كتابات حرّة

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

مقالات مختارة

 مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org 

 

اغتيال تظاهرة 1 أيار 1959 المليونية على يد الكتلة الانتهازية والقوى القومية الرجعية - عربية وكردية - والإقطاعية العميلة: أدخل العراق في أربعة عقود من الظلام

 

صباح زيارة الموسوي 

يقترن عيد العمال العالمي في الأول من أيار بشكل لا فكاك منه بالتظاهرة المليونية في عراق ثورة 14 تموز 1958 في أول عيد للعمال، بعد إسقاط العهد الملكي واستقلال العراق من الاستعمار البريطاني، خصوصاً وأن العام الأول من الثورة شهد انتصارات كبرى معروفة للجميع. يمكن القول بحق إن المظاهرة العمالية في الأول من أيار 1959 قد هزت العالم، ولا زال العراق يعاني من هذا الاهتزاز، ممثلاً بالاحتلال الاستعماري الجديد على يد ذات القوى الإمبريالية التي ارتعبت من المظاهرة المليونية، وبالتعاون مع ذات القوى الإقطاعية والقومية والرجعية التي حاربت ثورة 14 تموز المجيدة.

 

إذاً، فإنه لا يمكن على الإطلاق الفصل بين الأول من أيار ودور حزب الطبقة العاملة العراقية من جهة، ومصير العراق ككل من جهة أخرى. ولعل الاستعراض التاريخي المتواضع المقدم في هذه المساهمة لمناسبة عيد العمال العالمي 2005، يوصل إلى البرهنة على هذا الاستنتاج.

 

إن انتكاسة القيادة الثورية للحركة العمالية الثورية عبر إبعاد قائدها الشهيد سلام عادل ورفيقه جمال الحيدري إلى المنفى السوفييتي، ومن ثم هيمنة الكتلة الانتهازية على قيادة حزب الطبقة العاملة، كان في أساس توفير الفرصة لقوى الردة مدعومة من الإمبريالية الأمريكية، في قطع الطريق على تطور الثورة العراقية على يد الحزب الشيوعي العراقي من أجل إقامة نظام العدالة الاجتماعية.

 

وها نحن نشهد اليوم التحالف الأسود الاحتلالي – الطائفي – العنصري – الرجعي، يقطف ثمار تدمير العراق واحتلاله. وفي المقابل تعيش الطبقات الكادحة في أردأ حالات البؤس الإنساني، ومن جهتها، أي بقايا وتلاميذ الكتلة الانتهازية، رمت بنفسها في أحضان المشروع الإمبريالي تحت "بدعة التحرير" كعادتها بعيد العمال الخاص بها عيد "الصالونات" في مصير تراجيدي، بعد أن أدت سياستها الانتهازية المتواصلة، إلى تحويل حزب المسيرة المليونية إلى عصبة المقعدين اليتيمين.

 

إن العودة إلى الماضي يستهدف في الدرجة الأولى الأساسية التواصل على صعيد الذاكرة الحزبية من بين أجيال الشيوعيين المتعاقبة، والذاكرة الوطنية العراقية، والكشف عن رموز وقوى الحاضر على صعيد الصراع الطبقي والوطني وامتداداتها الوطنية، أي أصولها الطبقية، ودورها في القضاء على الحلم العمالي، بإسقاطها حلم ثورة 14 تموز المجيدة في إقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية.

 

كتبت الرفيقة ثمينة ناجي يوسف رفيقة وزوجة الشهيد سلام عادل، تصف التظاهرة المليونية، من موقع المساهم فيها، حيث كانت في الصفوف الأمامية للتظاهرة، كتبت: «لقد كتب الكثير عن تلك المظاهرة وملابساتها ومضاعفاتها، ونود الإشارة إلى أهم أحداثها ما لم يذكر في الكتب أو المذكرات التي نشرت إلى الآن حسب المعلومات المتوفرة. لأول مرة يرفع شعار مشاركة الحزب في الحكم في مظاهرات صاخبة أخذت تردد من الصباح إلى المساء شعار: عاش الزعيم عبد الكريم، حزب شيوعي بالحكم، مطلب عظيم.. لم تدرج قيادة الحزب، قبل المظاهرة شعار إشراك الحزب بالحكم ضمن الشعارات الأساسية للمظاهرة. وقد كان ظهوره بتلك الحدة والإلحاح مفاجأة للمسؤولين عن قيادتها أعضاء المكتب السياسي. إن عدم إدراج الشعار بين الشعارات الرئيسية التي حددها المكتب السياسي قبيل المظاهرة مباشرة طالباً من قيادة المظاهرة الالتزام بها كشعارات للحزب، يعني بالضرورة أن المطالبة بتلك الصورة، لم تكن أسلوباً من تكتيكات الحزب آنئذ في عمله لإزالة التناقض القائم بين تركيبة سلطة الثورة وقواها الأساسية» (ثمينة ناجي يوسف، سلام عادل.. سيرة مناضل، ج2، ص14).

 

إن الطبقة العاملة العراقية والجماهير المؤيدة لها، وبحسها الطبقي، رفعت الشعار، شعار المطالبة بحزب شيوعي في الحكم، متجاوزة بذلك تردد الكتلة الانتهازية في قيادة الحزب الشيوعي في دفع عملية الثورة الوطنية إلى ثورة وطنية ديمقراطية. تصف الرفيقة ثمينة ناجي يوسف مجرى تطور المظاهرة: «عندما انطلقت المظاهرة من الباب الشرقي لم يكن الشعار مرفوعاً، وعند بداية شارع الرشيد قرب سينما روكسي بدأت الجماهير بترديد الشعار. كنت وقتها ضمن موكب منظمة بغداد الذي يلي موكب قيادة الحزب، وفي مقدمتهم أغلب أعضاء المكتب السياسي.. كان سلام عادل في ذلك الوقت في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال القريب من باب الشرقي ولكونه بعيداً عن المكان، عندما بدئ بترديد الشعار، فقد جاءت معرفته بذلك متأخرة، ونقل إليه الخبر محمد حسين أبو العيس المكلف من قبل المكتب السياسي بمسؤولية إدارة شؤون المظاهرة وضمان مسيرتها وفقاً لتوجيهات الحزب المقررة وبضمنها الشعارات. كان قد مضى وقت طويل على رفع الشعار، وأصبح أحد الشعارات السائدة عند اقتراب المظاهرة من مقر الاتحاد وعندها صعد أبو العيس لإخبار سلام عادل وأخذ رأيه في مواصلة ترديد الشعار. بعد تفكير قليل سأله عن رأي أعضاء المكتب السياسي وهم في مقدمة المظاهرة وعن رأيه شخصياً، فأكد له موافقتهم على مجريات الأحداث، وبعدها أعطى سلام عادل موافقته على الاستمرار فيه» (المصدر السابق، ص15-16).

 

يقيّم الرفيق سلام عادل الوضع داخل قيادة الحزب في هذه الفترة بالتالي: «يقول سلام عادل إن أخطاء الحزب عام 1959، التي هي في جوهرها ترتكز على الفهم الخاطئ لطبيعة البرجوازية الوطنية بما في ذلك عدائها للشعب.. لقد عانى الحزب منذ ذلك التاريخ ضغطاً خارجياً هائلاً. فتحت شعار مكافحة "الفوضوية" و"الحزبية الضيقة" و"مكافحة الإجرام" التأمت تدريجياً جبهة واسعة ضد الحزب وضد القوى الديمقراطية الثابتة من مختلف فئات وعناصر الرجعيين والإقطاعيين وأعوان العهد المباد وسائر عملاء الاستعمار وحلف السنتو، ومختلف الزمر القومية اليمينية والسلطة بأجهزتها وإمكانياتها، ومختلف أحزاب البرجوازية، بما في ذلك بعض الفئات البرجوازية التي تحمل عدة شعارات ديمقراطية كالوطني الديمقراطي والبارتي.. لقد استخدمت هذه الجبهة كل ما هو معروف لديها من الأساليب الدنيئة، وكل ما استطاعت القيام به ضد الحزب والحركة الديمقراطية وضد الجماهير الشعبية المخلصة.. أساليب خبيثة وملتوية للتسلل بأفكارها وشعاراًتها وعناصرها إلى داخل الحزب نفسه بغية فلّ وحدته وتفتيته، وعلى أمل القضاء عليه، وبوجه خاص تركزت هذه الجهود على قيادة الحزب نفسها. ونكثاً للأمانة الحزبية عمل بعض الرفاق على إعطاء صورة مشوهة عن الوضع في قيادة الحزب للأحزاب الشقيقة. كما عمل بعض الرفاق في جبهة تكتلية حاولت التنصل من الأخطاء التي ساهمت هي في مسؤوليتها، بينما هولت من تلك الأخطاء وحاولت تركيزها على ما دعته بـ "الجبهة المقابلة" وحاولت بمختلف السبل اللامبدئية فرض التذبذب والاستسلامية وإجراء تغيير في تركيبة قيادة الحزب» (مطالعة عمار - سلام عادل - في 2 سبتمبر 1962).

 

لقد أصدر الحزب بياناً على أعتاب الردة بتاريخ 25 كانون الثاني 1962، يوضح بجلاء أفكار وتوجهات سلام عادل بعد ما يقارب الستة شهور على عودته إلى الوطن من الإبعاد على يد الكتلة الانتهازية، بيان الحزب الشيوعي العراقي 25 كانون الثاني 1963، المصدر السابق ص184.

 

إن التظاهرة المليونية هذه عبرت عن مدى قوة ونفوذ الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل في صفوف الشعب العراقي عامة والطبقة العاملة والفلاحين والشغيلة خاصة. إن التقديرات المتواضعة عن هذه القوة تشير إلى التالي: «وصل توزيع صحيفتهم المركزية "اتحاد الشعب" إلى 23 ألف نسخة يومياً، مع أنه لم تكن هناك في العراق صحيفة تبيع أكثر من ألفي نسخة يومياً قبل ذلك بسنة واحدة.. وتضاعفت خلاياهم كذلك مرات عديدة. واستناداً إلى شيوعي مخضرم ورفيق لفهد، فإن الحزب صار يعد في ذروة الموجة 20 ألف عضو مسجل ومرشح. وهذا ما يتفق مع تقديرات البعثيين على العموم. وتنامت المنظمات المساعدة للحزب أو الجمعيات التي كانت تتحرك في مداره بإيقاع أسرع من ذلك. وكانت "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة" تضم في 8 آذار، وباعترافها 25 ألف عضو. واستناداً إلى إحدى قياداتها فقد وصل العدد إلى 40 ألف عضو في منتصف عام 1959. وفي منتصف حزيران ادعى "اتحاد الشباب الديمقراطي العراقي" الذي رخص له في 29 آذار، قوة تصل إلى 84 ألف عضو. وقيل إن "المؤتمر الوطني للجمعيات الفلاحية" الذي عقد في يوم 16 نيسان في بغداد كان يمثل حوالي 2000 جمعية تضم أعضاء مجموعهم 250 ألفاً. وأعلن "الاتحاد العام للنقابات" في 8 تموز أنه يتحدث باسم 51 منظمة نقابية تضم 275 ألف عامل وحرفي من الأنواع كافة. إن الذين عاشوا تلك الفترة ما زالوا يتذكرون بشيء من الرهبة البحر اللامتناهي من الرجال الذين كان باستطاعة الحزب أن يجمعه خلال لحظات» (المصدر السابق استناداً إلى المصادر التالية: حنا بطاطو، الكتاب الثالث ص208، العراق "ثورة تموز في سنيها الأول" ص254، حديث مع سليم عبيد النعمان، شباط 1964، حديث أجري مع هاني الفكيكي، عضو القيادة البعثية عام 1963، حديث مع الدكتورة روز خدوري شباط 1964، تصريح زكي خيري عضو المكتب السياسي في 11 تموز 1959، اتحاد الطلاب العالمي)

 

إن وصول الحركة الثورية للطبقة العاملة العراقية ممثلة بالحزب الشيوعي العراقي بقيادة الشهيد الخالد سلام عادل، إلى هذه الذروة الجماهيرية، لم يكن أمامها إلا خيارين لا ثالث لهما، أولهما: التقدم إلى أمام واستلام السلطة، ومن ثم الانتقال بالثورة الوطنية العراقية إلى مرحلتها الأعلى الثورة الوطنية الديمقراطية، وثانيهما: التوقف والانكفاء والتراجع، الذي يوصل إلى الانهيار الشامل للحركة، ومن ثم العزلة عن الجماهير، وبالتالي توفير الفرصة للقوة المضادة للثورة لجر الأنفاس والانقضاض على النظام الوطني الجمهورية بقيادة الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم، وهذا ما تم بالضبط في انقلاب 8 شباط الأسود 1963.

 

إن تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي العسكرية ونفوذه في القوات المسلحة، وصلت هي الأخرى إلى الذروة، وحسب المعطيات التي أوردها حنا بطاطو كانت كالتالي:

 

«رتبة زعيم 3، رتبة عقيد 18، رتبة مقدم 27، رتبة رئيس أول 37، رتبة ملازم أول 52، رتبة ملازم ثان 64» (حنا بطاطو، الكتاب الثالث، ص210).

 

هذا إضافة إلى قوة المقاومة الشعبية التي وصلت إلى 25 ألف رجل في عام 1959 حسب المصدر السابق. وعشرات الآلاف من الجنود وضباط الصف الذين تنحدر غالبيتهم من أصول عمالية كادحة.

 

ولا بد هنا من التذكير بأن المظاهرة المليونية خرجت في وقت كان فيه تعداد الشعب العراقي لا يتجاوز الـ 8 مليون نسمة.

 

إن انتصار الكتلة اليمينية في قيادة الحزب الشيوعي العراقي والتي كان من أولى قراراتها إبعاد الشهيد سلام عادل إلى الاتحاد السوفييتي، مثل نقلة جوهرية في ترجيح الخيار الثاني في سياسة الحزب، خيار التراجع وانكفاء، ومن ثم كبح التحرك الجماهيري وإعاقة تطوره نحو الفعل الثوري المباشر. إن الفترة الممتدة بين أواخر آب 1961 وأواسط حزيران 1962، فترة إبعاد الشهيد سلام عادل، هي الفترة ذاتها التي شهد فيها الوضع السياسي العراقي تدهوراً نوعياً لصالح القوى المضادة للثورة.

 

لقد واصلت قوى الردة  هذه عملها للإطاحة بثورة 14 تموز المجيدة، وبالتالي توجيه ضربة قاصمة للحركة الثورية للطبقة العاملة العراقية، وهذا ما تم في انقلاب 8 شباط الأسود 1963، الذي علق على حدوثه الشهيد سلام عادل بالقول: «قال جمال إن الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح، فعلق سلام قائلاً: كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره» (ثمينة ناجي يوسف، المصدر السابق، ص337).

 

إن قائد الحركة الثورية للطبقة العاملة الشهيد سلام عادل، كان قد قيّم الانقلاب قبل أيام معدودة من وقوعه في قبضة الفاشيست واستشهاده مرفوع الرأس تحت التعذيب الهمجي. هذا التعذيب الذي تواصل لاحقاً بحق الشعب العراقي على مدى العقود الأربعة اللاحقة، على يد القوى الرجعية والبعثية الفاشية، ويتواصل اليوم على يد أسيادهم الأمريكان، بعد إسقاطهم للنظام الصدامي الفاشي واحتلال بلادنا في 9 نيسان 2003.

 

لقد قيّم الشهيد سلام عادل الانقلاب الفاشي في آخر رسالة كتبها: «إن الديكتاتورية السوداء الجديدة لم تأتِ للقضاء على الديكتاتورية كما تزعم، ولم تأتِ من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية أو "العدالة الاجتماعية"، بل جاءت لتطعن شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية. إن طبيعة الديكتاتورية السوداء الجديدة لا أن تسترها بغربال من الديماغوجية والتهويش. إنها طبيعة رجعية قومية يمينية شوفينية عنصرية طائفية. وبطبيعتها هذه تخدم بالدرجة الأولى الاستعمار والرجعية والإقطاع، إنها تمثل حركة ردة سوداء للنكوص لبقايا مكتسبات ثورة 14 تموز. إنها تحمل راية مهادنة الاستعمار الأمريكي والإنكليزي وشركاتهما النفطية. إنها تحمل راية تخريب الإصلاح الزراعي. إنها تحمل راية تخريب البقية الباقية من النزر اليسير من حريات الشعب ومنظماته ونقاباته وجمعياته المهنية والثقافية والاجتماعية، أنها تحمل راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه أهداف الحركة الشعبية وحرفها لصالح الاستعمار والإقطاع، أنه تحمل راية معاداة الشيوعية والديمقراطية والوطنية. راية ميثاق بغداد غلاة دعاة الاستعمار والعدوان والحرب، وفرض أبشع أساليب الحكم البوليسية الفاشية على بلادنا، إنها تحمل راية تدمير جيشنا الوطني جيش 14 تموز وتصفية عناصره الوطنية الأشد إخلاصاً للشعب والوطن. إنها سلطة معادية للقوميات والأقليات التي يتألف منه شعبنا، تحمل راية العداء القومي والطائفي وضد الشعب الكردي وضد الأقليات القومية والدينية والطائفية، إنها تحمل راية معاداة العمال والفلاحين، معاداة المثقفين والثقافة والعلم». (المصدر السابق ص 356).

 

وحمل الشهيد سلام عادل القيادة القومية الكردية المسؤولية أيضاً: «إن القوميين الأكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء وطلبوا العون والمساندة من أية جهة لإسقاطه، وغازلوا القوميين العرب اليمينيين وتعاونوا معهم وتصوروا بان انقلاب 8 شباط 1963 كما لو انه انتصار لهم. ان هذه السياسة تنم عن ضيق الأفق القومي وقصر النظر البرجوازي. إنهم يجابهون عدوا أشرس من قاسم. ان مطامح الشعب الكردي تتعارض مع أهداف الانقلاب على خط مستقيم تماماً. ان قادة الانقلاب أذاعوا بعض الأقوال التخديرية ولكن حتى الأطفال باستطاعتهم ان يدركوا ان هذه الأقوال لا هدف لها سوى التخدير وكسب الوقت لتركيز سلطتهم ….ان القوميين الأكراد يتحملون مسؤولية خاصة من بين الحركة الوطنية في تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب الرجعي الفاشي. (المصدر السابق، ص353).

 

كان للقوى الإقطاعية التي تعرضت مصالحها الطبقية الضيقة إلى ضربة كبيرة بإصدار حكومة ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي، فعملت بكل الوسائل لإسقاط حكومة الثورة، وتوافق ذلك مع العقلية المعادية للديمقراطية لقيادة الجمهورية العربية المتحدة ليتكون حلف غير مقدس،ضم القوى القومية العربية والكردية المتعصبة في العراق، والقوى الإقطاعية والرجعية وبقايا النظام الملكي البائد، بإشراف ودعم مباشرين من قبل الإمبريالية الأمريكية، إذ يسجل إسماعيل عارف التالي: «ويحضرني الآن ما جرى في لقائي بالملحق الجوي الأمريكي بواشنطن في أواخر خريف 1985. فبعد حديث قصير أدخلت في روعه إنني متذمر من الوضع في العراق لكي اكتشف ما لديه من معلومات طازجة عن الأوضاع في المنطقة العربية إذ أنه قد عاد لتوه من سوريا فقال إن الوضع في العراق سينتهي قريباً». (إسماعيل عارف، أسرار ثورة تموز، ص286).

 

وكانت الجمهورية العربية المتحدة على علاقة وثيقة بما كان يجري من تآمر. وقلت له كيف تتعاون مع الرئيس عبد الناصر والولايات المتحدة في خصومة شديدة معه، فقال إن الأمور تبدلت، لأن الخطر الشيوعي في العراق قد استفحل وأصبح القضاء عليه من مصلحة الطرفين. (المصدر السابق ص 280)

 

وجاء على نفس الصعيد في تقييم لحنا بطاطو «وسبب معارضة شيوخ عشائر شمر من آل الياور الذين يعيشون في لواء الموصل لثورة 14 تموز ومشاركتهم في المؤامرة لإسقاطها هو صدور قانون الإصلاح الزراعي في الثلاثين من شهر أيلول 1958 الذي صادر معظم أراضيهم الزراعية في المنطقة. ويعتبر هذا القانون أحد الأسباب الرئيسية للتحرك المعادي للثورة. وكان أحمد عجيل الياور على علاقة وثيقة برجال العهد المباد فقد كانت عشيرة شمر تسكن في الصحراء على امتداد أنابيب النفط، أي أنهم حرس لشركات النفط ولحفظ الأمن في الصحراء للحكم الاستعماري في العهد المباد. وارتبط احمد عجيل الياور بعلاقة صداقة مع الوصي عبد الإله فقد كانا يدرسان معاً في كلية فكتوريا في الإسكندرية، وقبيل ثورة 14 تموز كان يجتمع به وبغيره من شيوخ العشائر. وكما أن أحمد عجيل الذي كان يخدم مصالح الإنكليز بالوراثة عن والده عجيل باشا الياور من أكبر رجال العشائر أي شيخ من شيوخ العشائر الذين اعتمد عليهم الانكليز واعتزوا بهم وحضر حفلات تتويج لملوك بريطانيا في لندن». (حنا بطاطو، الكتاب الثالث ص 183).

 

ومن جهته اعترف السيد عزيز محمد الذي تسلم قيادة الحزب بعد استشهاد سلام عادل ممثلاً عن الكتلة، التي لم يتعرض أي من أعضاؤها إلى الاعتقال أو التصفية، اعترف قبل ستة شهور من وقوع انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، في اجتماع المكتب السياسي الذي عقد في 13 أيلول 1962 بعد عودة الشهيد سلام عادل من الإبعاد إلى موسكو، هذا الاجتماع المكرس لدراسة سياسة الحزب منذ 14 تموز 1958 حتى عودة قائد الحزب من الإبعاد، اعترف السيد عزيز بقوله: «إن عدم تلمسي لوجود هذه الكتلة يعود لأسباب كثيرة أهمها: ضعف يقظتي إزاء المفاهيم والتسلكات الانتهازية، وبكلمة أخرى ضعف وعيي الطبقي إزاء مفاهيم وأساليب العدو الطبقي … إنني أقلكم مواكبة وانغمار في عمل الحزب القيادي ….أن لدي آثار ضعيفة نسبية تجاه الرفيق عمار "سلام عادل" أي بقايا انطباع خاطئ بأنه متشدد أو متسرع في أحكامه أو تؤثر فيه بعض الظروف الطارئة. ويتضح لي الآن أكثر خطأ تلك الانطباعات التي ربما كانت ناجمة كآثار لنشاط كتلة المعارضة في قيادة الحزب. كل هذه المشاكل مجتمعة كانت ذا تأثير سلبي علي بحيث ضعفت يقظتي إزاء المفاهيم والتسلكات الغريبة وليس غريباً في هذه الحالة أن أفسر الأمور تفسيراً سطحياً وساذجاً كما ليس غريباً أن أتأثر في بعض المواقف دونما وعي، بالآراء التي يقدمها أحد أعضاء المعارضة "الكتلة الانتهازية". مثال ذلك مسألة تسفير الرفيق السكرتير التي تحمست لها وبقيت كذلك حتى النهاية، حتى إنني لم أقتنع بالنقد الذي توجهت به اللجنة المركزية إلى الذين طرحوا المسألة واستغربت من الحساسية التي أخذت ترافق أي مسألة متعلقة بدراسة الرفيق السكرتير أو تسفيره لأغراض الصيانة». (المصدر السابق ص 316).

 

ان مراجعة عامة لتركيبة القوى التي تعاقبت على الحكم منذ انقلاب 8 شباط 1963 حتى سقوط النظام البعثي الفاشي في 9 نيسان2003 واحتلال العراق، تثبت أنها ذات القوى الإقطاعية والرجعية والقومية اليمينية عربية وكردية، التي ارتمت في أحضان الاحتلال الأمريكي الذي أشار الشهيد سلام عادل إلى مؤامراته المتواصلة من أجل ضرب العراق وحركته الثورية، وتثبت المراجعة أيضاً على صعيد الحزب الشيوعي العراقي، بأن سياسة الانكفاء والذيلية الانتهازية للأنظمة المتعاقبة منذ ذلك التاريخ، تمت بقياد ة السيد عزيز محمد والكتلة الانتهازية ذاتها وبكل رموزها، والتي أوصلت الحزب إلى مرحلة التخلي الكامل عن الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي أنشئ من أجل تحقيقها، ولم يبق من حركة الطبقة العاملة إلا التمسك الديماغوجي باسم الحزب الشيوعي. إن 1 أيار تحول في عرف قيادة ما بعد الشهيد القائد العمالي الخالد سلام عادل إلى مناسبة للاحتفالات في القاعات المغلقة بعيداً عن الطبقة العاملة نفسها، احتفالات برعاية زعيمة الرأسمالية العالمية في أعلى مراحلها الإمبريالية الأمريكية، باعتبارها "محررة" لا محتلة.

 

إنه الوهم بعينه حين يتصور البعض بأن مجرى حركة التاريخ ستنقلب رأساً على عقب، فالإمبريالية وليبراليوها الجدد سوف لن يغيروا من حركة التاريخ السائرة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري.

 

إن كلمات سلام عادل قبل أكثر من أربعين عاماً، نرى فيها واقع اليوم المرير، لكن الثقة بالشعب، تلك التي اعتمدها الشهيد سلام عادل في حربه الطبقية ستبقى الأقوى. إنها قراءة الشهيد سلام عادل قائد أكبر حزب عمالي في الشرق الأوسط، كلمة ترجع ساسة اليوم المنخرطين في عملية احتلال وتدمير العراق إلى أصولهم الفكرية والطبقية

 

الأول من آيار 2005

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا