<%@ Language=JavaScript %> حمزة الحسن خلف الطواحين، ثانيةً: البحث عن الروائي مستمر

 |  الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 

خلف الطواحين، ثانيةً:

البحث عن الروائي مستمر

 

 

 حمزة الحسن 

في نهاية رواية عامر حسين( خلف الطواحين) يقول أحد شخوص الرواية رحمن، وهي من روايات الاعتراف والسيرة والشهادة( اذا كان الانسان فيّ قد مات، فعلى الوحش أن يموت) فلا يمكن العيش في جلد واحد بين وحش وانسان لأن التناقض قاطع ونهائي ومدمر لكن هل فعلاً في كل الأحوال لا يمكن العيش أو التعايش بينهما في مطلق الأحوال؟ قرار الحكم في الانتحار الذي أصدره رحمن بحق نفسه من أين صدر؟ من الانسان الميت أم من الوحش الوليد؟ هل الوحش الفتي المولود حديثا من أعماق الانسان والمناضل والحالم هو وحش خالص تماما من الآدمية أم تعلق به بقايا الانسان؟ هذا الحكم الذي أصدره رحمن بحق نفسه هل هو حكم بالفعل ضد الوحش أم ضد سلطة الوحش؟ وكيف يمكن لمخلوق وليد، تواً، في قلب أزمة عاصفة آنية ـ مذبحة بشت شان ـ أن يمحو معالم وآثار شخصية متجذرة وعميقة ما لم تكن بذور الوحش النفسية والثقافية كامنة في الأعماق ومتربصة في انتظار كسر القشرة الخارجية أو حدث مزلزل لكي تخرج كثعبان محاصر؟ الحديث عن التجارب السياسية بصفة عامة لا يمكن أن يتم بلغة القداسة كما لو نتكلم عن ملائكة لأنهم بشر قبل كل شيء وحشروا في ظروف انسانية اجتماعية ناقصة وتصرفاتهم تُفهم على هذا الاساس وعلى اساس الاختيار والمسؤولية في وقت واحد.

 

إن ما أطلق عليه الكاتب عامر حسين في النهاية صفة الوحش الذي برز في الداخل على غير توقعه وباغته في السلوك حتى انه نكّل بالأسرى والتفكير في اعدامهم بعد فشل حلم الثورة والتغيير هو في الحقيقة ليس وحشاً وليداً أو طارئاً ولكن على أكثر الاحتمال عقلية السلطة المطلقة وذهنية الكل أو لا شيء وتلقين الايديولوجيا في الحيازة على كل شيء وفي التملك وفي السيطرة: الشخص الروائي في النهاية توهم انه أطلق النار على وحش غامض برز في أعماقه كنبات سام وحشي ولكنه في الحقيقة أطلق النار على نظام عقائدي أحادي فردي استحواذي يؤمن بالمطلقات الحادة وفي النهايات الصارمة القطعية وفي الحلول الحاسمة ـ النصر أو الموت ـ على الرغم من ان هذا الحل، الانتحار، يجسد تلك العقلية أدق تجسيد ويلخص مأزق العقل الاحادي الصارم المغرم بالحلول المطلقة التي تغيب عنها تمام الغياب كل المساحات الرمادية والحلول والتسويات والأنصاف وهي عقلية تتغذى بالمران والتثقيف والتربية على مدى طويل بتغذية خلفية قبلية صارمة وأحادية مستترة لكنها تظهر في لحظات المنعطف مثل مفاجأة أو كابوس أو صدمة أو اكتشاف.

 

إن الذات الصارمة والمطلقة والقطعية ذات منفية تحت ركام الأحلام والأوهام وشبكات النهايات الرغبية ويغيب عنها تماماً الاحتمال والتوقع والافتراض وهي خاصية العقل المنفتح والمرن الذي تكون الحقيقة بالنسبة له خلقا واكتشافا وابداعا كالجمال والحياة والكتابة والأمل.

 

لكن ماذا كان سيحصل لو ان حلم رحمن تحقق في مرحلة ما من مراحل نضاله السياسي والمسلح وتمكن من الوصول الى السلطة؟ التجربة الواقعية اليوم في السلطة السياسية( وخارجها أيضا) هي الجواب الشافي والواضح والحقيقي على ذلك السؤال الغائب مثل كل الاسئلة الغائبة في ذهنية الحلول المطلقة والباترة: سيظهر الوحش المختفي والمدثر بالأحلام والأماني والأوهام في غير صورته الحقيقية كما ظهر اليوم ويذوب في نظام سياسي عقائدي اصلاحي مموّه ومغلّف بقيم وشعارات وبرامج، وعندها لن يكون هناك التناقض الحاد والصارم بين ظهور الوحش في لحظة(خسارة) وبين ظهوره في لحظة( نصر) لأن النصر السياسي أو الحربي أو النفسي حسب هذه الذهنية يلغي الصراع الداخلي ولا يعود الوحش الكامن حالة فردية مباغتة لأنه سيتحول الى مؤسسة سياسية حاكمة أو يتمأسس ظهوره في صورة مؤسسات وقوانين وبرامج وأفعال عامة تبرر كل شيء، ومن غير الممكن أن يجد(رحمن) نفسه وحيداً ومصدوماً في داخل مؤسسة تبرر كل شيء بما في ذلك القتل العلني او السري باسم مبادئ عليا معروفة تحت أي عنوان: العنف الثوري أو الارهاب أو أعداء الثورة... والخ وهلم جرا، وغالبية هؤلاء من مخالفي الرأي لأن الذهنية الأحادية ذهنية تدمج الكل في المشروع أو البرنامج وحين يفشل الدمج يكون المحو المتعدد الأشكال من التصفية الجسدية الى التصفية المعنوية.

 

الوحش الذي ظهر في لحظة منعطف خلال التعامل مع السجناء الأسرى هو العقل السياسي الذهني المطلق والحاد والمغلف بشعارات الثورة والثورة المضادة والعدو الجذري والموت أو النصر "ولا تراجع أبدا بل الى الأمام" حتى لو كان الامام هاوية مع ان التراجع في بعض لحظات التاريخ ومنعطفاته الحادة أفضل من كل مغامرة غير محسوبة. هذه المعاني تتلاشى كلياً حين يجد العقل الصارم نفسه في أقل بادرة مأزق حاد أو منعطف توضع فيه الاحلام للاختبار أو التعري أو الفشل: ما بعد ذلك، بعد الفشل، هو الموت أو العار أو الجنون أو النهاية: هكذا لا يرى هذا العقل الحدي الوحشي الصارم ان الفشل وجه آخر للنجاح، وان الهزيمة السياسية أو الحربية هي نصر غير مفحوص أو معد بصورة دقيقة أو هي لحظة كشف المستور والمنسي، وان الوحش الذي يلوح كقدر كريه في نهاية حلم أو نهاية اكتشاف هو ذات منسية مهملة مطمورة ومقصية بالاحلام الضخمة أو الأوهام الضخمة.

 

لكن اطلاق النار على الجسد في فعل الانتحار هو سلوك طبيعي أمام هذه العقلية الأحادية الصارمة والجازمة والحازمة لأنها غير قادرة على تحليل المأزق على انه سوء تدبير أو سوء تصرف أو غفلة أو عدم استعداد أو هجوم قوى كبيرة منسقة الخ، ولكنها محورت المأزق على انه خلل في الذات نفسها التي يجب أن تزول وهذه طبيعة الايديولوجيا السياسية الصارمة التي تزرع مشاعر الذنب في نفوس أفرادها لأنها هي نفسها تصور ذاتها على انها خارج الخطأ، ولم تستطع تلك الذات فهم حقيقة الموقف وأن تقوم بدل اطلاق النار على نفسها بوهم قتل الوحش، فإن الحل الذي لم يكن يُرى في لحظة عماء هو فحص ومراجعة طبيعة البناء النفسي والعقائدي والثقافي والفكري وهو أمر صعب جدا في عقل سياسي تدرب على الحلول والنهايات والاحلام والخواتم المطلقة.

 

الروائي عامر حسين اختفى هو الآخر بعد صدور روايته الجميلة العفوية الرائعة والصادقة( خلف الطواحين) وانسحب من الحياة العامة كما لو انه قرر، رمزيا، القيام بما قام به رحمن أو في افضل الأحتمالات دخل في حوار داخلي مع الذات لم يفض الى نتيجة، لكن الأخطر هذه المرة، بالنسبة للروائي، ان اطلاق النار عليه لم يكن، كما في داخل النص، قد تم بيده، بل عملية الاغتيال الرمزية قد تمت بصورة أخرى لكن النتائج واحدة: حين قرر عامر حسين كتابة تلك التجربة كان الأمل قائما، رغم هيمنة مفهوم الخسارة والخيبة والفشل المطلق، في أن يراوغ الوحش أو يروضه أو يفهمه أو في الاحتمال عرضه على حوار عام، لكن التغاضي والتجاهل والاهمال والنسيان والعدمية الاخلاقية العامة وسيطرة مشاعر اليأس على الاخرين أو غياب تقاليد النقد الادبي، كان هذه المرة هي النار التي أطلقت على الروائي الذي لم يستطع اقامة علاقة دافئة ومتوازنة بينه كراوئي غير معني بالضجيج والعابر والهامشي والنقد الاخواني والمحاباة الثقافية بل أن مجال عمله هو العمل على الضد من الجمهور العام والاذواق العامة والشائعة وخلخلة المفاهيم السائدة، وبين السياسي الخاسر في معركة حرية لم يكن واعياً كغيره في أن نهايتها في الفوز في السلطة السياسية قد لا تكون هي النهاية المتوقعة أو المرجوة لأن الحلم، حلم الثوري، يتقاطع مع السلطة ومع المؤسسة.

 

حين فشل حلم عامر حسين انزوى ودُفع الى النسيان ولكن حين فشل ريجيس دوبريه رفيق جيفارا وسجن في بوليفيا وخرج من السجن بعد مقتل رفيق دربه وانهيار حلم الثورة، واصل طريقه كمفكر وروائي ومشارك في الشأن العام لأنه بعد محاكمة عقلانية وعاطفية وحوار داخلي مع النفس تمكن من رؤية الآمال الواسعة خلف تلك العتمة الرائبة والمساحات الرمادية الهائلة الكامنة خلف الحلول المطلقة.

 

لم أعثر على أثر لعامر حسين الا بعض الخيوط والبحث عنه مستمر من أجل الحوار مع الوحش المتوهم والمختلق والمؤسسي الذي (هنا الخطورة) ينام في أعماق كثيرة بعد أن موّه ظهوره وظهر في الحياة العامة في السلطة وخارجها باشكال براقة ومخاتلة وماكرة وهذه من الاعيب الوحش أو العقل السياسي المراوغ والقطعي والحدي والمطلق. لكن من الغريب والطريف ايضا ان منظمة للحزب الشيوعي، بعد كتابة مقالنا عن خلف الطواحين، في دولة اسكندنافية اصدرت توجيها خاصا يطالب بالبحث عن الرواية التي يقول التعميم:( تضمنت بعض التجني على الحزب الخ) من دون قراءة الرواية بالطبع كما لو أن رواية خلف الطواحين يعاد اكتشافها اليوم لأول مرة، ويراد طمسها مرة أخرى اليوم.

 

فكرة(التجني) على النص والمؤسسة وليست فكرة المراجعة أو اعادة قراءة الحدث هي المكون الرئيس للعقل الاحادي المتخشب، لأن الخطأ في الذات، حسب هذه العقلية، وليس في النص المقدس، التفسير النصي العقائدي وليس التفسير الشخصي هو الأصوب والأدق والأصح دائماً، عقدة الذنب في المناضل وليس في النهج والخ: نحن مرة أخرى أمام توجيه كنسي بخروج أحد الرهبان عن التفسير البابوي، مقابلة بين النص الديني والسياسي، بين المقدس اللاهوتي وبين المقدس العقائدي البشري: من المخجل والمفهوم في آن واحد أن صاحب التوجيه هو مسؤول حزبي يتلبس بثوب روائي وينظّم من خلف ستار وأقنعة معاركه ضد المثقفين والكتاب والشعراء والأدباء من داخل وخارج المؤسسة وكل من يختلف عن النصوص الحزبية، وهو سلوك ليس غريبا لمن أدمن على أداء التحية العسكرية في الجبل حتى لو مرّ بغل المسؤول الحزبي الأعلى كما يتندر بعض الانصار في ساعات الاستراحة.

 

 هذا يدل على أن الروائي الذي اطلق النار على شخصيته في النهاية بأمل قتل الوحش ـ  العقلية ـ المؤسسة ـ لم يطلق النار في الواقع إلا على الوهم والسراب والضباب لأن النصوص لا تعيش خارج الأدوات، الايديولوجيا الحزبية لا تقترح ولا تسأل ولا تبحث بل تملي وتفرض وتعاقب وتراقب عبر أستار وحجب وأقنعة لكنها تظهر في لحظة منعطف كوحش غريب وإثم فردي تكون ردود أفعاله داخل الانسان متفاوتة: من الشعور بذنب مجهول أو إثم غامض يتحمل هو مسؤوليته وهو الشكل الأول للمكر الفكري والنظري، الى الانزواء والانسحاب لصعوبة فهم وضوح الصورة، ثانيا، أو، ثالثا، في حالات نادرة، يقود الى التوهج والألق والابداع الانساني وتلك لحظة طرح سؤال الكتابة وهو سؤال المصير وهذا ما ترفضه الكنيسة والحزب والثكنة والمحراب والمؤسسة والسجن والشركة ومروّض جياد البرية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

مقالات الكاتب والروائي

حمزة الحسن

 صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 
 

 

لا

للأحتلال