كتابات حرّة

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

  

 

(كاوه الاهوار)

      

حميد الحريزي

        عبر طريق ترابي متعرج يمتد حوالي سبعين كيلو مترا تسير السيارة من مركز مدينة الناصرية لتقل(عاصف) إلى ناحية الفهود  تنفيذا لأمر نقله من المركز الصحي الفرعي في المغيشي إلى المركز الصحي في الفهود.

 يضيق الطريق تدريجيا كلما ابتعدت  السيارة  عن الناصرية  وخصوصا بعد تجاوز  مركز ناحية سيد دخيل  حيث تحاصره مياه الاهوار من الجانبين  وتدريجيا تظهر اكمات القصب والبردي  ثم تتم محاصرته تماما  بماء الهور  الذي يمتد متراميا على مد البصر  ابتداء من جسر( اللعويسية) الحديدي على مشارف الناحية

 يفصل المنطقة الشرقية للمدينة عن الهور سد ترابي  يتلوى كأفعى عملاق  يدعى بالروف(سدة)  متجها صوب  ناحية الإصلاح  ليحجب المياه عن الناحية  التي تبدو كجزيرة صغيرة أو( جباشة ) كبيرة محاطة بالهور من كل جانب  وخصوصا أيام ارتفاع مناسيب المياه في الربيع .

لاتحمل الفهود من سمات المدينة  إلا الاسم الرسمي وعدد ضئيل من الأبنية المشيدة بالطابوق كبناية مديرية الناحية ومركز الشرطة في بناية مشتركة والمركز الصحي والبريد  والمنظمة الحزبية لحزب البعث وعدة بيوت متناثرة على جانبي شارع واحد يتقاطع عموديا مع الطريق لعام الذي يمتد  صوب ناحية الحمار ومركز قضاء الجبايش.

كان وصول(عاصف) الأول للناحية  عام 1976 منقولا وللمرة الخامسة  خلال عام واحد من بغداد إلى دهوك ومن ثم إلى الناصرية فالمغيشي ثم الفهود بناء على مقتضيات (المصلحة العامة )والذي كان في حقيقته لمقتضيات (الأمن العامة) جاء النقل هذه المرة لانزعاج السلطة في ناحية الفجر  من اتصاله وعلاقاته مع عمال المصب العام في المنطقة وظهور جريدة (طريق الشعب ) هناك  علما ان نقله مع عقوبة الإنذار إلى هناك كان  على اثر شجار  مع عضو قيادة الفرقة السيد مدير عام الصحة.

كان(عاصف)  آن ذاك ممتلئ حماسة  ورومانسية ثورية  فبقدر ماكان  أزلام السلطة  يتصورون إيذائه  بأوامر النقل  وغفلتهم  أو غبائهم  بأنه ليس من  سكنة محافظة ذي قار  فلم يفرق عنده ان يكون  في ا لمركز أو الإطراف فقد كان يقول مع نفسه .

 نعم  يا((عاصف)) هذا  هو طريق النضال  فهو ليس معبد بالورود  وهذه هي طبيعة الصراع  الطبقي  لطليعة البرولتاريا  وأنت (طبعا ) من هذه  الطليعة  في صراعها ضد البرجوازية  والبرجوازية الصغيرة حتى وان كانت حليفة  بقيادة حزب البعث  فالتحالف لايعني  إلغاء الصراع  وهذا ماتقوله أدبيات الحزب والكراريس الحمراء .

وقد زادت هذه التنقلات من عزمه وفرحه  إذ رمته  وسط جمع أحبائه العمال  عمال المصب العام  في المغيشي  وجمع من عمال  البناء في الفهود لبناء معمل جديد للطا بوق هناك.

في ناحية((الفهود))  شارع يمتد إلى ناحية الحمار ثم إلى مركز قضاء الجبايش هذا الطريق ابتداء من قبة ( سيد نجف )   - آمل  ان  لا نستغرب  من كثرة قباب وأضرحة السادة ومقامات الأولياء في هذه المناطق ويرى البعض ان  عدد الأضرحة والقباب يتناسب طرديا مع حجم  المآسي والآلام والبؤس الذي يعاني منه سكان الاهوار مما يدفعهم إلى  ان يتمسكوا بأكثر من حبل للنجاة والشكوى فهمومهم لايستوعبها ضريح واحد مثل سيد دخيل وفواده أم هاشم وسيد محمد وسيد بخور وسيد يوشع وهو يتمتع  بقدسية كبيرة  في الفهود وما حولها..و..و- غالبا ماتحيطه المياه من كل جانب مما يضطر المسافر ان يستأجر زورقا حتى الحمار وخصوصا أيام ارتفاع مناسيب مياه دجلة والفرات حيث تلتقي مياه النهرين هناك ويبدو واضحا الفاصل بينهما على امتداد الهور لاختلاف كثافة ماء هما فلا يبدو الاخيطا رفيعا يفصل بينهما كحبيبين يحتضن احدهما الأخر حتى يلتقيا تماما ليذوب احدهما في الآخر في شط العرب انه وليدهما الأكبر . فتظهر الفهود والحمار والجبايش  عبارة عن جباشات كبيرة تحيط بها عدد من الجباشات الصغيرة تعتليها بيوت سكنة الاهوار  المتناثرة  على طول وعرض الهور يتم التنقل من احده إلى الآخر بواسطة البلم.

 يوجد في الفهود مطعم واحد هو مطعم أبي جاسم المبني من الطين والمسقف بالبواري والذي لا يتوفر إلا على ألتمن واليابسة ( مرقة الفاصوليا ) والسمك المقلي نظرا لوفرته في المنطقة .

هناك قهوة أبو راجي وكاظم ( الوسخ ) كما يسمونه أهل الناحية وهناك بعض الدكاكين للبقالة والقصابة ومحل للصابئة الذين يتميزون بصناعة أدوات الزراعة البدائية ( المنجل والمسحاة والمذراة والكرك وأعوادها ) والذين يفضلون السكن على ضفاف الأنهار وحافات الاهوار ليكونوا قرب الماء الجاري المقدس لديهم والذي تجري بعض طقوسهم فيه كما هو معروف.

 اغلب كادر المركز الصحي كان من خارج المحافظة من البصرة والنجف والسماوة وبغداد .

 كان (عاصف ) يقضي بعض الوقت في مقهى أبي راجي نظرا لأريحيته ونظافته وحسن معاملته ومعرفته الواسعة بالمنطقة وتاريخها وسكانها.

- لفت نظر عاصف في القهوة تردد رجل تجاوز الخمسين من عمره يعتمر ( جراوية ) بغدادية ودشداشة عربية ( وكَيوه ) يتكلم عربيه ( مكسرة ) ويتنكب مكنسته على طوال النهار يدعى(( كاكه حسن)) .

- خلال تكرار تواجدهم معا في المقهى عرف ( كاكه حسن ) ان عاصف موظف جديد في الناحية وعرف عاصف ان كاكه حسن يعمل ( كناسا ) في بلدية الفهود !! وهو من الأكراد المهجرين من كردستان بعد انهيار الثورة الكردية ضد نظام البعث عام 1975 على اثر اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران بواساطة المرحوم  بومدين  الرئيس الجزائري السابق .

 على طول فترة مكوث عاصف في الفهود غالبا ما كان يشاهد عناق حميمي عنيف بين الكرد حيث يحتضن احدهما الأخر حتى يسقطا أرضا . وعندما استفسر من ( كاكه حسن ) عن هذه الظاهرة قال بألم ظاهر : -

 كاكه هؤلاء الكرد من عائلة واحدة فرقتهم الإحداث ولا يعلم احدهم مصير الأخر عندما سفرتهم السلطة ووزعتهم على المناطق الجنوبية ووضعتهم في صرائف من القصب والبردي أعدت لهذا الغرض . وحينما يستقر احدهم في مكان يظل يسال عن أهله وذويه وعندما يحصل على خبر وجودهم في احد المحافظات يقصده وهو غير مصدق انه سيجده حيا !!!

- يسحب كاكه حسن كيسه المعلق في حزامه ليلف سيكاره من تبغه ( الممتاز ) الذي يعرف نوعياته جيدا ثم يلقمها ( سبيل ) غير مألوف الطول ليدخن سيكارته . شارحا ان هذا التبغ من النوع ( أبو الريحة ) هذا تتن مال كردستان العراق (( زور باشه )) ممتاز كما يصفه.

 شاكرا ما يقدمه له من هذه السكائر اللف لأنه كان يدخن أحيانا سكارة ( الباكيت)

سألت ( كاكه حسن) يقول ((عاصف)):-

 هل أنت وحدك هنا ؟ أجاب بنعم دون ان يضيف المزيد ؟ وعن سكنه قال اني أبيت في مولدة الكهرباء ( وهي ماكنة سحب ماء محورة لتكون مولدة كهربائية تابعة لبلدية الناحية يتم تزويدها بالكاز والدهن من قبل الدولة ويشرف على تشغيلها وصيانتها عمال تابعون لبلدية الدولة ) .

-    والله كاكه اني ينام بصعوبة في الليل بسبب صوت (مكينة ) المزعج وقد حاولت ان احصل على صريفة لأسكنها فلم يعطني مدير الناحية صريفة لأني لست ضمن عائلة ، ثم قطب جبينه نافثا دفعه كثيفة من دخان سيكارته وممسكا بقوة بساق مكنسته وقال متسائلا ؟ - الم يكن مدير الناحية خادم الشعب ؟ وانأ واحد من الشعب ؟

-         (بوجيه) لماذا مايعطيني صريفة اني لازم يخليه يعطيني صريفة ؟

يوما بعد أخر تعمقت علاقاتي يقول (عاصف) مع كاكه حسن ويبدو انه أدرك بفطنته وذكائه وبتجربته اني لا اختلف عنه فاني منفي مثله ولست من أزلام السلطة .

من الملاحظ على كاكه حسن انه لا يلقي ( المكنسة ) من يده فهو لا يعرف معنى لساعات الدوام الرسمي كجندي في حالة إنذار دائم ضد عدو متربص كان كاكه حسن عدوا لدودا للنفايات والأوساخ حيثما وجدت وفي أي وقت على طول وعرض الشارع وهو الشارع الوحيد المعبد في الناحية ونظافته من مسؤولية كاكه حسن باعتباره الكناس  الوحيد في بلدية المدينة

 وذات يوم قال لي بعد ان سأله((عاصف)) عن المكنسة :-

 – كاكه ( عاصف ) المكنسة هي بدايات توزيع وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة  هذه المكنسة من صناعة المرأة عندما اختصت برعاية الأطفال والحيوانات الأليفة في الدار مما تطلب الأمر منها إيجاد وسيلة تنظف بها الدار !!؟؟ وان المرأة لاتحصل على حريتها إلا عندما تتخلص من هذه المكنسة ، وها إنا امسكها في الشارع وهي في البيت فانا امرأة الشارع وهي امرأة البيت وكلانا تابع لمستعبد واحد ؟؟

كثيرا ما تعتريني الدهشة حينما أصغي لكلام ( كاكه حسن ) كأنه فيلسوف يتكلم وليس ( كناس بلدية ) بائس !! وعندما استفسرت منه عن الكتاب الذي قرأ فيه هذه المعلومة عن المكنسة ؟؟

- كاكه آني لايقره ولا يكتب ؟!! لكن هذا ما يقوله العقل واشر بإصبعه على صدغه.. بابا هذا كلام يجي من هنا من هنا .. أي من العقل .

لا يصدق((عاصف)) ما يقوله ((كاكه حسن)) وهو يظن  انه لا بد ان يكون منتميا إلى حزب يساري في فترة من فترات حياته فكل ما يقوله يدل على ذلك .

ثم  يسترسل عاصف واصفا  تفاصيل يومه وجولاته مع ((كاكه حسن)):-

 كان( كاكه حسن) يرافقني في جولاتي عصرا وسط ارتياب أزلام السلطة وحتى استغراب أهالي الناحية من هذه العلاقة الحميمة بيني وبينه فانا موظف ( معتبر ) و(كاكه حسن)كناس بائس فما لذي يجمعنا ،كنا نذهب مساءا صوب ( الروف ) عبر الشارع الترابي العتيق الذي يربط الناحية بمركز محافظة ذي قار .

نجلس على الروف المطل على مسطح مائي على مد البصر .. لنرقب حركة الأسماك وتراقصها قرب حافات الهور. نرقب ونتمتع بمراقبة طيور الماء وهي تسبح أسرابا غاطسه قافزة ناثرة المياه بأجنحتها في رقصة مسائية صاخبة مطلقة أصوات وزعيق كأنها حفلة عرس  بهيج حيث يصفوا لها الجو في أحضان الهور بعد انسحاب الصيادين والرعاة إلى بيوتهم ولم يكن في حسبانها ان الإنسان ينصب شباكه ويترصدها مختفيا بطريقة ماكرة مخيفا عليها حتى رائحته حيث يقنص لها في مخبأ يسميه ( نوجه ) موقعها يكون عكس اتجاه الريح . فالصياد يعرف تماما من خلال تجربته ان الطيور الحرة لا تنزل مكانا تشم منه رائحة إنسان ويقولون ان الطير( يريح) فيكون جلوسه واختباءه بحيث ان الريح تحمل رائحته بعيدا عن مكان تجمع الطيور فوق شباكه  المموهة جيدا وهو يجلس منذ المساء لساعات طوال دون ان تنم منه أية حركة اوصوت وإلا فقد كل شيء لو أحست الطيور بوجوده  وضاع جهده هباءا، وهو بمكره يرمي لها حبوبا شبه مطبوخة في منطقة معينه بقدر محيط شباكه المنصوبة في الماء لأيام عدة تسمى (الدوشه) ويتركها لتأمن للمكان وتتجمع أسرابا تزداد يوم بعد يوم لالتهام الطعم الغزير في هذه المنطقة المفخخة دون سواها وفي أوج كثافة تواجدها الذي يحزره الصياد من أصوات زعيقها ويميز حتى أنواعها وحتى عددها التقريبي في الشباك، عندها يضرب الصياد ضربته لتطبق شباكه عليها على حين غرة  وبعد ان يوثق رباط شباكه يبدأ الإمساك بها وكسر أجنحتها ورميها في زورقه المعد لهذا الغرض وسط زعيقها ومحاولتها اللامجدية للخلاص والهرب هذا مار واه لي (أبو راجي) يقول عاصف حول طريقة صيد الطيور في الاهوار وهناك طرق أخرى كاستخدام الزهر أو الصيد بالشوزن  وغيرها من حيل وابتكارات الإنسان لتامين طعامه.

-    نغط أنا و((كاكه حسن)) في صمت طويل كمسحورين ونحن نراقب مغيب الشمس عند الغروب حيث يبدأ باقتراب قرص الشمس من سطح الماء رويدا رويدا وكلما اقترب ازداد حمرة تبدو في أوجها عند تماسه مع سطح الماء في لحظة عناق كالقبلة الأولى لعذراء قروية تخوض تجربة الحب لأول مرة فتحتقن خدودها حمرة خجلا وهي وسط فرجة كل كائنات الأرض ممزقة أردية الخوف والوجل بفعل دافع الحب وتأجج نيران العشق فيتحول كل وجهها إلى قرص احمر لترمي برأسها بين  ذراعي حبيبها مجللة رأسه بشعرها الذهبي فيصطبغ سطح ماء الهور بأحمر شفايف الشمس العاشقة النازلة من علياء كبرياءها في كبد السماء لتغوص في أحضان عشيقها يرافقها عزف سيمفونية الغروب الساحرة لنقيق الضفادع وزعيق الطيور ورفيف أجنحتها وتمايل أعواد القصب والبردي مباركة هذا العرس الأزلي العظيم مصدر الحياة وسر استمرارها وتجددها .

-     لا نعود من سكرتنا ولا نحس بوجودنا إلا عندما تختفي الشمس ونورها الوهاج بعد ان استقرت في مخدعها المجهول المحمل بكل الغاز وعجائب وإسرار الطبيعة لتبد أ نجوم السماء وقمرها الفضي الآخاذ نوبة حراسة مخدع الحبيبين وعرسهما المتجدد منذ الأزل .لا تغمض عيونهن إلا بعد ان تتثائب العروسة ناشره نورها الذهبي عند الفجر، مقبلة وصفيتها نجمة الصباح الوضاءة شاكرة لها حسن حراستها ورعايتها لتصطبح بوجوه العمال والفلاحين والصيادين شهود  يقظتها كل صباح مباركة لهم سعيهم من اجل  جمال وكمال واستمرار الحياة  على سطح الأرض أمهم المعطاء .

-     ما ان استرد وعي بعد هذا الخدر المبهج الخلاب يقول (عاصف) حتى ادخل في عالم أساطير وحكايات( كاكه حسن) وهو يقص حكايات كاوه الحداد والملك الضحاك مرددا بعضا من أقوال وحكم كردية قلما افهم ما يقول و هويحاول ان يفهمني مضمونها مثل (( إذا لم تكن وردا لا تكن شوكا ) و( قال غراب لغراب أنت اسود )) .

-     وذات مرة سألني ((كاكه حسن)) عاصف قائلا ؟ - ما الذي شغل جلجامش عن إكسير الحياة بعد ان حصل عليه فسرقته منه الأفعى وبذلك ذهب جهده وطموحه وأمله في الخلود هباء ثم ضحك متهكما مذكرني بمثل عربي مشهور ( رب ضارة نافعة ) .. نعم فلربما كان قدري بالنفي إلى موطن ((كَلكَامش)) ان استرد أكسير الحياة من جوف الحية السارقة فهي بالتأكيد لم تزل تعيش في وسط هذه الاهوار وبذلك اعيد للبشرية حلمها العظيم وجنة عدن المفقودة حيث ان هذه الأرض هي موقعها كما يذكر أهل التاريخ؟؟نعم ويعيد الجنة والسلم والمحبة للناس جميعا كردي منفي مراقب لايملك شبرا من ارض وطنه ولا مسكنا يؤويه ، لالذنب اقترفه  سوى انه يحلم في ان يكون لامته الكردية المقطعة أوصالها بين الأمم وطن مثل كل أمم وشعوب العالم صغيرها وكبيرها .. لا لذنب اقترفته ولكن لأنها الأمة الوحيدة التي لم تغزو أحدا ولم تغتصب ولم تضطهد أي شعب من شعوب العالم لا في التاريخ القديم ولا الحديث وإنها لم تصطف مع الإمبراطوريات والقوى الكبرى لتكون  مطية لها ضد الشعوب  الأخرى لذلك كان قدرها الضياع والظلم والتجزئة حتى في عصرنا الراهن عصر الحرية والديمقراطية كما يدعون !!

ثم يستل كيس تبغه ويبرم على عجل سكارة يلقمها غليونه ويولعها بقداحته الحمراء فريدة الشكل والنوعية التي لم يَر مثلها كما يقول ((عاصف))  سابقا ولا اعلم من أين جلبها ((كاكه حسن)) الذي يقول أنها الإرث الوحيد الذي تركه له والده  الذي ورثها عن جده وإنها لم تشتعل في أيدي غير أيديهما الابامر منهم وقد حاولت ان أجربها ظنا مني ان ((كاكه حسن)) كان يسخر مني  ولكنها فعلا لم تشتعل رغم محاولاتي العديدة، فأخذها من يدي  ضاحكا   وتمتم عليها بما لا اعرفه ثم أعادها إلي قائلا:-

 الآن أشعل بها ماتريد فقد أصبحت  أنت مثلي تأمرها فتستجيب كأنك احد أفراد العائلة التي  تملك وحدها سر اشعالها فقداحتي هذه لاتستجيب الا لمن كن من السائرين على خط  جدنا الاول كاوه الثائر وهي تقدح شررا  يحرق وجوه المتخاذلين  ومناصري الظالمين والمستبدين حينما يحاول قدحها فزيتها  من دماء لشهداء العدل والحرية .

استمع بانبهار ومزيدا من الشك فيمن يكون هذا الكناس البائس أو هذا المنظر والفيلسوف الكبير المسحور في لباس كناس بائس ؟؟!!

 اكتم تساؤلاتي ونعود أدراجنا ككل يوم دون ان نشعر بتعب  سائرين وسط ثغاء قطيع الأغنام والماعز وقفزات الجراء الصغيرة الفتية المعافاة وهي تستعرض حركاتها البهلوانية أمام سيدها راعي الأغنام عسى ان يكافئها بمزيد من أرغفة الخبز وفضلة من عظام الطيور والأسماك الأكل المعتاد لسكان الاهوار الذي يمتهن اغلبهم مهنة الصيد ورعاية وتربية الجاموس .

- أودع كاكه حسن لأتناول طعام العشاء في مطعم ( أبي جاسم ) ثم مقهى أبي راجي فدار العمال كان هذا الأمر قبل ان انهمك في العمل ( الحزبي ) الذي يكاد محضورا آنذاك في ناحية الفهود رغم وجود التحالف الجبهوي بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي .

 كثيرا ما كنت أتسلل من المدينة يقول (عاصف) متخفيا بزي عربي صوب احد ( الرفاق ) في(العمايرة ) أو احد الأكواخ المعزولة وسط الهور فيتم نقلي إلى هناك بواسطة زورق يكون بانتظاري في مكان محدد على حافة الهور . لأدخل هنا في عالم أشبه بعالم الكهوف أو عالم سومر القديمة وسط اهوار الحمار جالسا وسط عدد من الفلاحين والصيادين وخليط من طيور الخضيري والبط المدجنة وأحيانا يشاركنا جلستنا دون حرج واحد أو أكثر من الخراف و ينبطح مبحلقا في باب الكوخ أكثر من كلب يتدفأ من نار الموقد الذي نجتمع حوله في الشتاء . بعد التحية والله بالخير أبدا لأشرح لهم النظرية الماركسية وفائض القيمة وحتمية انتصار الاشتراكية ونظرية التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية عن طريق توثيق عرى الجبهة الوطنية التي كانت سائدة في مواضيعنا الثقافية آنذاك .. أسهب في شرح ذلك لفلاحين أمّين ،لا يزيدون على  هز رؤوسهم بنعم رفيق ... صحيح رفيق... صار رفيق !!؟؟ كان العديد منهم يتغيب أو يختلق الأعذار لعدم الحضور كيلا يتعرض للإحراج عندما يسأل عن عدد أصدقائه أو من استطاع ان يرشحهم للحزب ؟ أو عند موعد جمع الاشتراكات والتبرعات الشهرية من الرفاق والأصدقاء؟؟؟ .

حينما التقي ((كاكه حسن)) في اليوم التالي  لايسالني  أين كنت ولماذا  لم أكن  في مقهى(( أبي راجي)) عند ألعصر  ولم أرافقه  كالعادة  إلى الروف  وكأنه يحدس  من حيث  لاادري  اني أمارس  عملا  شبه سري  ولم يدور في خلد بعضنا  ان يسال الأخر عن  انتماءه السياسي   أو مذهبه   ولأي حزب ينتمي.

 في يوم 21-3 افتقدت كاكه حسن  حيث لم أجده  في مقهى ((ابي راجي  )) وقد انتابني القلق بعد ان سأمت الانتظار  إذ قارب المساء ان يحل  دون ان يأتي إلى المقهى  . وبعد ان سألت ابا راجي  ان كان قد شاهد  ((كاكه حسن))  اليوم ؟

فأجابني بأنه  لم يجلس اليوم  في المقهى  بل مر متنكبا مكنسته  وهو يرتدي  شروالا  وتوجه صوب الروف  ؟؟؟ مستدركا  فقد يكون  ذاهبا  لزيارة احد معارفه  أو أقاربه من الكرد  في الصرائف المتناثرة  في الناحية وربما لعرس فلأول مرة أراه يلبس شروال.

سلكت دربي المعتاد  عليه كل يوم  وكلما اقتربت  ترآى لي( (كاكه حسن)) وهو يدور  فوق الروف  ولما أدركته  متسائلا  ومستغربا  فعله  . توقف لحظة وهو يأمرني  - كاكه (( عاصف ))اجمع  أعواد القصب  والبردي اليابس  بسرعة بسرعة  وكومها هنا  هنا  بسرعة فقد حل علينا الظلام ؟؟

وفي حالة  ارتباك  واستغراب  فعلت مااراد  وسألته  ماذا يريد بهذه العيدان ؟؟

أشعل بيها نار  أشعل نار  وناولني قداحته الغريبة الحمراء وبعد ان أشعلت النار بهذه القداحة الغريبة الشكل والاستعمال والتي  اشتعلت هذه المرة  من القدحة الاولى !!!

امسك بيدي  وبدا يضرب الأرض  برجليه  ويهز كتفيه  فشاركته الدبكة الكردية الرائعة بعد ان عرفت  انه يحتفل  بعيد ((نوروز)) العظيم . رقصنا ورقصنا  حول نار نوروز الملتهبة  وأحسسنا ان كل الطيور والخضيري والبط  واسماك الهور  شاركتنا فرحنا وان ذؤابات القصب وعرانيص الخريط الصفراء وزنابق الماء الحمراء   تتمايل وتهتز طربا وكأنها تشارك السنديان  والجوز  وفرحة قبج كردستان  بهذا اليوم الجميل الذي يدعو فيه ((كاكه حسن)) الى  وجوب ان يكون هنا ((كاوه )) مال اهوار وقد ومضت في ذهني فورا صورة (( خالد احمد زكي)) كاوه وجيفارا الاهوار.

بعد عدة أيام من رقصة  عيد نوروز النارية الجميلة . هبت ريح صرصر عاتية  وأمطار غزيرة  مع رعد وبرق  بشكل مفاجئ  مساء يوما آذاري كالعادة في مثل هذه الأيام من شهر آذار (شهر الهزاهز والإمطار) كما يقول أهلنا  وقد أعلمني بعض الرفاق الصيادين  بأنهم يتوقفون عن النزول إلى عمق الهور  في مثل هذه الأيام  خوفا من الضياع  والغرق  فقد ابتلعت الاهوار الهائجة    العديد من الصيادين  مع زوارقهم  وعدد صيدهم  وكأنهم قرابين  يقدمها الهور  إلى آلهة  الماء والنماء  لشد عزيمتها  في صراعها  مع آلهة الريح  والسماء  حيث أنين  الريح  العاصف  كعواء  ذئاب مجروحة  وسيل إمطار غزيرة  وأصوات  الرعد كصوت طبل بسعة  وحجم السماء  تضرب عليه بعصي عملاقة  عفاريت  وشياطين غاضبة لإرهاب بني الإنسان  وسط تطاير شرر البرق  من عيون  آلهة  النار والدماء  متوعدا  باحراقق  الأخضر واليابس  ويجفف الأنهار الاهوار تحديا لآلهة الأرض الانسان الذي يسعى ليكون الها  .

لم استطع  ان أرى(( كاكه  حسن)) طبعا  في ذلك اليوم  الممطر العاصف  ولكني  كنت أحس بقلق شديد عليه ربما كان مصدره تصوراتي لحال الاهوار في منامي  وكوابيسي  حيث رأيت(كاكه حسن) وهو يصارع الأمواج والأفاعي  العملاقة  في جوف الهور الهائج مما دفعني لأخرج في اليوم التالي  وكان يوما ربيعيا  مشمسا  كأنه ينبئك  بان الهور بطيوره  وأسماكه  وقصبه  وبرديه مبتسما  يسخر من طيش  وحماقة آلهة  الريح والبرق والمطر  في تحديها  للآلهة  الماء والنماء  فقد قهرت وعادت  بالخيبة والخسران  بينما ازدادت  الاهوار والأنهار  امتلاءا واتساعا  وازداد القصب والبردي سحرا وجملا  بعد ان استحمت  في مياه الإمطار الغزيرة  فاغتسلت  وتخلصت  من كل غبار وعوالق  الخريف والشتاء  كأنها أفواج أطفال تطفح وجوههم بالبشر والصحة  والسعادة فرحين بملابس عيد الربيع الجديد.

 ولايوصف في مثل هذه الأيام منظر ارتعاش  ذؤابات  القصب وعرانيص (الخريط) وهي تهتز  فرحا  حينما تمس سيقانها الملساء البيضاء  الناعمة الطرية  شفاه الأسماك الحمراء لتطبع عليها  قبلات الحب والألفة والمودة وهم يعيشون معا منذ الأزل في رحم  هذا الهور الواسع  كحضن أم عطوف وهي تتواصل مع أبناءها كل إحياء الأرض  من إنسان وحيوان. وكيف ان الريح تعصف في الخريف لهز جذوع الأشجار وهي تنحني  مودة وإجلالا لها حيث انتخت لتخليص  أغصان الشجر من أوراقها الصفراء  التي أصبحت تثقلها دون فائدة ثم تغتسل  بماء المطر طيلة الشتاء  لتحتضن براعم خضراء  وزهور الربيع الجميلة.

ويستمر ((عاصف)) وهو يتصبب عرقا والما وهو يروي تفاصيل بحثه عن  ((كاكه حسن)).

 قصدت الماكينة  بعد ان لم اعثر عليه في مقهى أبي راجي  قائلا مع نفسي:-.

 ربما لم يزل  الوقت مبكرا على تواجده  في المقهى ...ولكني صدمت  حينما عرفت من عمال المولدة ان  كاكه حسن لم يبيت ليلته  في مبنى الماكينة  لأول مرة منذ ان أتى للفهود  وإنهم  في حيرة من أمرهم  هل يخبرون  الجهات الأمنية  التي إمرتهم بمراقبته  أم ينتظرون  مجيئه؟؟؟ فمن الصعوبة  التستر عليه فربما  هرب عائدا إلى الشمال من يدري؟؟؟

 ازداد قلقي ودارت في راسي  أفكار خطيرة ومثيرة وأخذت استعرض  مشاهد وصور كوابيسي ليلة أمس ..... سالت عنه  كل من صادفته  على امتداد الشارع الذي ينتهي عند ((بنكَلة )) السمك عند حافة الهور من الجهة الغربية للمدينة دون جدوى . ولكن عند وصولي البنكلة  أجابني على استفساري  احد الصيادين قائلا:-

 انه استغرب كثيرا لوجود كاكه حسن على حافة الهور في مثل هذا الوقت  ولكني كما يقول الصياد انشغلت  عنه بجمع شباكي  وربط البلم تحت وابل من المطر ولفح الريح العاتية ولم  اعرف سبب وجوده ولاماحصل له بعد ذلك؟؟؟

 هرعت  مصطحبا  معي الصياد   داعيا الجميع إلى مرافقتي كمن يجمع الناس ل((فزعة))  إلى المكان الموصوف   علني استطيع ان أساعد (كاكه حسن) في صراعه مع  الأفاعي في بطن الهور لاسترداد ة عشبة الخلود  وكأني أعيش كوابيس الأمس في الواقع وليس في الحلم ؟؟؟

 لم نعثر على ((كاكه حسن))ولا على الزورق  بل إستقبلنا الهور بوجوم وسكون وصمت غريب  كأنه وكل كائناته يقف لحظة حزن عميق !!!!  وقد عثرنا  على مكنسة ((كاكه حسن)) مربوطة بسلسلة البلم  وقداحتة الحمراء ؟؟؟التي لم تزل عندي بالحفظ والصون حرصي عليها لم يدانيه حرص على أي شيء آخر؟؟؟!!!

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | أرشيف الأخبار | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

تصدرها مجموعة من الصحفيين والكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة