Untitled Document

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 

قراءة في المجابهة الكبرى

 

د.كاظم الموسوي

تحت عنوان: المجابهة الكبرى، وعنوان فرعي آخر/ القصة الحقيقية لانهيار الاتحاد السوفيتي،

 صدر الكتاب الذي ترجم للغة العربية عن الروسية، ضاما أكثر من خمسين عنوانا داخليا، أو فصلا مكثفا للكاتب والمفكر والسياسي الكسندر دزاسوخوف، عن دار التكوين- دمشق أواخر العام الماضي 2009، والمؤلف الكسندر سيرغييفيتش دزاسوخوف دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية (علاقات عامة)، وعضو عامل في الاكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية، حمل رتبة سفير مفوض فوق العادة. كان في اعوام 1988- 1991 عضوا في هيئة رئاسة السوفييت الاعلى للاتحاد السوفيتي. وشغل في عامي 1990- 1991 منصب سكرتير وعضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، شارك غير مرة في ندوات الامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى. ومؤلف لعدة دراسات وكثير من المواد في مسائل الفدرالية والقوقاز والسياسة الخارجية الروسية. كما شغل منصب رئيس جمهورية اوسيتيا الشمالية. كما نص الغلاف الخارجي للكتاب. والكتاب من خلال ما عرضه كاتبه باسمه وموقعه الحزبي والسياسي والفكري، يعد وثيقة مهمة بارزة عن قصة انهيار الاتحاد السوفيتي وسيرة ذاتية حافلة، ليس للمؤلف وحسب، وانما للحزب والدولة والاجيال القادمة، كما عبر المؤلف عن ذلك. ومهما اتفقنا او اختلفنا معه فان ما سطره في تلك الصفحات الاكثر من ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير  والصور الفوتوغرافية للمؤلف مع العديد من الشخصيات الدولية، يعبر عن وقائع يومية لمسيرة نضال وكفاح الرجل والحزب و"الشعب السوفيتي"، وقراءة الكتاب تغني جوانب كثيرة ظلت طي الكتمان او الغموض او البعد عن القاريء المتابع لما حصل في الاتحاد السوفيتي، وكيف انهار ذلك البناء الشامخ في تلك الايام العاصفة.

تجربة المؤلف وخبرته السياسية والحكومية جعلته ينتقي من صفحات التاريخ الطويل ما يعزز افكاره وقناعاته ولا يحيد عن الموضوعية التي اختارها للبحث في تلك السنوات المنصرمة، رغم صعوبة ذلك او تعقيده، والالتفات الى التغييرات الجذرية في حياة الملايين من مواطنيه والتاثير الجوهري في مصائرهم التاريخية. وأضاف: حينما افكر في السنوات التي عشتها، اتساءل باخلاص: ما الذي بقي من ذلك الزمن؟. ربما لم يبق سوى ذكرى تلك التعددية للاراء غير المسبوقة والمفردات التي لم يعد لها نظير والشخصيات السياسية المعروفة زمن البيريسترويكا؟. وهو كما قال: احاول في كتابي ان ابين لماذا مني مشروع البيريسترويكا، الذي لا غبار عليه نظريا، بالهزيمة؟.

بعد فصول السيرة الذاتية عن الطفولة والدراسة والعمل الشبابي والحزبي والدبلوماسي، أنتقل الى فصول انتخابه الى المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي وتكليفه بالعمل الايديولوجي وقناعاته بما جاء به السكرتير العام للحزب ميخائيل غورباتشوف، من شعارات التجديد والتغيير والعلنية واعادة البناء، وحاول ان يعمل من اجلها في التغيرات التي طالت البنى الاساسية في التفكير الحزبي والسياسي والاقتصادي في الاتحاد السوفيتي وضرورة الاصلاح والتجديد فيها. وفي اغلب ما اورده عنها بقيت لديه اسئلة عن دور غورباتشوف السلبي، رغم انه يكن له مودة كبيرة، ولم يحاول ان يضع لوما عليه في اكثر اللحظات التاريخية خطورة، على الحزب والدولة ومستقبل الاتحاد، ولدوره الرئيسي في ذلك الانهيار. ولكن من خلال سير الصفحات يستشف القارئ مسؤولية غورباتشوف المباشرة، شخصيا، وليست موقعا حزبيا ورسميا وحسب وكما هو في الواقع، عن الانهيار الحقيقي الذي حصل، ليس في الشعارات والبيانات التي رفعت وانما في الممارسات الفعلية التي تمت عبر تهديم البناء الحزبي اولا ومن ثم الدولة والتفرج على الانهيارات الى يومنا هذا ثانيا. حاول الدفاع عنه مع بث الشك فيه الا انه لم يقله بوضوح. فالكاتب لم يتاكد لماذا غيّر السكرتير العام كل القمة الحزبية وقدم اليها اشخاصا لم يسمع بهم، ولماذا غيّر توزيع المهمات والمسؤوليات ولم يرع سيرها الطبيعي والتاريخي، ولماذا لم يستمع الى نصائح العقلانيين من امثال المؤلف، والاصدقاء الغربيين بينما استمع ونفذ نصائح وضغوط الاعداء الغربيين وتوابعهم الداخليين؟.

وضع المؤلف المسؤولية على السكرتير العام عبر اقوال غيره، " فبعد سنة او سنة ونصف من بدء البيريسترويكا اصبح واضحا ان ما وضع في النظرية لم ينفذ في الممارسة. وادى البحث عن الاسباب الى اكثر الاستنتاجات وضوحا: الاليات البيروقراطية لادارة الاقتصاد وتوجيه الاقتصاد في الاتحاد السوفييتي غير متطورة، بلطيف العبارة. والمحاولات اللاحقة لاصلاح هذا المجال لم تسفر كذلك عن النتائج المرجوة. عندئذ ظهرت لدى غورباتشوف واقرب بطانته اليه، كما اعتقد، فكرة الاصلاح السياسي الواسع، في البداية بصورة عامة، غير مدروسة. ومهمتها الرئيسية كشف وانتزاع الاليات الكابحة في ميدان الادارة."... " لكن كان على الزعيم الجديد ان يعمل في الاتحاد السوفييتي بخاصيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقومية والثقافية وغيرها."... " ومع ان فكرة اشاعة الديمقراطية في الحزب والدولة والمجتمع قد نضجت في دائرة ضيقة نسبيا من القيادة العليا، الا ان المبادرات اللاحقة والمحاولات الاولى لتنفيذها اثارت اهتماما ودعما شديدين في البلاد. ولم يعش الغرب وحده المانيا، وبدرجة اقل الولايات المتحدة- ما يسمى "حب غورباتشوف"، بل عاشه الاتحاد السوفييتي نفسه".. ورغم ذلك ولان ما خفي هو الاعظم رصد الكاتب في جملته التالية معنى تلك التحولات الغورباتشوفية:"كان الانقلاب الفكري في وعي الناس قويا الى درجة اخذت معها اشاعة الديمقراطية تقرع كل الابواب بعد ثلاث سنوات من بداية البيريسترويكا. وتم الخيار الحاسم في صيف عام 1988 في كونفرنس الحزب الشيوعي السوفييتي التاسع عشر لعموم الاتحاد السوفيتي. وقد دخل التاريخ كحدث سياسي اقر، للاسف، عناصر خطرة في "استباق الزمن" اضطلعت لاحقا بدور خطير في زعزعة دولتنا." وصولا الى تقويمه: "لدى تقويم الافكار والاعمال السياسية لاخر سكرتير عام للحزب الشيوعي السوفييتي غالبا ما يعرب عن اراء راديكالية. يعتبر الكثيرون ان مبادراته وتصرفاته تحمل طابعا هداما ومدمرا عن قصد، وانه اصبح رهينة لشعبيته الدولية المرتفعة، وانه، كما يقولون، انتسب الى الحزب ليقضي عليه من الداخل. وقد ظهر هذا الراي وشاع على نطاق واسع في عامي 1989- 1990" . ومع كل ما حصل برر المؤلف ما استنتجه الاخرون عن الدور الرئيس مخطئا الافتراض العام ومعيدا الاسباب الى: "قصر النظر الى الواقع وضيق التجربة الشمولية للنشاط السياسي على اعلى مستوى". وهنا يتناقض الكاتب مع عمليات التهديم المستمرة، وادوار اخرى لغورباتشوف وزوجته وبوريس يلتسن وامثالهم في القيادة العليا للحزب والدولة لعبت فيما حدث وما وصل اليه الاتحاد السوفييتي بقصد وتعمد وتعاون مع الضغوط الخارجية.

في كتابته الواسعة عن مهمته في كتابة برنامج للحزب الشيوعي السوفييتي نظّر المؤلف بقناعة وادراك لمهمات التغيير والتجديد والاصلاح وضرورتها في عالم يتطور بسرعة ويتنافس بقوتها الثورية، وبذل جهده في التعبير عنها وبتحويل دور الحزب واستقلالية الدولة عنه. " وانني خلافا لهذا الموقف، اؤكد، بالاعتماد على تجربتي، ان هذه الامكانية كانت متوفرة بلا شك، ولكن لم يتسن تحقيقها بسبب التظافر التراجيدي للظروف غير المؤاتية. اعتقد انه سنحت للحزب الشيوعي السوفييتي فرصة فعلية ذات وزن كبير لان يغدو منظمة جبارة، قوية في دولة ديمقراطية متجددة. ولبقي عندئذ حزبا حاكما او طليعيا، صاحب قرار على امتداد سنوات عديدة اخرى". (ص192) ولكن دور غورباتشوف في دفع تلك التوجهات الى الاصطدام بين قواها والمعارضة لها والمعادية لكليهما، حال دون انتصار الشعارات التي رفعها. ففي الوقت الذي وضع مشروع البرنامج الحزبي ترتيب الاحكام "انطلاقا من الوقائع التي تكونت في خلال البيريسترويكا. وبحث في تنفيذ المهمات السياسية العامة الاتية: تطوير الدولة السوفييتية المتعددة القوميات كفيدرالية ديمقراطية حقا لجمهوريات ذات سيادة، بناء دولة القانون وتطوير المؤسسات الديمقراطية، ضمان حقوق وحريات المواطنين في كل اراضي البلاد وجعل التشريع المتعلق بحقوق الانسان مطابقا للمعايير الدولية، رفض تدخل هيئات الدولة في نشاط التشكيلات الاجتماعية العاملة وفق مقتضيات الدستور والقانون." بعد ان اكد البرنامج على اولوية الدستور السوفييتي ودور الدولة والبرلمان والقوانين وفقا لما حصل في الواقع من تغيرات راديكالية.

تساءل المؤلف في عدد من القضايا المحيرة له رغم موقعه القيادي ومساهماته فذكر حول ما حصل لتمزيق الاتحاد و"المعسكر الاشتراكي": " واعترف صادقا بانه لا تزال الى اليوم غير واضحة لي تماما البواعث التي حدت بغورباتشوف لان يتصرف حينذاك بمعزل عن القيادة الحزبية الحكومية للبلاد".(ص 216). ومثل هذا الدور قام به السكرتير العام للحزب في ادارة العمليات التي ادت الى ما آل اليه الوضع، ولم يطلع عليها اقرب الناس له او في الحزب والدولة. الامر الذي اتاح لعمليات التهديم والانهيار وانكشاف الحزب والدولة لها.  ونقل الكاتب عن سبب من اسباب القصة عن بوموروف، السكرتير الاول للجنة الحزب في مقاطعة تومسك بان الجو السياسي في سنوات البيريسترويكا اتخم بقوانين متفككة من شانها ان تبلبل الراي العام وتوصل المجتمع الى الفوضى. النهاية التي سرعت اليها، كما اكد المؤلف، فترة ما بعد محاولة اغسطس/ آب. ومن بينها دهشته من ان اكثر المتحاملين على الحزب الشيوعي حقدا، كان ياروشينكو، نائب السوفيت الاعلى للاتحاد السوفييتي الذي انتخب ضمن قائمة من مائة شخص اوصت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي بانتخابهم الى الهيئة التشريعية العليا. وهذه القائمة، وبتعبير ادق، وضعها غورباتشوف وبطانته المقربة. وانا اشك في انه كان بوسع ياروشينكو ان يفوز في انتخابات طبيعية على اساس منافسة شريفة ومكشوفة". (ص 238).

في الكتاب الكثير من الامور التي لا يعبر تلخيصها عنها ولكن الاشارة اليها، مثلما سبق، تفصح عن اسباب داخلية وخارجية وراء كل القصة. والمهم كما سجل المؤلف في ص 314: "ان هذا الكتاب يتضمن ولو جزءا من الجواب عن اصعب سؤال: لماذا كانت مسيرة الاحداث مغايرة؟. لقد جعل الصراع الضاري وتصادم الطباع الصعبة والعنيدة المرحلة الانتقالية من النظام الاداري الممركز للغاية الى الدولة الفدرالية الديمقراطية اكثر صعوبة بمرات ومرات. ولم يكن من النادر ان يضاف الى هذا الصراع جهل بهشاشة المجتمع بحد ذاته ناهيكم عن التشكيلة الاجتماعية الفائقة التعقيد، كما كان شان دولتنا".. واستخلص موحيا:" ومن الواضح في كل هذه الظروف ان زعماء المجتمع السياسي الناشئ في الاتحاد السوفييتي كانت تعوزهم، للبحث عن طريق جديدة، الارادة الحسنة والسعي الى ان يصغي بعضهم الى بعض حتى النهاية وتفهم المعارضين ومعرفة التخلي عن الطموحات الشخصية والتقدم بخطوات نحو الوفاق والاجماع". ويتفاءل الكاتب رغم الكارثة الكبرى التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي والخراب الكبير من خلال فترة "المواجهة الكبرى" بان المستقبل للشعب وقواه الحقيقية المنبثقة منه والمعبرة عن مصالحه ومستقبله. وهذا التفاؤل وتسجيل رؤياه لما حصل هو سبيل للمشاركة من جديد في اعادة البناء السليم والاخلاص للقناعات والتوجهات الصادقة التي تكتسب احترام الشعوب، مستفيدة من دروس تلك الايام، ولعل ما ورد في الكتاب ما يسهم ايضا.

كاظم الموسوي

k_almousawi@hotmail.com 

www.kadhimmousawi.blogspot.com 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

جميع الحقوق محفوظة   2009 صوت اليسار العراقي

Rahakmedia - Germany

مقالات مختارة

 تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة