عشرون ألف قصيدة ضد الحرب والاحتلال ـ من يكتبها؟

 
هيفاء زنكنة *

 القدس العربي      20 .12. 2009

نقرأ، يوميا، قصائد تغرس في القلب بشاعة الاحتلال. تدين وحشية الغزاة في قتل انسانية العراقي واهانته، وتصور آثار جرائمه النفسية والجسدية وتخريبه للبيئة وللبنية التحتية. تتحدث عن قيود المستعمر التي يصوغها من نفط العراق باسم الديمقراطية ثم يجعلها نيرا في اعناق المواطنين، مبعدا عنهم الحرية اعواما طويلة. يشخص الشعراء ببصيرتهم ظلال المستعمر الداكنة، من الشركات الاحتكارية وباعة الاسلحة الى تجار السياسة، وكيفية خلقهم ورعايتهم ليستميتوا دفاعا عن المستعمر ووجوده الذي هو وجودها.
نرى ، يوميا، الشعراء ، يتعاونون مع المغنين مرتلي القصائد، والفنانين صيادي الالوان والموسيقيين بناة العواطف السامية، ليحولوا بعض القصائد الى اغان واخرى الى نصوص مسرحية وسمفونيات وعروض ولوحات تتداخل فيها القصائد بالالوان بعواطف الغضب ورنين الاستهجان والامل بالتغيير. وتنسج مفردات اللغة القوية برقتها وبساطتها مع الالوان الزاهية ترقب الحرية ونحيب الامهات على الشهداء. القصائد المكتوبة والمغناة والمخلدة موسيقيا ومسرحيا، تقول ان صوت الشاعر التواق للحرية الحقيقية، لا يخرس، ولا ينطفئ عطاؤه، ولا يتوقف عن كونه ضميرا يمثل ما يصبو اليه شعبه ويتوق اليه في اعماق نفسه في الوقت ذاته. خاصة، اذا ما حدث وتعرض هو أو شعبه الى الاضطهاد او النفي ، فاضطهاد الفنان والشاعر والموسيقي نادرا ما يكون شخصيا. انه اضطهاد شعب وأمة. لذلك لا يمكن ان يقايض الشاعر الحقيقي توقه الى الحرية والبناء بالانتقام ممن عرضه الى الاضطهاد، ولا يمكن للشاعر ان يلحق الأذى بشعبه رغبة بالثأر ممن آذاه شخصيا، ولا يمكن ان يكون شاعرا أو فنانا او موسيقيا أو اديبا من يطالب باحتلال وغزو بلاده، مهما كانت الاسباب، فجوهر الابداع هو التوق الى الحرية والاستقلال والعدالة، وهو الاساس الذي لا يمكن للغزاة ان يسلبوه منا ولا لمبرري الاحتلال والاستعمار تزويقه. ولا يمكن للبرابرة ان يحققوه لانه يتنافى مع طبيعتهم، فالحرية لا تمنح. هكذا علمنا التاريخ وهكذا نكون.
القصائد التي نقرأها يوميا عن العراق ونرددها ونقف بجوار صاغتها في امسيات الاحتفاء بقوة الكلمة في وجه توسع هيمنة الامبريالية الامريكية، يكتبها شعراء اجانب. انهم يتابعون يوميات بلادنا فيكتبون بحرقة عن الموت البطيء لنساء واطفال ورجال لم يستنشقوا معهم هواء الوطن الواحد، ولا يعرفونهم الا من خلال انسانيتهم المعرضة للفقدان لانهم لم يستسلموا، منكسي الرؤس، لآلة الغزو العسكرية. وهذه لغة يدركها المبدع اليساري خاصة . من سار واحتج وكتب عن مقاومة الشعوب في فييتنام والجزائر وفلسطين ولبنان. شعراء وفنانون وموسيقيون يخجلون من كذبة 'الديمقراطية' التي تفرضها حكوماتهم بواسطة اليورانيوم المنضب والقنابل الفسفورية والعنقودية .
أحدهم هو الشاعر الامريكي سام هاميل، صاحب عشرات الدواوين ومؤسس موقع شعراء ضد الحرب الذي يضم اكبر انطولوجيا شعرية في التاريخ حول موضوع واحد هو الحرب، ومؤلف موسوعة شعرية تضم ما يقارب ثلاثمئة قصيدة لشعراء أمريكيين مناهضين لسياسة البيت الأبيض في منطقة الشرق الأوسط ومستنكرين فكرة غزو العراق. لاحظوا ايضا: انه ليس شاعرا 'صداميا' أو 'ارهابيا'.
يكتب هاميل عن امريكا قائلا: 'اي بلد هو هذا ؟ ماذا جرى للوازع الاخلاقي؟ كم كنت احمق حين صوت لباراك اوباما... ان القوات الامريكية موجودة في العراق لتبقى. كما ان ' القرن الامريكي الجديد' الذي رسمه روف وتشيني وبوش هو سلطة فاشية تخطط للهيمنة الامريكية على العالم. فبينما تتمتع بلاكووتر ( شركة المرتزقة الأمنيين) ، وهاليبرتون وشركات النفط، المنتفعة من الحرب، بارباح طائلة تتفتت التجربة الديمقراطية الامريكية ويتعرض الشعب الامريكي للفقر تحت اجيال من الديون وحرب عدوانية اخرى تغطي ايدينا بالدماء'.
الى جانبه تقف الشاعرة الامريكية راني كريستوفر، قائلة: 'إن الكتب هي ضد الموت' لتخلق حلقة ربط بين قصيدتها والعراق بكتبه، بابداعه، بمساهمته في اغناء المعرفة، بشعرائه. فالشاعر هو ابن العراق بلد الحرف الاول والكتابة والقراءة وهو أنخيدونا، ابنة العراق، الشاعرة الاولى في العالم.
اوبرا ' بانتظار البرابرة' للموسيقار فيليب غلاس عن رواية للكاتب الجنوب افريقي جي أم كوتزي، تم تحوير موضوعها لتجمع ما بين الكفاح ضد العنصرية في جنوب افريقيا وبشاعة غزو العراق. واستخدم التضليل الاعلامي المبرر للعدوان على العراق ولامعقولية الحرب خلفية لاضخم انتاج لمسرحيات شكسبير في لندن، في الشهر الماضي. وقدمت الفنانة والممثلة البريطانية المعروفة لوري اندرسون مسرحية بعنوان ' نهاية القمر' ، بدأتها وهي تطرح سؤالا على الجمهور، بات جزءا من كينونة الامريكي وهو 'لماذا يكرهوننا؟'.
لقد حول المبدعون الامريكيون والبريطانيون، وهم ابناء البلدين اللذين قادا غزو واحتلال العراق، خيبة املهم في الديمقراطية ورفضهم لعبثية الحرب ولاعدالتها وسياسة الهيمنة الاستعمارية وما يصاحبها من عنصرية تزيد من عمق التفرقة بين الشعوب وتغتال فكرة السلام الى قوة شعرية تخترق الرياء والزيف وتمزق رداء الامبراطور العاري ليتمكنوا من مواجهة طغاة الامبريالية والأهم من ذلك لكي لا تستخدم اسماؤهم ، وما يمثلونه، تسويغا وشرعنة للجرائم ولكي، وهذا اضعف الايمان، لا يكونوا شهودا صامتين على الجريمة
فاذا كان هذا هو موقف مبدعي البلدان الاستعمارية، والاعمال التي ذكرتها غيض من فيض، فعلى موقع شعراء ضد الحرب، وحده، هناك 20 الف قصيدة من شعراء من جميع انحاء العالم يعلنون فيها غضبهم على غزو العراق وافغانستان، فلماذا يرحب بعض الشعراء العراقيين بغزاة حرقوا الكتب واللوحات ونهبوا الآثار؟ لماذا يبررون مسح التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية بانها ' اخطاء' ويحيون قوات الغزو بانها 'هذه القوات البطلة' واصفين جنودها بانهم 'يتمتعون بشجاعة شخصية وهم يخوضون القتال في شوارع يجهلون مداخلها ومخارجها، وفي بيئة غريبة عليهم ولا يعرفون لغتها ' وجنودهم 'شهداء عراقيون'؟ كيف يسكتون على الاكياس القذرة تغطي رؤوس وعيون المواطنين وهم يقادون الى المعتقلات حيث التعذيب والاغتصاب واهرام الاجساد العارية؟ كيف يسكتون على حرق الاطفال، باسلحة تم تطويرها لتذويب اجساد الاطفال والنساء في الفلوجة، بينما كتبوا القصائد منددين، على مدى عقود، بـ'جرائم النظام السابق'؟ كيف يوقعون البيانات ويطلقون التصريحات لـ ' تقديم الشكر والامتنان لقوات التحالف على هذا الإنجاز الكبير'؟ وهل يشمل الشكر والامتنان قتل المليون شهيد ؟ واذا كان الناس قد حرموا من حريتهم سابقا، واذا كانوا قد عذبوا واضطهدوا كما يكرر شعراء وكتاب رسائل الشكر والامتنان لادارة الاستعمار الجديد، فهل هناك ما يبرر الصمت على استمرار تعذيبهم واضطهادهم وابقائهم عبيدا الى الأبد؟
في نص كتبه لمجلة جهات الالكترونية، يقول الشاعر الامريكي سام هاميل: ' لطالما كنت رجلا منعزلا... لكني الآن مضطر الى الظهور اكثر من قبل: مضطر لأني يجب أن أدافع عن الشعر، عن الشعراء ضد الحرب، عن تقاليد الشعر وقيمه وموقفه الجذري في معاداة العنف والقمع والظلم. حكومتي الأمريكية تشكّل التهديد الأعظم للعالم اليوم. أكثر من 66 في المئة من الأمريكيين مقتنعون بأن جورج بوش كذب عمدا على العالم بغية اختراع مبرر للحرب في العراق، ومقتنعون بأن سياساته خبيثة وغادرة وغشاشة. وانا اعتقد ان مسؤولية الشاعر تكمن في قول الحقيقة وحمل ثقل التاريخ. '
هذا هو صوت الشاعر الذي يرى في القصائد انسانية الوجود، وفي الثقافة مسؤولية يحملها بغض النظر عن نوعية الحكومات والسلطات السائدة. اما الشاعر والاديب والمثقف العراقي الداعي الى عدم تسيس القضايا والوطن (غافلا ذكر الفرق بين السياسة والايديولوجيا)، الصامت على وجود وجرائم الاحتلال، انما يتشرنق برداء الامبراطور ليبرر تعاميه عن حرق الارض والانسان وتفجير الهواء.

* كاتبة من العراق
 

 

 

 
 
 
 
 
 
______________________________________________________________________________________________________________
 
 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | كتابات حرّة | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي


 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

 

مقالات مختارة

صوت اليسار العراقي

صحيفة تصدرها نخبة من المثقفين والكتاب اليساريين العراقيين