عقلية الاستباحة بين تسويغ الاحتلال والتنكيل بالمخالفين: مهدي قاسم، نموذجا حمزة الحسن صوت اليسار العراقي

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

               

مقالات مختارة

 مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 

عقلية الاستباحة بين تسويغ الاحتلال والتنكيل بالمخالفين:

 مهدي قاسم، نموذجا

حمزة الحسن

 كنوت همسون الروائي النرويجي وهو يودع القوات النازية خلال احتلال النرويج

 

 ـ ( يبدو العراقي اتكاليا وخاملا وعاجزا عن تنظيف عتبة بيته من النفايات منتظراً الأوامر والتلويح بالسياط ليقوم بمهمته وواجباته) ـ من مقال: التشابه الكبير بين عراق اليوم وألمانيا الأمس،2010/4/21، مهدي قاسم.

ـ ( العراقي منافق يقول الشيء ويقول عكسه وهو لا يحب الديمقراطية) ـ من مقال: ازدواجية الشارع العراقي، 20/4/2010، مهدي قاسم.

ـ ( العتب على أمريكا لأنها أعطت الديمقراطية لأناس لا يستحقونها)، مقال نشر في آذار 2010: مهدي قاسم...جميع هذه المقالات على موقع واحد.

 

1

نشر موقع "صوت العراق" المعروف والمتخصص بحملات1 :تسويغ الاحتلال و 2 :التشهير بالمحتجين عليه بتاريخ 10/4/ 2010 مقالة للمدعو مهدي قاسم وهو من مؤسسي ظاهرة كتاب الاحتلال، تتعرض لنا ولغيرنا بالتشهير الزقاقي الذي عودنا عليه منذ ظهوره لأول مرة في تشرين الأول عام 2002 ، وكان مختبئاً طوال سنوات الدكتاتورية، ولم يمد بوزه من مركز الشرطة الهنغاري(كشرطي مترجم) الا بعد أن وصلت طلائع المارينز الى حدود العراق واقتراب الهجوم، وأعاد نشر هذا المقال في موقع (المترو) في 11/4/2010، وهو بالمناسبة واحد من عشرات المقالات عنا والتي اطلعنا عليها فقط طول سنوات الحريق السبع الأخيرة، وموقع "صوت العراق" يرفض على مدى كل هذه السنوات نشر أي رد لأسباب نعرفها جيدا ولم تعد سرا ومنها: تسويغ المشروع الاحتلالي الأمريكي وادارة الأزمات في العراق وتأجيج الصراعات لأن كل منبر يعكس أخلاق وعقلية وثقافة صاحبه أو مؤسسته، وهذه من حصة بعض هؤلاء، أو التشهير بسمعة المناوئين من سياسيين ومثقفين وكتاب وشعراء وكانت حصة الشاعر سعدي يوسف النصيب الأوفر:( من بينها تهمة شرب عصير التفاح والجماهير لا تجد الماء النقي) والروائي سليم مطر:( كل أنواع المساوئ الجنسية) والكاتب علاء اللامي:( تهمته صبغ الشعر والموساد ـ وعلق على ذلك: شكرا لهم لأن معايبي تعد على الأصابع) وانا:( قالوا عنا أكثر مما قال مالك في الخمر وتتعلق بالجانب العائلي) وأما الكاتب والروائي العشريني الشاب عبد اللطيف الحرز فكان نصيبه من مهدي قاسم نفسه مناشدة بتنفيذ حكم الاعدام به علنا، بل ذهب هذا الموقع الى وصف دكتور وطني رافض للاحتلال بكونه قواداً... مع أن ترويج مشروع المحتل أسوأ من ذلك بكثير ـ وهذه حصة البعض الآخر من مروجي الاحتلال في تبادل وتوزيع للأدوار: هذه ظاهرة سياسية وثقافية واخلاقية على مر العصور وتتجسد في شخص أو شخوص ومن هذه الزاوية وحدها يجري تفكيكها لأنها تتجاوز الفرد الى قضية عامة هي قضية الاحتلال والكتابة والمستقبل.

كل هذه الحملات من دون الاقتراب على الاطلاق من أي نص أدبي أو سياسي أو شعري أو فكري حسب صفقة الارتزاق، وكلاهما(فريق التسويغ وفريق التشهير ـ وهو عقد أمريكي معلن للعمل ومنشور وصريح) من مستوى ثقافي وسياسي وضيع لأن النخبة العراقية الادبية والسياسية النظيفة لم تندفع كلها خلف هذا المشروع وفضّل فريق منها الصمت في بعض الأحوال أو لم ينغمس فريق ثالث في رذيلة الكتابة عن محتجين على الاحتلال لأن من حق الكتاب والناس اتخاذ مواقفهم في قضايا مصيرية كالحرب والسلام: هؤلاء ليسوا صنفا واحدا، ومن غير المعقول وضعهم جميعا في سلة واحدة لأن الدكتاتورية الكريهة أفقدت الناس صوابهم، لكن قلة تائهة مهجورة انغمست بالكامل مع المشروع وفضلت أن تكون ممسحة أو( كتاب مارينز) بتعبير أدوارد سعيد، وهي تتغذى كجرذان الكوارث على هذا الدم المسفوك، هؤلاء حتى عند فشل مشروع الاحتلال واصلوا الطريق لأن هذا من شروط التعاقد مع المحتل كما نُشر ذلك في وسائل اعلام أمريكية مع المتعاقدين والاذلاء المحليين الصغار للترويج للمشروع.

لكن مهدي قاسم الذي يكتب عنا وعن غيرنا بلا أي مناسبة لأن الاحتلال مناسبة مستمرة ورفضه مناسبة مستمرة أيضا وعلى مدى سنوات متواصلة ما هي حجته أو ذريعته، هذه المرة؟ يقول في مقاله انه عثر على صورته في موقع اليوتوب وقد كُتب عليها تحت عنوان:( أعداء الشعب العراقي: مأجور... والخ) مع صور لسياسيين عراقيين ومنهم عزت الدوري، ويستغرب هذا المرتزق لأن الناس تعرف بديهية عادية يعرفها كثيرون وتقولها كتاباته كما سنأتي على ذلك بالشواهد وشتم الشعب العراقي كل يوم من على ذاك المنبر والتشهير( وهو اختصاصه الأصلي الذي لم يخرج عنه الا نادراً وللتمويه) بالعوائل والكتاب في حياتهم الشخصية وصنع الأساطير عنهم في سلوك كلبي افتراسي مبتذل نادر المثال، وهو دائم الشكوى والانزعاج من رسائل شخصية عبر البريد من كتاب وعوائل تستنكر هذا الاسلوب غير المهذب في التشهير، رسائل لا يطلع عليه أحد غيره، ولكنه يعتبر استباحة الناس في خصوصياتهم وحياتهم الفردية في وسائل اعلام عامة عبر التلفيق الشنيع حقا شخصيا من مبدأ الاستباحة للأرض والعرض معاً، بل الأدهى انه يعرب عن دهشته من سخط هؤلاء، وهو أمر لا يمكن تفسيره بمعايير سوية ولكنه دائم النشر لرسائل التهنئة بعد انخفاض درجة حرارته كما سنرى بعد قليل في استعراض نرجسي غريب، وعلى هذا الشكل، في حقل الكتابة السياسية.

لماذا يستغرب مهدي قاسم، قبل الدخول في عالمه الغريب، من وجود صورته الى جانب صورة عزت الدوري وغدا يجد صورته وأمثاله في كتب الصغار والكبار عن هذا التاريخ الجارح؟ السلطة ليست جيشا وشرطة بل عقلية، وهي لم تعد مؤسسة بل طريقة حياة، وليست سجنا وثكنة وسلاحا ولكنها أيضا وجهة نظر وبالتالي حتى في حالة غياب صورته،اليوم، لكن صورته في الذاكرة العامة واحدة، غداً: صورة الهتك والخراب والتبجح والمتاجرة بالعراق: هل دقق هذا ونماذجه بصورة الروائي النرويجي كنوت همسون الحاصل على جائزة نوبل في الادب(1859 ـ 1952) وهو يرفع يده ملوحا بالوداع للقوات النازية وهي الصورة التي عُرضت أمامه وهو في قفص المحكمة مع وثائق أخرى بعد التحرير وكاد أن يحكم عليه بالاعدام بتهمة الخيانة الوطنية كما حكم على غيره ونفذ ،حالا، ولم يشفع له تاريخه الادبي وهو يعد كالمعري والمتنبي وعبد الله كوران في الادب العراقي، لكن حملة عالمية قادها سارتر وهمنغواي وفوكنر وغيرهم طالبت بالنظر الى ظروف قرار كنوت همسون الغريب في دعم الاحتلال هي التي انقذته وليس إدعاء محاميه في أن همسون كان خرفاً( الصورة رقم 1)، وكذلك الشاعر الأمريكي ورائد الشعر الحديث عزرا باوند ( 1885 ـ 1972) يوم وقف الى جانب الفاشية وانتهى في السجن( كما في الصورة رقم 2) .هذه حقائق التاريخ القريب ونحن لم نخترعها، فلماذا الهروب الى الأمام كل مرة واختلاق ذرائع جديدة كلما فضحت قبلها؟

الشاعر عزرا باوند في القفص لتعاونه مع الاحتلال والفاشية

 

لا أريد أن أتساءل عن علاقتي بأمر الصورة الذي لم أعرفه الا من مقاله لأن صورة الحدث لا يمكن أن تُرى الا بالعودة الى جذور مواقف مهدي قاسم نفسه منا ومن الاحتلال، وهي تعود، مرة أخرى، الى عام 2002، وحملته علينا لا تُفهم الا في سياق ما هو معروف عن الرجل من روح التهكم التي تخفي العجز المعرفي والثقافي والادبي والسياسي والتشنيع الاخلاقي الباهت كما هو واضح في المقالة المذكورة حيث جميع خصوم مهدي قاسم مجانين وعملاء والخ وهلم جرا:( ولماذا يشغل نفسه بهم طوال سبع سنوات بصورة يومية؟ أم أن الأمر واجب ووظيفة؟) وسنرى في توضيح له وهو على فراش الموت كما يزعم، وقد قام منه كالعنقاء ويشكر المهنئين بلا ذكر اسماء، طبعاً، وفي عراق يحترق كل لحظة، في مقال على صوت العراق، حتماً، بعنوان:( ضربة قاضية 28/5/2010) كيف انه غارق في الحمى وتوقف عن الكتابة عدة ايام ويهذي وصار مثل سمكة تسبح في الماء من العرق ودرجة الحرارة وصلت الاربعين  ـ هذه عباراته كما لو أن الناس بحاجة الى هذه التفاصيل السريرية ومهتمة بها من دون غيرها ـ ومع ذلك لم ينس خصومه في ذلك التوضيح والوصية( لكنه لم يتذكر العراق ولا أي شيء آخر): هل من المعقول في قضية كبرى كالإحتلال أن نصمت لكي نكون بشرا وطيبين وعقلاء كما يريد هذا اليائس؟ في مقال له بتاريخ 1/6/2010 ( الجمود العام والمزاج الخام) يقول فيه حرفيا: ( المزاج العام قد انتهى معتكرا ومغلقا على نفسه ومحبطا، بعدما انتظر طويلا معولا ومعتمدا على مصداقية هؤلاء الساسة المتنفذين، ولكن... عبثا). 

لا يتعلق الأمر بمزاج شخصي كما سيتوضح من مقالاته التي سنعرض لها بل، وبكلماته هو، ان هذا المزاج المعتكر والمغلق والمحبط والمعوّل والمعتمد والمنتظِر نتيجة فشل الساسة المتنفذين وبصريح العبارة... فشل مشروع الاحتلال وهو قالها في مكان اخر كما سيأتي بل عتب على أمريكا قائلا:( لأنها أعطت الديمقراطية لمن لا يستحقونها). ليس فقط لا نستحق الديمقراطية الأمريكية بل نحن شعب يقول عنه حرفيا أيضا :( كسول ولا يكنس عتبة بيته ولا يعمل الا بالسياط) وعليه فإن تعذيبنا هو الوسيلة الوحيدة  للتمدين لأننا من صنف الزنوج والهنود الحمر و وباقي الصور النمطية المريضة. لماذا حين تهجم امبريالية متوحشة يصبح مزاج مهدي قاسم رائقا وحين تفشل يتعكر ويحبط وينغلق وندفع، في الحالتين، ثمن المزاج المشوه؟ على من يبيع هذه البضاعة البائرة والنخبة العراقية الوطنية في السياسة والثقافة لا تسمح بتمرير مثل هذه الترهات مهما غُلّفت بأقنعة فاقعة؟ ورغم كل هذه البذاءة سيقول في 6/6/2010 ان هناك من يتوهم أو يتخيل بعدو افتراضي هو مهدي قاسم، لكنه يعترف في مقال سابق بعنوان( الديمقراطية المطاطية الأمريكية الخاصة بالعراق ـ 4/2/2010) ان الديمقراطية "المطاطية" الأمريكية غير مفصلة تماما على المؤخرة العراقية لأن هذه تستحق الركل وهو كلام يكرره بضجر كما سنعرف في الآتي: لكن ما هو بديل هذه الديمقراطية( المطاطية) أي المرنة جدا؟ هو الديمقراطية الصلبة لأن العراقي كما يقول حرفيا( منافق يقول الشيء وعكسه وهو لا يحب الديمقراطية) وحرفيا أيضا( العراقي لا ينظف عتبة بيته من النفايات... منتظرا الأوامر والتلويح بالسياط لكي يقوم بواجبه). ماذا نشتهي أكثر من ذلك؟ مع ذلك يقول اننا نخترع العدو مع ان هذا المنطق الصفيق لم يقله عدو محتل من أجل الحفاظ على المظاهر في الأقل.

في 1/6/ 2010 لكن في المساء وليس في الفجر وعلى الموقع نفسه كتب مقالاً ثانيا بعنوان( الى صاحب الذوق الرفيع، امنحني شيئا من ذوقك الرفيع) يحتج فيه بشدة ـ وخلاف العادة هذه المرة اذ ظهر مقاله في المساء والمعتاد ان يظهر كل فجر لكي يكون في الواجهة ـ على كاتب آخر كتب مقالا يتهم أحد الكتّاب، بلا تسمية، بقلة الذوق باستعمال الفاظ شارعية في حقل النقاش السياسي وهذه وجهة نظر معروفة لكنه يلجأ كل مرة الى تبرير المشكلة بمشكلة أخرى ورغم ان مهدي قاسم لم يوضح هوية كاتب المقال ولكن يمكن توقع انه مقال السيد فالح الماجدي الذي يحمل عنوان( لكل داء دواء يستطب به الا الحماقة أعيت من يداويها) ويتحدث عن كاتب دون أن يسميه أعلن حربا قذرة على الجميع باسلوب يخلو من كل أدب للحوار وعلى طريقة الحمقى ولتصفية حساب نتيجة عقدة الشعور بالدونية وعن( التسافل والانحطاط والسقوط والاساليب المريضة ـ كما جاء حرفيا) وكما سيأتي ان مهدي قاسم صار يقفز، فوراً، للرد على كل من يذكر هذه الصفات رغم عدم ذكره بالاسم لأن عاهاته صارت هي الاسم والعنوان، ومن المحتمل أيضا أن يكون مقال محمد الحمداني بعنوان(حول التهديدات التي يتعرض لها صوت العراق) في الموقع نفسه وفي التاريخ نفسه حيث اعتبر الحمداني مهدي قاسم تهديدا لموقع صوت العراق، فلم يستلم غير الشتائم على الحمداني أو غيره بغير حساب وبعد ساعات من نشر المقال وفي أسرع رد فوري، حتى صرنا نعرف خصوم هذا الرجل ليس من مقالاتهم التي تأنف تسميته ولكن من رده العاجل والمتشنج علي مقالات تتحدث عن اخلاقيات الكتابة السياسية: فكيف حدث انه دخل في عدة معارك تهاتر مع عدة كتاب في اليوم نفسه وللسبب نفسه؟ لنأخذ عينة عشوائية من هذه المقالات لكي نفهم باقي السلسلة:

1: مقال في 28/5/2010 بعنوان( ضربة قاضية) قال انه كتبه تحت الحمى والهذيان ودرجة حرارة 40 وتحت تأثير ضربة صحية قاضية... مع تفاصيل سريرية طويلة سيأتي ذكرها.

 2: مقال بعنوان( الف عفطة وعفطة...الخ... آيار/ 2010) يقول انه كتبه تحت تأثير صدمة...الخ.

3: مقال بعنوان( الجمود العام والمزاج الخام) بتاريخ 1/6/2010 يقول انه كتبته تحت تأثير مزاج معتكر ومغلق محبط...الخ.

4 : مقاله عنا بتاريخ 11/4/ 2010 بعنوان( أنا وعزت الدوري...و... في فيلم هندي الخ العنوان الباهت) يقول انه كتبه تحت تأثير الدهشة والضحك والتهكم والخ. ولا ندري اذا كان يكتب مقالاته تحت مثل هذه الحالات النفسية والتشنجات الصحية والصدمات، فلماذا بالأحرى لا يراجع مستشفى بدل هذه الاخبار الخاصة عن نفسه في موقع يسمي نفسه صوت العراق وليس صوت مهدي قاسم أم لا فرق؟ الأهم كيف سيكتب في قضايا حساسة وطنية وكيف ستكون صورة الاخرين في هذه الترهات تحت هول هذه الانفعالات الحادة؟

الحقيقة ان الرجل لم يتعرض ذلك اليوم كما هو واضح من هذا الاهتزاز المروع في الاعصاب لـ ( ضربة قاضية) صحية كما يدعي، بل تعرض لـ( صدمة نفسية) مباشرة بعد نشر مقالنا عنه على موقع( المترو 25/ 5/2010) وفي يوم نشر ردنا بالذات كما هو واضح من التوضيح العجيب والهاذي فعلا الذي تأخر ثلاثة أيام والدليل الصارخ على صدمة عصبية عنيفة كان يحتاجها من وقت أبكر، لأن هذا الصنف من المأجورين على هشاشتهم استطابوا طعم نهش لحم النخبة الوطنية المثقفة واستطابوا أكثر طعم الصمت وغياب اخلاق التضامن وقلة المنابر الوطنية المستقلة وكونهم يتمتعون بحماية من مواقع مأجورة، ولأن هذا الصنف صدّق أوهاماً تعايش معها سنوات وصارت مبادئ ومقدسات في مناخ اعلامي وسياسي معروف الصفات يغذي في هؤلاء نزعة كلبية استعراضية ومشاعر عظمة فارغة، لذلك صُدم مهدي قاسم وهو يرى للمرة الأولى وعلى نحو أوضح صورة موثقة غير مشخصنة عنه، فأصيب بـ( ضربة نفسية قاضية) تماما كما أصيب مشروع الاحتلال: كلاهما يتفسخان في لحظة تاريخية واحدة وهذا قدر التاريخ وليست رغبتنا وحدها: أدناه المقال الذي نشره لنا موقع المترو، وهو بالمناسبة رد على مقال مهدي قاسم وليس مبادرة منا أبدا وكما يُدهش من رد واحد على طوفان من الترهات التافهة ويكرر الرد مرات، كذلك يُدهش من رسائل شخصية ترسل اليه بعيدا عن وسائل الاعلام تشجب هذا الاسلوب الدنيء: لأن حق الاستباحة مكفول له بموجب عقد الاستقواء بمواقع مأجورة تستغل قلة المنابر الوطنية المستقلة مع كل الأسف بحيث يصبح الرد هو المشكلة، ودليل آخر على هذه الصدمة هي العودة، ثانية، و ربما ثالثة، للرد على رد واحد ولكنه موثق وبعيد عن الشخصنة، في محاولة عبر التحايل اللغوي خلق صورة وهمية في مناخ عراقي عام ضبابي وملتبس تتداخل فيه الحقائق والاكاذيب.

هذا المقال ـ عدا المقدمة ـ أُرسِل الى مهدي قاسم قبل ان يُنشر في شهر نيسان ولم يكن مقررا أن ننشره ولكنه وضع تحت تصرفه كفرصة نادرة وأخيرة وكدليل على عدم رغبتنا في الخوض في هذا النوع من السجالات رغم معرفتنا دوافع هؤلاء وتركنا له خيار توقيت نشره وبالفعل لم تمض بضعة أيام على استلامه المقال، حتى كتب مقاله المذكور ـ بعد سلسلة مقالات مستمرة ـ باللغة المعروفة في سلوك كلبي افتراسي ونَشَره في موقعين بتاريخ 10/4/ و11/4/2010 لذلك اضطررنا الى نشره كخيار أخير وبعد مرور 45 يوما من التردد بتاريخ 25/5/2010. لكن لا يتوقع أحد أن هذه نهاية مطاف مهدي قاسم: ففي 6/6/2010، كتب( طبيعة شرسة) عن رجل يتوهم أعداءً متخيلين ويعيش على هاجس ( العدو الافتراضي). لكن اذا كان هذا الرجل يشعر بوهم عدو افتراضي، فمن كان يكتب كل هذه المقالات بطريقة الهتك وبالاسم الثلاثي وطوال سنوات الاحتلال؟ هل هو كاتب افتراضي متخيل؟ أم أن هذا تطبيق للمثل المعروف: اذا لم تستح، افعل ما تشاء؟

لكن هل صحيح، بموجب ذهنية الاحتيال وعقلية دلاّل وطن، اننا نتوهم ونحلم بعدو افتراضي اسمه مهدي قاسم ولا شغل لنا غير التفكير فيه مع ان الأمر معكوس تماما؟ لنقرأ للكاتب سيف الدين علي هذه السطور من مقال في 24/7/2007 بعنوان:( وفاة الكاتب مهدي قاسم، معنويا) تحاشى الرجل أن يقول مات أخلاقيا، يقول فيه(لم يبرح هذا الكاتب المدعو مهدي قاسم من التهجم على كتاب شهد لهم القراء بالوطنية والاصالة العراقية...متهما اياهم بمختلف التهم الجاهزة التي يرددها كل من يشعر بالدونية والوضاعة والنيل من تلك الأقلام الشريفة... مع انه ـ .م. قاسم ـ فارغ كالطبل) ويذكر السيد علي مجموعة من اسماء هؤلاء الكتاب وهؤلاء جميعا وغيرهم كما سنرى يحلمون بل يتوهمون بعدو افتراضي ينهش بوطنهم وأعراضهم بصورة مسعورة وبالاسماء الحقيقية: وكنا نؤجل كل مرة اعادة نشر هذا المقال حتى ظهر لنا اليوم(7/6/2010) في سفاهة جديدة بعنوان( الطبل الأجوف والطاووس المنفوش) يتهم فيها المثقفين العراقيين بالطبول الفارغة ( وهو صفته على لسان الكاتب سيف الدين علي) والطواويس المنفوشة لأنهم يتحدثون عن تجاربهم الادبية بلغة ذاتية هي لغة الأدب وليست لغة ثكنة او كنيسة أو جماعة، لكن من العادي حين يقوم هو نفسه بين وقت واخر باستعراض درجة حرارته وكيف غرق في الحمى وكيف طلبت منه سيدة في سفارة بودابيست الجلوس على المقعد الامامي وكيف قال له اديب هنغاري مجهول الاسم انت فلتة زمانك، لذلك بات الصمت على هذا الطبال والمأجور والراقص نوعا من الجريمة.

2

من مقالات مهدي قاسم يبدو انه الديك الوحيد في مملكة النائمين، والشريف الوحيد في مملكة الرذيلة كما سيأتي، ولكي نضع كلام هذا الرجل في الصورة الواضحة وفي اطارها الحقيقي يتطلب الأمر العودة الى خلفيات كتابات مهدي قاسم عنا وعن غيرنا وهي مستمرة منذ سنوات بلا توقف في سلسلة طويلة بل ملحمية ولكن بلغة باتت معروفة ولا تسمى، ولكنه في كل مرة يختار موقعا يوحي له أن القضية بنت اليوم في نوع من استغفال القارئ والموقع والسخرية من هيبة المنابر.

ثقافة الاستباحة والهتك والشخصنة لا تمت بصلة الى السجال السياسي أو الثقافي ولكنها تنتمي الى ذهنية تصفية الحساب والانتقام من الذات أو الاخرين كتعويض عن عقدة الدونية والتصاغر، وهي هروب أيضا من الحوار المنتج وقراءة مقالات الاخرين الى الشتم والسب لأن النقاش الثقافي البناء يحتاج مؤهلات وعقل نقدي وانفتاح هادئ ونبل وهذه غير متوفرة ولكن ذهنية الانتقام لا تحتاج الا الى بذاءة وهي متوفرة بافراط، ومن المؤكد ان هؤلاء لا يفرقون بين استباحة العرض والأرض وقرروا إجتياح الاثنين: الأرض شرف وجسد ولا فرق بين اغتصاب الأرض واغتصاب الجسد.

 

مهدي قاسم   ـ يعمل كمترجم في البوليس الهنغاري منذ ربع قرن رغم الانكار لكنه يقر مواربة حين يقول: يعمل في مؤسسة قضائية، وعادة يعمل البوليس الاوروبي تحت هذا العنوان ولا ندري لماذا يخشى اعلان ذلك وهي مهنة: شرطي مترجم وأعرفه جيدا؟ ـ لا يترك مناسبة وفاة أو سياسة أو حريق أو موت الا ويقرر تصفية حسابه مع كل شيء جميل ونظيف ونقي ونبيل لأن هذه النبالة تعذبه ولأنه يريد أن يضيع في الحشد والزحام ويتساوى الجميع في نظام القبح العام: بعد ساعات من وفاة المرحوم عبد العزيز الحكيم كتب هذا الشخص في موقع " صوت العراق" وهو موقع متخصص بالاحتراب الطائفي والعنصري والهتك الشخصي للمخالفين، واصفاً الحدث بـ" وفاة كلب" بلا مراعاة حتى للعائلة وحرمة الموت وكون دم الرجل لم يبرد بعد. قد نختلف مع الحكيم ومع غيره ولكن ليس بهذا المستوى الذي يكشف أكثر من أي شيء آخر مستوى صاحبه ويشرّف خصومة الآخرين له ويصبح كلامه عنهم تزكية مشرفة. 

مهدي قاسم وفي رد على السيد فائز التميمي حين كتب الاخير مقالا هادئا يتحدث فيه عن بعض الذين يكررون انفسهم وشتائمهم في دورة مستعادة من الشتم والتحقير وبدون تسمية أو شخصنة الأمر وقال، تلميحاً، إن أحد هؤلاء يعاني من انهيار عصبي وشيك، أكده من بعد مقال: (ضربة قاضية) في رد مهدي قاسم المعنون(الغرابة بين الطرافة والدعابة ـ 3/4/2010) وصف التميمي بأنه أحد(غلمان الحكيم ...) ثم راح في قاموس سوقي مبتذل شارعي يتحدث عن( الغلمان الاسلاميين الحلوين) الخ ما لا يقال وهو اسلوب معهود من هذا الرجل الذي كتب عنا أكثر من ستين مقالة من النوع الشخصي والافترائي والأسطوري بلغة تتداخل فيها لغة الشتم والسب ( تداخل انياب الكلب) بتعبير ماوتسي تونغ عن مصالح الامبريالية بدون مناقشة جملة واحدة من كتاباتنا الكثيرة ورواياتنا العشر، ومرة واحد فقط قمنا بالرد عليه من منبر آخر(لأنه يتواطأ مع صاحب الموقع برفض ردود الغير ولا يُفسّر تكتيف الخصم ومنعه من الكلام بغير الجبن) لأنه تعرض للزوجة التي لم يرها ولا يعرفها في سلوك رقيع، فأقام الدنيا ولم يقعدها كما يقال لأنه يعتبر الاستباحة ملكية شخصية له ولا يحق للناس حق الرد والتوضيح. ومع أن السيد فائز التميمي لم يذكره بالاسم لكن يبدو ان مهدي قاسم لم يعد بحاجة الى اسم لأن عاهاته صارت هي الاسم والعنوان وصار هو، قبل غيره، يسارع الى الهجوم لكل من يتحدث عن ثقافة العاهات ويشم رائحته في مقالات الاخرين عن بعد في نوع من استشعار المتربص لنفسه ولغيره يذكِّر بكلاب الصيد. 

ومهدي قاسم نفسه  هو أحد شخوص روايتنا" سنوات الحريق" الصادرة عام 2000 على إثر تجربة شخصية معاشة معه ولقاء خاص في بوادبيست عام 1996 والتعرف على عالمه الداخلي الشنيع عن قرب، لكنه يتحايل، كالعادة، على القرّاء، أو في الأقل قراء هذا الموقع وغالبيتهم من كتاب السياسة وخارج حقل الادب، بأن الخلاف معنا هو سياسي وأخلاقي ووطني وطبقي وتاريخي وثوري وفكري وصراع ملائكة وشياطين والخ وهلم جرا ـ طريقة شائعة عند جيل تلقن، أيديولوجيا، على هذا النوع من عقلية الخصومة والخداع والسخرية من ذكاء الناس. في الوقت الذي يهرب هو من مناقشة أي نص أدبي أو سياسي ويلجأ، كملاذ وباب طوارئ وكمخرج للعجز والبؤس الفكري، سنتوقف عند نصوصه هو ومواقفه المعلنة ونتحاشى ما نعرفه شخصيا عنه وهو كثير ومقرف. 

من الواضح جدا ان الرجل يعاني من عقدة الشعور بالدونية(التمارض المستمر ورسائل التهنئة على خلفية بلاد تحترق) التي من أهم سماتها الكلبية والاستعراضية والنبرة الناهشة لأن الثقة بالنفس دافئة وهادئة كيقظة طفل في الصباح ولا تحتاج الى جهد ارادي، وعفوية وباسطة، وترتدي هذه العقدة كما في كل حالة مشابهة رداء الاصلاح والاستكمالية والحرن: حادثة تبدو عابرة لكنها كاشفة حين قطع السياق المعروف لنشر مقالاته، فجراً، ليظهر على الموقع في المساء بكلمة" عاجل ـ منتصف آب 2008" ولكن ما هو هذا العاجل؟ روى، مبهور الانفاس، من طبيعة الجمل المرتبكة وغير المرتبة السياق، والفرح الطاغي، كيف انه عاد، تواً، من سفارة العراق في بودابيست( معروفة وضعية السفارات اليوم) وكيف ان امرأة تعمل في السفارة قالت له تفضل واجلس هنا ـ في الأمام ـ وهي قارئة كما يزعم لمقالاته ومعجبة به. هذا هو العاجل، وهو العرض المرضي نفسه لكل من يعاني من الاحتقار الذاتي ويصاب بالصدمة من بادرة احترام عادية. هذا هو كل العاجل والفوري. هل استطاعت الدكتاتورية انتاج مثقفها ومسوغ سياساتها لكي يستطيع الاحتلال ذلك؟ ما هو لغز الاستباحة لدى هذا النموذج واين يمكن العثور عليه؟ الاستباحة والدكتاتورية وجهان لعملة واحدة. أين يلتقي هذا، في الموقف والعقلية، معها وأين يلتقي مع الاحتلال؟

هل تصح المقارنة بين شهداء الحكيم وبين غلام بوادبيست اذا استعملنا مرة واحدة توصيفاته للاخرين؟ هل تجوز المقارنة بين شباب عائلة الحكيم الذين كانوا يصعدون المشانق في زمن الدكتاتورية كما يصعد قمر على الأشجار في الغسق في حين كان مهدي قاسم مختبأ في مركز شرطة طوال سنوات الدكتاتورية؟ هل تصح المقارنة بين فتيان الحكيم الذين كانوا يخوضون انتفاضة مسلحة في حين كان مهدي قاسم لابداً في بودابيست ولم يخرج رأسه الا قبل الاحتلال بشهور حين تأكد من قرب زوال النظام؟ حين رد عليه الكاتب أحمد الياسري في اليوم نفسه من دون أن يسميه قائلا: ( ولكن من هو صاحب البار الكويتي في بودابيست؟) في تلميح غامض ، رد مهدي قاسم في توضيح عاجل كالعادة:( انه في اجازة لمدة ثلاثة أيام) وهرب من المواجهة قبل فتح المسكوت عنه كما اصيب بـ( ضربة قاضية) قبل أيام.

لماذا يعشق مهدي قاسم الفضاء الجنسي العائلي خاصة حين يتحدث عن الفضاء السياسي العمومي؟ كيف يمكن فهم ذهنية المعارة الجنسية في مجل النقد السياسي والدول والاستراتيجيات والمستقبل؟ لماذا يتحاشى الرد على الكتّاب بناء على نصوصهم ويهرب الى حياتهم الشخصية في سلوك الردح والتشهير؟ مرة أخرى  العجز المعرفي حد البؤس ودفع المخالفين الى الصمت من باب الاستنكاف وهو سلوك شجع هؤلاء الى أبعد حد، وتصفية الحساب مع ذات محقّرة تعيش على مستوى الداخل بؤس الفراغ والشحوب والخواء الفكري وعلى مستوى الخارج تعشق الواجهة ـ الصورة الشخصية اليومية ـ في هلاك مستمر لا تستره عملية رمي الاخرين بمشتقات البذاءة ولا صور الواجهات ولا ذهنية هوس الكذب القهري المرضي الذي يحاول بالتحايل تحويل الاخرين الى "غلمان" وتحويل الغلام الحقيقي الى" مناضل" في نكوص لغوي واخلاقي ليس غريبا على هذه المرحلة الحافلة بكل الغرائب.

 أكثرها غرابة حين يتحول شهداء قضية الى معارة جنسية ويتحول بائع  وطن الى مرجع في النقد والسياسة والاخلاق في قاموس اجتراري مستهلك يقول عن صاحبه أكثر مما يقول عن غيره لأن الشرف لا تصنعه الكلمات مهما كانت ولا تغيره الكلمات مهما كانت، وتاريخ الانسان ليس مقهى أو حانة أو دكان أو صالون حلاقة يتأثث ببضعة كراسي واعلان على واجهة أو صورة على منبر، خاصة تاريخ هذا الشخص الذي يطارده كلعنة داخلية أو كوصم سري ويحاول رميه في وجوه أعداء دائما "غير وطنيين" و"غير شرفاء" و"غلمان" أيضا  لأنه الفحل الوحيد في مملكة الغلمان، والاخلاقي الوحيد في مملكة المنحرفين، بل والشرطي الوحيد الذي يطارد الكتاب وغير الكتاب في خصوصيات ملفقة ومتوهمة  في حياتهم العائلية على طريقته المعروفة والشائعة في الرقص على كل الحبال في كل الأوقات: من الرقص على حبال الاحتلال ووصم العراقيين بأقذر التسميات ومنها اللفظ الازدرائي التحقيري" العربان" الى تغيير الجلد كل يوم وليس تغيير الموقف: وهو بالمناسبة ليس اي كاتب آخر مع ان صفة" كاتب" تحتاج الى تدقيق، لأنه شخص مؤسس لأقذر ظاهرة في التاريخ" كتّاب الاحتلال" وهو أكثر هؤلاء شراسة وسطحية وصفاقة وهذا شرط جوهري للاختيار ووضعه في مواجهة كتاب مختلفين تماما، هو الوحيد الذي ظل حتى اليوم، في حين تراجعت حشود من تلك الجوقة عن مواقفها، أو انسحبت بهدوء الى الصمت، وفيَّاً لمشروع الاحتلال رغم كل الابادة المفتوحة ولم تصدر منه على الاطلاق ادانة واحدة لكل تلك الجرائم، والمرة الوحيدة في شهر آذار الماضي، كتب" عتباً" رقيقاً للاحتلال" لأنه أعطى الديمقراطية لمن لا يستحقونها" ـ في إدانة مرذولة للشعب العراقي الذي رفض المكرمة الأمريكية التي رآها العالم: في كتاب أدوارد سعيد" العراق واسرائيل والولايات المتحدة" نماذج يسميهم سعيد" كتاب المارينز" ومنهم فؤاد عجمي لكن مهدي قاسم بسطحيته الصارخة غير قادر مثل هؤلاء على تسويغ أي مشروع ولو كان مشروع دواجن أو بناء مقبرة أو كازينو.

لكننا لا ندري لماذا يعتبر مهدي قاسم الشرف الجنسي هو كل الشرف ويفصله عن الثقافة والوطن واللغة واسلوب الحوار والكتابة والصدق مع الذات والقارئ والشفافية والرقة والمعرفة والحداثة والحق في الاختلاف والوضوح واحترام الحقيقة وهي عناصر شرف، أيضاً ؟ أليس الوطن والأرض والناس والكرامة الوطنية والثروة هي جزء من الشرف الفردي والعام؟ أليس وصف العراقيين قبل أيام(بأنهم لا يستحقون الديمقراطية) لأن أمريكا تعطي جوزة لمن لا أسنان له، من بين عشرات المقالات المستمرة منذ سبع سنوات حين أطل ببوزه من الاختفاء وكان كتاب العراق يكتبون بصريح الاسماء في زمن الدكتاتورية وهو غاطس في العتمة، والعتب الرقيق على أمريكا حين يقول بالحرف الواحد" ولكن العتب على أمريكا التي أعطت الديمقراطية الى أناس لا يستحقونها بأنه ليس  فقدانا للشرف فحسب بل وللوعي: اذا كيف يمكن تصور ان الديمقراطية، حسب "عتابه" الخجول، يمكن أن تعطى وتمنح لمن يستحق أو لا يستحق كما لو ان الولايات المتحدة جمعية خيرية لتوزيع اللبن وليست امبراطورية مصالح وكما لو ان الديمقراطية أيضا ليست بنية ثقافية وتاريخية واجتماعية تنبثق من صميم الواقع السياسي والاجتماعي والبنى الوطنية؟ ام انه لا يريد التسليم بفشل المشروع الاحتلالي الكريه رغم اعتراف المحتل نفسه بذلك وندمه عليه؟

لكن لا يظن القارئ ان الأمر مقصور علينا في هذه الاستباحة، بل في مقال واحد هدد أكثر من سبعين كاتبا وشاعرا وروائيا منهم فاضل العزاوي وسالمة صالح وسركون بولص بـ( الفضح والكشف والتعرية) وهي الكلمات الثلاث التي تشكل مفتاح كل كتاباته، ولا ندري ماذا فعل هؤلاء غير انهم يرفضون الكتابة على طريقته وفي منبره بل يجهلونه تماما ويرفضون الاحتلال؟ ماذا يعري ونحن جميعاً، في هذه المذبحة المفتوحة، عراة أمام العالم وعلى الهواء الطلق؟

 مع ان عاطفة الحقد عاطفة تنازلية، أي تضعف مع الوقت أو تتلاشى في حالات، الا حالة مهدي قاسم، اذ ينتقل من الحقد على كتاب وشعراء وروائيين ومثقفين الى الحقد العلني على شعب ووصفه بكل قسوة حرفيا:( بأنه شعب لا يتحرك الا بالسوط) وانه شعب وسخ بالغريزة( لا يكنس عتبة بيته) وهو كلام لم يقله عتاة العنصريين في نظام الابارتيد في جنوب أفريقيا ولم يصدر الا من حاخامات مسعورين ضد العرب ويستحي منه اليهودي الشريف: دعونا نطل اطلالة عابرة على بعض مقالاته الأخيرة ، فقط:

1: مقال بعنوان( كل شيء متوفر في العراق ماعدا ساسة شرفاء) بتاريخ17/4/2010.

2: الثاني بعنوان( الطامة الكبرى: أن يفقد سياسي كرامته الشخصية والوطنية على حد سواء) في 15/4/2010. ومرة أخرى هاجس هتك الكرامة الشخصية ودمجها بالموضوع السياسي: وفيها ايضا رسائل مشفرة تعني انه مصدر الشرف الوحيد في مملكة المهتوكي الشرف.

3: وفي 20 /4/2010 وبعنوان( ازدواجية الشارع العراقي وورطة الحاضر) يقول:( تبين ان العراقي انسان منافق يقول الشيء الآن ويقول عكسه وانه هو لا يحب الديمقراطية). في سياق مقال طويل عن فشل المشروع الاحتلالي وخيبة أمل مهدي قاسم به.

 4: في 21/4/2010 وبعنوان( التشابه الكبير بين عراق اليوم والمانيا الامس) تبين ما هو أمرّ وأسوأ حيث يقول حرفيا ـ( يبدو العراقي اتكاليا وخاملا وعاجزا حتى عن تنظيف عتبة بيته من النفايات منتظرا الاوامر والتلويح بالسياط ليقوم بمهمته وواجباته...). يعني ان العراقي وسخ بالغريزة وهو كلام قاله صديق حميم لمهدي قاسم ومنظم حملته ورفيقه في حملات الردح ضد الكتاب المخالفين والمحتجين على الاحتلال ( وشريكه في الروايتين كما سيأتي) بعد الاحتلال مباشرة حين سافر الى العراق بحثاً عن موقع وأُهمل للازدحام والتناكب على المواقع، فكتب يقول في مقال أو خاطرة بعنوان (الطريق الى بغداد) وعلى الموقع نفسه بالحرف الواحد: ـ( رأيت بعيني الجندي الامريكي الباسل والشجاع ينظف والعراقيون يوسخون خلفه" وأنكر من بعد بكل صفاقة انه كتب هذا الكلام بل طلب من صاحب موقع صوت العراق رفعه من الأرشيف بعد أن تم الرد عليه بسخط.

من غرائب هذه الحياة ان مهدي قاسم ومنظم حملته المدعو هادي الحسيني( اللقب منتحل واسمه الحقيقي هادي جبار موزان البديري وهو أمي تعلم القراءة في حملة محو الأمية باعترافه هو ومن أوائل من استعملهم موقع صوت العراق لأن الحسيني ليس عنده ما يخسره وهو اختيار موفق وذكي) وكنت أتحاشى ذكر اسمه،  هما من شخصياتنا الروائية: الأول مهدي قاسم في رواية:( سنوات الحريق، بيروت، 2000) والثاني في رواية( الأعزل، دار بيرغمان، النرويج، 2000 والطبعة الثانية مؤسسة الانتشار العربي، بيروت 2007) من دون أن أذكرهما بالاسم لكنهما تعرفا على شخصيتيهما بدقة كما يتعرف مطلوب على صورته في شارع عام من دون اسم ، والطريف انهما لم يتصارحا بالأمر كما نعرف ولم يذكراه أبدا للإيحاء بصراع ثقافي وسياسي وفكري والخ وهلم جرا.

لكن الأغرب من ذلك ان هاتين الشخصيتين الروائيتين والحقيقيتين مشتا تماما في الطريق الذي توقعناه في السرد الروائي، مبكراً (عام 2000) وبدل مطاردة الواقع المنتِج لهما، ومراجعة العقل والمناخ والحاضنة والذهنية، صارا يطاردان المؤلف في أغرب حادثة في تاريخ الفن الروائي تحتاج لوحدها الى عمل روائي سيروي. هل يجب معاقبة الروائي على الكشف أم تغيير الواقع؟ أم تعودنا على الجريمة الصامتة السرية؟ هذه قضية تبُحث في مكان آخر.

مثل أي شيخ أو زعيم جماعة أو مسؤول حزب، يظهر في بعض الأحيان في مناسبات نرجسية مخترعة وممهد لها الطريق من قبله في حين يغرق العراق في مأتم عام، ومن بين هذه المناسبات كلامه عن الشاعر أمجد ناصر كخطوة أولى، والثانية المنتظرة صخب الجوقة الاحتلالية في شتم الشاعر أمجد ناصر، لكن الخطوة الثالثة، المنتظرة والمتوقعة أيضا، هي دخوله هو على الخط في خطاب باترياركي أبوي تعليمي لترويض واهانة الجوقة من دون أن تعلم حين قال: ( لا، لا، كان أمجد ناصر جيدا في بيروت ولكنه صار من أبواق النظام الدكتاتوري من بعد الخ).بمعنى أدق: لا وجود لأمجد ناصر سواء كان في بيروت أو لندن، حين كان وحين صار إلا من خلال منظار مهدي قاسم، مع ان الشاعر ناصر لم يكن من أبواق النظام يوماً إلا اذا كان مهدي قاسم يعتبر كل من وقف ضد الاحتلال كذلك وهي النظرية المحببة لديه. هل ان رادار مهدي قاسم كان موجها للشاعر أمجد ناصر وأكثر من سبعين من كتاب وشعراء وروائيي العراق وحدهم وأنا في المركز حين يعثر في رصيف أو يصاب بنوبة برد أو يفرغ من الكلام  الفارغ أصلاً؟ واحدة من التقاليد العجيبة التي يحرص عليها كل يوم ومنذ سنوات الاحتلال هي الاستيقاظ الفجري كل يوم ووضع مقاله على الموقع مع صورته نفسها بلا تغيير لكي يكون في الواجهة قبل مقالات الآخرين: تذكرت قول بورخيس حين عبَّر عن رعبه من أن ينادي في اليوم الآخر باسمه الأرضي الذي يريد أن ينساه وينسى صورته. لكن هل يمكن المقارنة بين موقفين وصورتين؟

تعالوا نتأمل هذه الواقعة الطريفة والغريبة:سافر مهدي قاسم، خلسةً، الى العراق، وهي المرة الوحيدة حسب علمنا التي توقف فيها عن الكتابة اليومية المتواصلة(عدا حادثة: "الضربة القاضية" في 28/5/2010) بلا وقت للقراءة والتأمل والتفكير لأن الكتابة عنده لا تحتاج ذلك، لكنه عاد بحماسة نادرة مشجعة:1. كتب أول مقال يتحدث فيه عن رعبه من الطريق والانفجارات ـ لا ندري حقيقية أم متخيلة ـ وكيف ان الركاب معه في السيارة كانوا غير مبالين بالأمر( مما ينفي صدقية الواقعة) ثم كيف ذهب الى شارع أبي نؤاس وشاهد، فرحا، عشاقا يجلسون، مما يدل على قدرة الشعب العراقي على تجاوز المحن كما كتب ـ:2. وفي مقال آخر في اليوم التالي كتب كيف انه شاهد حميرا تُضرب في الشوارع مما يشوه منظر البلد في عيون السياح( أي معتوه يسافر للسياحة الى العراق؟ وهل ضرب الحمير وحده يثير شفقة السياح ويشوه منظر البلد أم الجثث في الشوارع والمزابل ؟ ) واقترح في هيام نيتشوي نادر الرأفة بها، لكن لا تفرحوا بهذه الالتماعات لأن كل شيء سيتغير ولا ندري حسب ماذا؟ـ:3. في مقال بعده مباشرة صب جام غضبه على المجرمين والمنحرفين والعملاء وهم دائما من مخالفيه في الرأي والاحتلال وكلهم، طبعا،من اتباع الحزب الحاكم السابق ومخابراته وعلى بعض رموز السلطة الحاكمة اليوم لأنهم لم يقرأوه ولم يسمعوا نصائحه ويكرر عبارة شهيرة عنده كاللازمة:(كما قلنا مرارا وتكرارا ولكن أحداً لم يسمع) .

لا يعرف مهدي قاسم وغيره انهم وضعوه على باب ماخور دولي ككلب نابح للمشاغلة وان دوره هذا قد انتهى، ومنذ تلك اللحظة شعرتُ تحت الجلد ان دوري قد جاء ولم يخب الظن: بعد تقدمة عن الوطن والديمقراطية كطعم للبسطاء، دخل عليّ نهشا وتقطيعا بل لم يبخل هذه المرة بالقول ان البوليس يبحث عنا بتهمة جريمة قتل أسطورية بلا جثة ولا دفن ولا اسم ولا عنوان ولا هوية ولا جنس ولا قبر ولا دم  ولا محكمة ولا مأتم ولا جنازة في النرويج ومنذ عشر سنوات، على طريقة الخفة العراقية الشهيرة التي ندفع ثمنها دائما ـ النرويج تابعة لجبال تورا بورا وربما تستعين بالصومال للبحث عنا ـ وتم ربطنا بكل أنواع المساوئ والموبقات المعروفة وغير المعروفة لكن المفاجأة غير المتوقعة هي الحديث المبتذل عن الزوجة مما لا يقال في مكان محترم مع انه لا يعرف ولم ير هذه الزوجة وما علاقتها بالأمن القومي والتنمية والاحتلال وعملية الصدمة والترويع؟ وذهبت الشفقة على الحمير والفرح بالعشاق الى غير رجعة وبعد أيام كتب قصة قصيرة ( لا علاقة لما يكتب بفن القصة القصيرة الجميل والصعب والممتع ولكنه يسمي الاشياء والظواهر حسب رغباته) قال فيها ان المسيح زاره مع كلب أسود.  وما حاجة المسيح لمثل هذا الكلب الأسود إلا اذا كان مسيحا مفصّلاً على مقاس مهدي قاسم وهو الاحتمال الأرجح؟ 

هذا الكائن كتب عنا وعن الزوجة كما يقول " بناء على معلومات وصلتني من الدنمارك" وهي الصيغة الأمنية الكريهة" وصلتنا عنك المعلومات" ولكنه لا يصرح باسم المرسل وهو الأمي والدعي الشهير هادي الحسيني:(ولم أعد أميز بين شخصيته الروائية كما وُصفت في رواية "الأعزل" وشخصيته الحقيقية) ومؤلف كتب وهمية تحت الطبع منذ خمس عشرة سنة وحائز على جائزة وهمية في الشعر وعضو في ثلاثة اتحادات ادبية عضوية وهمية وهناك فصل موثق عنه في كتابنا:أحذية المارينز، وعن احتيالاته، وقد نشرنا هذا الفصل في عدة منابر بالصور والوثائق والحقائق الدامغة ولم يرد على كل هذه الوثائق الدامغة هو الآخر بل اكتفى بالكلام العائلي على طريقة مهدي قاسم وانتهى الى اننا تزوجنا للمرة الثانية ونطبع كتبنا على حسابنا ونعيش في قرية لا تشرق عليها الشمس وغير ذلك من الحقوق البدائية وليست الثقافية  الخ...الخ، ولم يجد غير مهدي قاسم لتجنيده لهذه المهمة: اذا كان هذا منطق شخص عاش في بودابيست في قلب أوروبا لأكثر من ثلاثين سنة حيث لا أحد يحفل بحياة الآخر الخاصة وفي مؤسسة قضائية كما يزعم( هنا المصيبة) فكيف يمكن أن يكون هذا من دعاة الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان؟ وهل ثمة مجال للكلام عن هذه القضايا؟ هامش صغير: رغم كل وحشية النظام الدكتاتوري السابق الا أن أحدا من كتاب النظام في ذلك الوقت لم يجرؤ أبدا على هذا النوع من البذاءة في الأقل من باب الهيبة الشخصية، بل على العكس كان كثيرون منهم وهم في مواقع اعلامية متقدمة يقدمون خدمات انسانية للكتاب كإيصال الرسائل والمال الى عوائلهم ايام الحصار.

صاحب المعلومات المذكور أعلاه، تعرَّف على نفسه في الرواية( الأعزل) من دون أن اسميه وهو دور شويعر نصاب، ومهدي قاسم تعرف على شخصيته في شخصية شويعر نصاب أيضا انقلب على عالمه السياسي في عدمية اخلاقية واضحة في رواية" سنوات الحريق" من دون أن يُسمى، فكيف إستدلا على شخصيتيهما في روايتين حاشدتين بعشرات الشخصيات؟. عقد السخرية الضمني المتبادل بين هذين هو خلق ذرائع للخلاف معنا وحشد قرّاء المواقع السريعة والسياسية البسطاء لأهداف لا يعرفونها بعد " تغطية" ممزقة من الفضيلة والسياسة في ضحك على النفس وعلى الاخرين وعلى بعضهما البعض، والأمر الأكثر طرافة وحيرة في وقت واحد ان شخصيتين روائيتين تطاردان مؤلفاً في الواقع لأنه خلق شخصيتين شبيهتين بهما عبر الخيال: انها الحكاية في مواجهة السلطة، الواقع في مواجهة المتخيل والخ وهي حكاية مكررة لكنها هذه المرة مغطاة، بناء على السلوك السياسي العراقي التقليدي، بغطاء من قاموس الردح الشهير الذي يغرف من السياسة في صورتها اليوم ومن الزقاق. هل من فارق؟

على طريقته في خلق مناخ المناسبة حين يشعر بخطر اهماله أو نسيانه، كتب مرةً ما يسمى قصة قصيرة أخرى سرد فيها، الخطوة الأولى، كيف انه مريض( حكاية المرض ورسائل التهنئة تتكرر حتى قبل أيام وهي عرض لعقدة الدونية وهواجس فقدان الثقة والاحترام واختبار مواقف الناس عبر مناسبات مختلقة) وكيف ان الطبيب قال له إن أيامه معدودات، ولا شك كان ينتظر الرد الذي لم يتأخر من جوقة مستعدة للعمل الفوري ونُشرت ثلاث خواطر تعرب عن الأسف والحسرة مع الرجاء الصبر والأمل، وهي الخطوة الثانية، لكنه رد على هذا الجمهور، وهي الخطوة الثالثة، مطمئناً، شاكراً، مستغربا( من هذه البلادة رغم انه لم يقلها صراحة لكنه قالها على نحو آخر) وذكر كيف ان كاتبا هنغاريا( لم يذكره بالاسم) قال له بعد أن أطلع على حكاية ردود فعل القراء، قائلا: ( يا سيد مهدي لا أظن أن العراقيين يفهمونك) بمعنى " فلتة" زمانه، وكانت هي الهدف الأصلي من الحكاية كلها في رسالة مشفرة ومضمرة عن القيمة والأهمية وهي طريقة شائعة لعقدة الشعور بالدونية ونحن نشك بوجود كاتب هنغاري يقول مثل هذا الكلام.

لكن لماذا مهدي قاسم حين يتعرض الى وعكة صحية أو ارتفاع حراري تأتي الرسائل مهنئة بالسلامة؟ بل لماذا أصلا هذا الدلال الصبياني بحيث كلما أصابته حمى(أو صدمة) ركض الى المنابر ليعلن للملأ حالته الصحية؟ وصحة العراق؟ كيف تذكر خصومه المجانين كما يقول وهو غارق في الحمى ويسبح مثل سمكة في الحرارة؟ أعرف كتّاباً مناضلين ومنهم الأخ والصديق والكاتب علاء اللامي فقد أثنين من أخوته في سجون الدكتاتورية وكان الأمل أن يعثر عليهما بعد الاحتلال ولكن مع الأسف لم يحدث ذلك، وتبادلنا الأمراض القاسية والسريعة وشفينا من دون تلميح صريح حتى لبعضنا في بعض الأوقات، وعلاء اللامي واصل الكتابة بالقوة نفسها من دون اعلان مستحق عن هذا الحدث العائلي والشخصي الكارثي؟

علاقة مهدي قاسم بالمرض المباغت ثم القيام من الرماد مرة ثانية تتكرر دائما وهي عرض آخر من أعراض عقدة الشعور بالدونية التي تحاول من خلال اختبار الآخرين التعرف على مشاعرهم في اللحظة الأخيرة لأن المصاب بهذه الآفة وفقدان الثقة بالنفس يعيش على هاجس المخفي والمكشوف والذي سينكشف والخ الدوامة التي تنتهي بالمدح والرسائل بعض الوقت لكنها تعود الى الدوران كحمير النواعير لأن العقدة الأصلية لم تحل بل يجري التهرب منها بانتظار التكريم أو المدح واستجداء نظرة من الاخرين: ظاهرة موظفة السفارة، رسائل التهنئة بالسلامة، قول الكاتب الهنغاري المزعوم... وغيرها هي رسائل مشفرة مبطنة عن القيمة والأهمية، كما ان استباحة الاخرين المختلفين هي الوجه الأكثر وضوحا لهذه العاهة ـ لمعرفة المزيد يمكن العودة الى الكتاب القيم للدكتور مصطفى حجازي: سيكولوجيا الانسان المقموع، عقدة الشعور بالعار، واشكال ظهورها المموهة. 

كما ان راداره الفريد والعجيب رصد الشاعر أمجد ناصر وتحولاته كما يراها هو وكيف كان وكيف أصبح، وهدد كتاب العراق أيضا بالكشف والفضح والتعرية، قال عنا، ونحن موضوع استباحة شيق بالنسبة له، ومن المؤسف أن يكتب كل ذلك بلغة ركيكة فاقعة وعلامات تعجب واستفهام كثيرة على المزاج وكنا سنستمتع بقراءة أخبارنا الخرافية من خلاله، قال انه بعد:(أن كتبتُ عنه، أختفى من الخارطة، وطواه النسيان) وكنتُ تلك السنة2009 قد كتبت اربع روايات ودراسة عن الرواية العراقية بثلاثين حلقة منشورة في منابر كثيرة وعشرات المقالات المختلفة. لكن ماذا أفعل اذا كان رادار مهدي قاسم لم يكن موجها نحوي، وفي هذه الحالة لا وجود لنا ولا لغيرنا، وعلى كل كاتب أو ظاهرة أو مقال لا يراه مهدي قاسم أن يختفي من الخارطة ومن الحياة وأن يطويه النسيان. كل شخص أو ظاهرة أو رأي لا يراه مهدي قاسم غير موجود لأن الحياة بالنسبة له هي ثياب داخلية منشورة على حبل غسيل شرفة الطريق وصورته المنشورة في الموقع نفسه وعلى مدى سبع سنوات، في هيام مرضي بالذات، تقول هذه الحقيقة بقوة.

الاستهتار في الكتابة وحده مشكلة حقيقية هذه الأيام، فكيف اذا ترافق معه الاستهتار المعرفي والجهل (الجهل هنا ليس عدم المعرفة فحسب بل المعرفة الشريرة) بأبسط مفاهيم السياسة والحرية واللغة والسلطة، ومنها ان الديمقراطية التي هي أيضا لغة حوار تضع الكرامة، أولاً وآخراً  فوق كل شيء" لأن الكرامة  أهم من الحقيقة ـ برتراند راسل" : حين يلجأ مهدي قاسم الى أقسى لغة شارعية بلا تردد، فلكي يُخرس أو يُحرج الكتاب الشرفاء في الحالتين: في حالة الصمت أو الرد. مرة واحدة في العام الماضي كتبت ردا على طوفان شبه يومي استباحي لكن بعض الأعزاء فضلوا الصمت لكني أصبحت على يقين ان هذا الصمت هو أكبر داعم ومشجع لهذا الصنف، وقد نجح فعلا هو وغيره ـ بسبب الصمت والاستنكاف، وهو يتباهى ويتبجح بذلك دائما بعبارة "أخرسناهم" كما تخلع مهتوكة ثيابها في شارع عام لاخزاء خصوم شرفاء ـ في اسكات البعض الذين انسحبوا بدافع الحياء والدهشة وغرابة الأطوار، لأن هذا وغيره يهددون دائما بعورة إبن العاص.

 لكن ماذا نفعل في هذه المرحلة الرمادية الغائمة حين صار هذا وأمثاله يكتبون في السياسة وفي غيرها من داخل العطب الداخلي المهلك، وصاروا يرون الناس والأشياء والحياة من الجزء المعطوب فيهم، وتحوَّل المختلفون في الرأي، داخل ثنائيات تُنتج كل مرة، بين غلمان وفحول، لأن هذه هي طبيعة منظار العطب الذي يرى كل شيء بناءً على شاشته الشاحبة والزعفرانية المشوهة؟ 

هامش:

 في كتابنا( أحذية المارينز ـ من دفع للزمار؟) الذي نشرت منه بعض الفصول هناك فصل وثائقي عن مهدي قاسم وعن غيره من الجوقة الاحتلالية وهو أول كتاب يوثق  هذه الظاهرة قبل أن تتحول الى تقليد ثقافي وسياسي بعد الاحتلال كما حدث لدى نخب المغرب العربي في السلطة السياسية والسلطة الثقافية حتى اليوم.

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا