتعرى أمامه, فقال له:

-    هل يعني هذا أن صعودي لمنصب مدير عام كان بتدبير من "سيادتكم", وان حمايتي من الاجتثاث كان بمباركة "سيادتكم"؟

تبسم البدين حسن, ابتسامة صفراء خبيثة, وأشاح بوجه عنه, فان وجه صديقه القصير كان يطفح بالخنوع والتملق الى درجة الغثيان, فمد يده ليودعه, وضحك بصوت عال, وقال له:

-         اعتن بنفسك جيداً, وانشر الفساد في أي منصب سنعطيك إياه لاحقاً.

بقي القصير واقفا يراقب البدين وهو يرحل, وابتسامة التملق والخضوع والموافقة واضحة على وجه, مع انحناءة الرأس كأحد عبيد العصور السالفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الحوار من خيال الكاتب

 

 

 

تاريخ النشر

25.09.2016

 

 

 

  عودة الى الصفحة الرئيسية◄◄

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة    2009 صوت اليسار العراقي

   الصفحة الرئيسية [2][3][4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

25.09.2016

  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4]  | أرشيف المقالات  |  دراسات  |  عمال ونقابات |  فنون وآداب |  كاريكاتير  |  المرأة |  الأطفال | إتصل بنا       

      

لا للتقسيم لا للأقاليم

 

لا

للأحتلال

لا

لأقتصاد السوق

لا

لتقسيم العراق

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة

من الكتاب والصحفيين العرب و العراقيين   

 

                                                                  

                                                                          

  

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org