<%@ Language=JavaScript %> د. كاظم الموسوي حرب 73 ... هل تتكرر مرة اخرى؟

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

               

مقالات مختارة

 مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 

جوهرية النضال الثقافي ضدّ الإمبريالية

 

شاهين السّافي

 

يقول لينين: " الإمبريالية هي الحرب "

إلا أنّ هذه الحرب، لا تجرد السيوف فيها فقط للطعان، إنّها يجرد فيها كذلك سلاح لا يقل طعانًا، دقيق في مضاربه، جليّ في مآربه، حسّامٌ في كثير من الأحيان في ترجيح الكفة لأحد طرفي الصراع.


إنّه " الثقافي " بكل تجلياته وتمظهراته وتلويناته. إنّ هذه الحرب لا ترتدي لبوسًا عسكريًا محضًا وهي بالضرورة لا يمكن أن تكون عسكرية فقط حيث يجند الثقافي فيها أفظع تجنيد من أجل إحكام الهيمنة الإقتصادية والسياسية على العالم. فالإمبريالية بما هي تجسيد للإضطهاد الطبقي والقومي لم تكن لتستمر، ولا يمكنها أن تستمر، في بسط هيمنتها على شعوب العالم إقتصاديا وسياسيًا وفي إستنزافها للطبيعة بكل هذا اليسر الذي نراه لو لم تكن تمتلك إضافة إلى ترسانتها العسكرية المتطورة تكنلوجيا ترسانات أخرى " ثقافية " معدلة جينيًا وفق ما يخدم مصالحها، تُعبّر عنها وتبرر لها هيمنتها وتسعى إلى خلق وعي لدى الإنسانية جمعاء يؤبد وجودها وإستمرارها في نهجها الهمجي البربري الذي يطعن في المقتل حق الشعوب في تقرير المصير.


 

أولا: وعي قوى الهيمنة الإمبريالية بأهمية " الثقافي " في الصراع

 

إن الإقرار بالطابع الثقافي للحرب/ الإمبريالية لا يعني أن الحرب في شكلها السابق لظهور الإمبريالية لم تكن تستقي من الثقافي ما يسد حاجتها حتى تحكم الأمم المتناحرة نفوذها الإقتصادي والسياسي على بعضها البعض. لقد كان الثقافي حاضرًا بدرجات مختلفة ولكنّ شكل الحرب آنذاك مختلف عن شكلها " الأن وهنا " في لبوسها الإمبريالي، والتناقضات التي تسببت في إندلاعها في الماضي ليست نفس التناقضات التي تسببت في إندلاعها اليوم ( وإن كان المحدد لإندلاعها ماديًا إقتصاديًا ماضيًا وحاضرًا ).وهذا الإختلاف في شكل الحرب، ضرورة ، سينتج اختلافا في توظيف الثقافي سواءً على مستوى أدوات التوظيف وتقنياته أو على مستوى درجة الوعي بأهمية توظيف الثقافي ذاته في حسم الصراع. حيث تمتلك قوى الهيمنة الطبقية والإستعمارية اليوم أحدث التقنيات في الإتصالات والدعاية والإشهار، وبفعل إمكانياتها الأخطبوطية تمكنت من تركيز مؤسسات عديدة و متنوعة الإختصاصات منها ماهو إعلامي دعائي (مجلات، جرائد، قنوات تلفزية ...) ومنها ما هو فني ( سينما، موسيقى، مسرح ، دور نشر ...) ومنها ما هو بحثي أكاديمي (جامعات خاصة، وحدات بحث ...) وهو ما يكشف عن حقيقتين: الأولى ، تطويع التطور التكنلوجي لخدمة الثقافي الذي يعبر عنها ويحمي مصالحها .


والثانية، القناعة الراسخة بأنّ هيمنتها ( أي قوى الإستغلال و الإستعمار ) لا يمكن أن تكون ناجزةً دون ثقافة تجسد هذه الهيمنة وتكرسها. وهاتان الحقيقتان يمكن إختصارهما في حقيقة واحدة هي : لا وجود إطلاقًا، إطلاقًا، لثقافة محايدة، وإن إدعى منتجوها ذلك، إنّها مقحمة ، بالضرورة، في سياق التناقضات . وبما أنّا بصدد الحديث عن الإمبريالية التّي يعتبر تناقض الشعوب معها تناقضًا أساسيًا لا بد ألاّ نفقد بوصلتنا وأن نقر بصوت عالٍ إن الثقافي عنصر فاعل في هذا التناقض، ينحاز إلى أحد طرفيه : إما إلى الشعوب وإما إلى قوى الهيمنة الطبقية والاستعمارية .

 

ثانيا: معالم ثقافة الهيمنة الإمبريالية

 

حرصت قوى الهيمنة الطبقية والإستعمارية على خلق ثقافة تكون خادمًا أمينًا لها، ينتجها مثقفون توفقت في إستزلامهم بطريقة أو بأخرى، بوعي منهم أو بغير وعي، يشتغلون في مختلف ميادين الثقافة، يروجون دون كلل أو ملل لثقافتهم /ثقافتها التي إن تأملنا جيدًا في تفاصيلها سنجدها مرتكزة جوهريا على النقاط التالية :

 

أ- التركيز على الشكل وإهمال المضمون، أي الإقرار بأن الشكل في الفعل الثقافي هو أهم من المضمون، وإنّ تفضيل المضامين على الأشكال هو وهم من أوهام الإيديولوجيا.


إلا أنّ التركيز على المضامين ليس وهما من أوهام الإيديولوجيا إنما هو الأساسي في الفعل الثقافي لأن المضامين هي التي تخلق الوعي وليس الشكل، والشكل لا يعدو أن يكون الوعاء الذي توضع فيه هذه المضامين.


ب - التبشير بموت الإيديولوجيا ونبذ الإيديولوجيا وسجن الإيديولوجيا الخ


وهي مقولات دأبت على ترديدها إيديولوجيا رأس المال بهدف التشويش على مفهوم الإيديولوجيا بما هي منظومة أفكار تكون إفرازًا للتناقضات ومؤثرة فيها في آن معا، ونفي طابعها المتعدد باعتبار أنّ هناك إيديولوجيات وليس إيديولوجيا واحدة، كل منها يجسد إنحيازا معينًا لأحد طرفي التناقض. فموت الإيديولوجيا هي بالضرورة مقولة إيديولوجية تستهدف الإيديولوجيات التحررية وتبرأ زيفًا وبهتانا - الإيديولوجيا الرأسمالية المهيمنة من طابعها الإيديولوجي


ج - تشييء الإنسان والزج به في أتون الإستهلاك، تستنزفه وتقتل ماهو قيميٌ فيه لتحوله هو الآخر إلى سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب.


د - ترسيم تناقضات وهمية بين البشر من قبيل صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان لإخفاء حقيقة الصراع وطبيعته المادية الإقتصادية، دون التردد في القيام بمصالحة مع اللاهوت حتى تغذي النعرات الدينية أو الطائفية أو القبلية بين الأمم أو بين أبناء الأمة الواحدة حتى يظلوا تائهين عن حقيقة الصراع غير قادرين على فهم التناقضات، غارقين في صراعات وهمية تحيد بهم عن الصراع الحقيقي مع الإمبريالية وأذنابها وأزلامها وسدنتها.


ه - رفع لواء التصدي لما يسمى بالإرهاب، وتعمد الخلط بين الفعل المقاوم للإستعمار من جهة، والجرائم التي يرتكبها الإستعمار في حق الشعوب من جهة ثانية. وقد تصل هذه الثقافة، بكل رقاعة، إلى حد تزيين واقع الإستعمار لترسم له صورة الملاك المخلص من "الإرهاب" الجاثم على صدر هذا الشعب أو ذاك، وبالتالي فتح الأبواب أمام ثقافة التطبيع على مصراعيها.


كل هذه النقاط التي تمثل مرتكزات ثقافة قوى الهيمنة الطبقية والإستعمارية أسهمت في صناعة وعي لدى الشعوب لايقوى على تحديد العدو من الصفي ، متخبطٍ في متاهات اللاهوت والإستهلاك . ومثل هذا الوعي لا يخدم غير الإمبريالية وسدنتها المتمعشين على فتاتها.


:"
ثالثا: إلزامية الوعي بضرورة خوض غمار "الحرب الثقافية

إن أعلنا إنحيازنا التام لقضايا الشعوب، كل الشعوب، في مسار تحررها من ربقة الإستعباد والإستعمار سواءً بشكله المباشر أو غير المباشر (الإستعمار الجديد) ، وإن علمنا أنّ قوى الهيمنة الطبقية والإستعمارية قد كانت واعية بخوض غمار "الحرب الثقافية" وأعطتها حيزًا هاما من إهتمامها وجندت لها كل الإمكانيات حتى تهيمن ثقافتها على العالم بشكل يسهل هيمنتها الإقتصادية والسياسية، فإنه قد بات لزامًا علينا أن نتسلح بنفس الوعي بضرورة خوض غمار هذه الحرب الثقافية.


لا يعني ذلك أن القوى التقدمية في وطننا وفي العالم أجمع لم تكن واعية بهذه الحرب وضرورة خوض غمارها، إنّما نعني بذلك أنا قد لمسنا تراجعًا كبيرا لدورنا الثقافي في الحرب ضد هذه القوى في حين لمسنا وعيًا يزداد حدة يوما بعد يوم لديها بضرورة نشر ثقافتها لخلق وعي بشري متماهٍ معها أو في أسوإ الأحوال لا يقوى على معاداتها لأنه لا يستطيع تحديد طبيعة تناقضه معها المادية الإقتصادية .


لن نسكت أكثر مما سكتنا، لأنّا إن كنّا صادقين مع أنفسنا ومع شعوبنا في إنحيازنا لها سوف لن نغفر لأنفسنا هذا الظلم العظيم في حق هذه الشعوب: " ظلم السكوت عن تراجعنا في خوض غمار هذه الحرب الثقافية " الذي إن واصلنا في إقترافه سيكون الويل والثبور على الحركة التقدمية في قطرنا و في وطننا العربي و في العالم أجمع .


:

رابعا: ثقافة بديلة تقدمية تناهض الهيمنة الطبقية والاستعمارية

 

لنترك ثقافتهم يزينون بها مراحيضهم، لأن الفضلات لا مكان لها آخر غير المراحيض تأويها وتستوعب رائحتها النتنة، ولنسع إلى خلق ثقافة بديلة تكون على خط المواجهة مع قوى الإضطهاد و الإستغلال والإستعمار ، تجعل نصب أعينها مهمتين أولهما فضح ثقافة الهيمنة الرأسمالية /الإمبريالية والتشهير بمقولاتها وتبيان زيفها وبهتانها وسعيها المحموم إلى تأبيد واقع الهيمنة الطبقية والإستعمارية على البشرية جمعاء حتى وإن قدمت نفسها رافلة في حلل إنسانوية. والثانية، السعي إلى خلق وعي ثقافي بديل، يضع الإصبع على الداء، قادر على تمثل الواقع وتحديد التناقضات التي تشقه، وفهم طبيعتها ولمن ينحاز في خضمها للشعوب أم لقوى الهيمنة.


لتكن الثقافة البديلة التي ننشدها مرتكزة على مضامين تقدمية، ترتكز على هذه المضامين، تعلي من شأن هذه المضامين، ولنحاول ماإستطعنا أن لا يكون ذلك على حساب الشكل فللشكل أهميته الجمالية. ولنعلن إنتماءنا الإيديولوجي دون مواربة ولنقل نعم ! نحن مؤدلجون ! ولكنّا نتبنى إيديولوجيا تقدمية تحررية لا إيديولوجيا الزيف والبهتان المبشرة بموت الإيديولوجيا.


ولتكن ثقافتنا معلية من شأن الإنسان كقيمة تخلصه من براثن الإستهلاك والسلعنة، متجذرة فيما هو نيّر من تاريخها المحلي و ثقافتها المحلية منفتحة على إبداعات الشعوب في مسار تحررها من نيْر العبودبة بكل تمظهراتها، قادرة على دحر النعرات الدينية والطائفية والقبلية وتوجيه الصراع بإتجاهه السليم ضد قوى الإستعباد والظلام.


ولتكن ثقافة تتبنى المقاومة وتناهض التطبيع وتدين الإرهاب، نعم! تدين الإرهاب! ولكن الإرهاب الذي تدينه هو ما تمارسه قوى الهيمنة الطبقية والإستعمارية ضد الشعوب من جرائم قصد تأبيد واقع هيمنتها والمواصلة في حرمان هذه الشعوب من حقها في تقرير المصير والتحكم في ثرواتها ومقدراتها.


"
الإمبريالية هي الحرب " ، والحرب تخاض على كل الصعد، فلنخض حربنا ضدها ثقافيًا، كمبدعين ومثقفين تقدميين، ولنسهم من موقعنا في تحقيق السلام للبشرية.

 

شاهين السّافي
شاعر تونسي شاب

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

 

 

 

لا

 

للأحتلال